جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
المجتمع الصيني:-6 -مفاتيح العقل الصيني


-6-

من الصعب فهم الصين دون العثور على المفاتيح التي تمكنك من الدخول إلى عالمها الخاص والغامض بالنسبة لنا . وقناعتي أن هناك مفتاحين لفك رموز العقل الصيني هما: الكونفوشية والطاوية . و لا يمكن أبدا فهم الصين وشعبها دون معرفة هاتين الفلسفتين اللتين باتتا بمثابة الدين الرسمي والهوية الوطنية للشعب الصيني . طبعا لا يمكن اغفال دور البوذية والاسلام في التاثير على العقل الصيني . لكنه ينظر الى البوذية وفلسفتها في الصين على انها دين جاء من الخارج – من الهند، وكذلك الامر بالنسبة الى الاسلام ، بينما نبتت الكونفوشية والطاوية في الارض الصينية ، ولذلك لا تزالا مؤثرتين حتى اليوم .

الكونفوشية
ويبقى فهم تراث الصين الحضاري عبر الكتب والمراجع فقط ناقصا ومجتزأ، ولكي تكتمل الصورة لا بد من معايشة تأثير هاتين الفلسفتين على نمط الحياة العملية في الصين . وقد وفر لى وجودي في الصين فرصة عظيمة لتحقيق ذلك . وكانت البداية من دعوة تلقيتها في شهر ايلول عام 2005من وزارة الثقافة الصينية لحضور الاحتفالات المخصصة لذكرى مرور الفين وخمسمائة وستة و خمسين عاما على ميلاد كونفوشيوس .كان مكان الاحتفال في مقاطعة شاندونغ مدينة تشيوفو مسقط رأس كونفوشيوس (551-479ق م) ، والتي تبعد عن بكين نحو 500 كم .
وبعد وصولنا من بكين إلى مطار محلي في المقاطعة ، كان في استقبالنا ممثل الحكومة المحلية في مدينة تشيوفو . وكنا عشرة ضيوف في الحافلة التي أقلتنا إلى المدينة المذكورة . أعلمنا المرافق أنه بعد ساعة سنصل إلى مكان الاحتفال ، وانه خلال تلك الفترة سيسعى الى تزويدنا ببعض المعلومات عن أماكن كونفوشيوس . قال المرافق:
لقد تم اكتشاف ثلاثة مواقع تاريخية متعلقة بكونفوشيوس في تشيوفو ، الأولى غابة كونفوشيوس، والثانية معبد كونفوشيوس والثالثة قصر كونفوشيوس.
وتضم الغابة مقبرة كونفوشيوس، وهي عبارة عن تل مرتفع ، تقف أمامه صخرة كبيرة نقش عليها خمسة مقاطع صينية تعني ، "الأب المقدس". و تقع الغابة على مسافة كيلومتر واحد شمالي مدينة تشيويفو. وهي المدفن الخاصة لكونفوشيوس وأسرته، وتعتبر المقبرة الأطول عمرا في تاريخ الصين، والأوسع مساحة والأكثر اكتمالا في التكوين.
أعيد بناء المقبرة عدة مرات ، وكانت تتوسع مع ارتقاء شهرة كونفوشيوس في مختلف العصور، وتبلغ مساحتها الآن كيلومترين مربعين. تحيط الغابات جدران يبلغ ارتفاعها 4ر3 م وطولها 5ر7 كلم، وفي الغابة عدد من الحدائق الاصطناعية الكبيرة التي تضم ابنية قديمة. وقد باتت الغابة منتزها وطنيا ،فيه مائة ألف شجرة كبيرة، منها عشرون ألف شجرة تجاوز عمرها ألف سنة. وتتناثر بين أشجار الغابات القديمة نصب حجرية ذات نقوش دقيقة.
توقفت الحافلة للتزود بالوقود، وكانت هذه فرصة لنا للخروج والتجوال. على طرفي الشارع انتشرت أكشاك صغيرة لبيع تماثيل كونفوشيوس، ونسخ مقلدة من مؤلفاته ، وكراسات تتحدث عن نسله منذ خمسة وعشرين قرنا . واللافت ان عدد المنحدرين من صلب هذا الفيلسوف يبلغ الان نحو مليون صيني.
واصل المرافق حديثه بعد ان استأنفنا السير بقوله: أما جوهرة أماكن "المعلم" فهو بالتأكيد معبد كونفوشيوس، الذي بني على شكل متاهة من التلال الكبيرة، المليئة بأبراج الاجرس والأعمدة الخشبية المنحوتة على شكل تنانين( جمع تنين ) ، وألواح حجرية نقشت عليها أقوال الفيلسوف . و أبنية المعبد تشبه القصور، وتغطي تسعة أفنية على خط محوري من الجنوب إلى الشمال. هناك غرف وقاعات كثيرة في المعبد منها ،القاعة الكبيرة والقاعة الصغيرة والمقصورة ومذبح القرابين والصالون و54 قوس نصر، على مساحة 218 ألف متر مربع. والمعبد محاط بسور أحمر تتوسطه أقواس النصر وأبراج الزاوية.
وقدس الاقداس في المعبد هو حائط "لو" المشهور، وهو بناء استطاع " المعلم "أن يخفي بين أحجاره كتبه و تعاليمه عندما اصدر احد أباطرة الصين أمرا بحرق هذه الكتب واعتقال الفيلسوف.ولحسن الحظ ، أن قوات الإمبراطور لم تعثر على هذه المؤلفات ولم تتمكن من اعتقال صاحبها الذي توارى عن الأنظار . والمعبد الحالي هو نموذج لأكثر من 2000 معبد لكونفوشيوس موجودة في الصين وكوريا واليابان وفيتنام وإندونيسيا وسنغافورة والولايات المتحدة والدول الأخرى. وتستمر في المعبد طقوس العبادة منذ 2400 عام ، مما جعله يتصدر المعابد الصينية من حيث مدة استغلاله، كما أنه أيضا يعتبر أحد أقدم العمارات في الصين.
وهنا ارتفعت الأيادي لطرح سيل من الاسئلة، لكن المرافق سارع للقول :ستقام على هامش الاحتفال ندوة خاصة عن الفيلسوف، لمدة يومين . وسيلقي مختصون كلمات عن مختلف مراحل حياة كونفوشيس وأفكاره. ، وستعرفون كل ما يهمكم عن كونفوشيوس .
وواصل المرافق شرحه : اما المجمع الثالث فهو قصر كونفوشيوس الذي يقع في قلب المدينة. وهو عبارة عن مجمع سكني يعيش فيه أحفاد الفيلسوف من الجيل التاسع إلى الجيل السابع والسبعين على امتداد 2500 عام، وقد بنى الأباطرة هذه الأبنية لإظهار احترامهم لكونفوشيوس. لكن معظم غرف الفناء غير مفتوحة للسائحين، على الرغم من أن هناك أيضا العديد من الغرف المفتوحة والتي تعطي المرء فكرة عامة جيدة عن الحياة خلال ازمان مختلفة.
وقد توارث ابناء كونفوشيوس لقب العائلة على مرور 2100 سنة ماضية، مما جعل عائلة كونفوشيوس أقدم عائلة نبلاء في الصين. ويعتبر قصر كونفوشيوس من أكبر القصور الموجود إلى الآن حجما وأحسنهم تكاملا، ونموذج للمباني التي تجمع بين الوظيفة الإدارية والسكنية.
وأضاف المرافق:يمتلك معبد وحديقة وقصر كونفوشيوس قيما علمية وتاريخية وفنية عالية ، تتمثل في القطع الأثرية المحتفظة فيها. فهذه المجمعات تضم أكثر من 300 مبنى، ونحو 1300 غرفة ، تعكس كلها خصائص العهد الذي تنتمي إليه، هناك أيضا أكثر من 1000 منحوتة وصورة لكونفوشيوس وأداة حجرية وغيرها من القطع التي تحكي التغييرات التي عرفتها الصين في التاريخ. ويضم المجمع ايضا 5000 قطعة من الخطوط الصينية القديمة و وثائق قيمة لدراسة السياسة والإيديولوجيا والاقتصاد والثقافة والفنون في الصين؛ و هناك أكثر من 100 ألف قبر تعد مرجعا هاما لدراسة طقوس الدفن، ونحو 20000 ألف شجرة تعد بمثابة تحف حية لدراسة البيئة القديمة والجو في العصور القديمة. وهناك حوالي 100 ألف قطعة من التحف، أشهرها ملابس عهد أسرتي يوان ومينغ، وصور لكونفوشيوس ، وصور لأبنائه وزوجاتهم، وأدوات العبادة والمراسم، و300 ألف وثيقة محفوظة في قصر كونفوشيوس حول عهد أسرتي مينغ وتشينغ ،وتعد أكبر محفوظات خاصة في الصين، لذا فقد أدرجت "مباني كونفوشيوس الثلاثة" في قائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو.
وصلنا الى مقر الاحتفال في معبد كونفوشيوس ، واول ما طالعنا، تمثال ضخم للفيلسوف ، ولوحات حمراء كتبت عليها عبارات من مؤلفاته. في مدخل المعبد، اصطف رهبان حليقو الرؤوس بلباس اصفر،وكانوا يحيون القادمين بالطريقة الصينية القديمة بتشبيك أيديهم الى الإمام بعيدا عن الصدر، ويقدمون التبريكات . وفي القاعة الضخمة انتصبت صورة ضخمة "للمعلم"مع عبارات تشير الى ذكرى مولده . كانت القاعة تغص بمئات من المختصين بالتاريخ الصيني والرهبان والضيوف الأجانب .وقدمت فرقة موسيقية بعض المعزوفات الصينية القديمة ، كما اعتلى المسرح فنانون يرتدون ثيابا مزركشة وأقنعة مختلفة، وبدأوا بتقديم بعض اللوحات من أوبرا صينية قديمة تكريما " للمعلم " .بعد ذلك بدأت الكلمات . وقد حرصت - من خلال المترجم – على تسجيل مضمون الكلمات الاساسية .كانت البداية بتقديم لمحة عن الفيلسوف . ومما جاء في الكلمة المخصصة لذلك ، ان كونفوشيوس هو الاسم الشائع خارج الصين لفيلسوف الصين الكبير كونغ فو تسي. ولد عام 551 ق.م وتوفي عام 479 ق.م في دويلة لو (مقاطعة شاندونغ حاليا). في ذلك العصر سادت الفوضى وتهاوت القيم الأخلاقية في المجتمع، فكان الابن يقتل أباه والوزير يقتل ملكه. كان أجداد كونفوشيوس من النبلاء في دويلة سونغ، ولكن أسرته عانت من الفقر أثناء طفولته. وقد مات أبوه وهو في الثالثة من عمره وماتت أمه وهو في السابعة عشر. هذه الخلفية الأسرية جعلته يسعى منذ طفولته إلى طبائع النبلاء وإلى وظيفة رسمية. درس كونغ فو تسي، وعمره عشرون عاما، المهارات الأساسية الست في الصين القديمة، وهي الثقافة والتواصل الاجتماعي والشؤون العسكرية والووشو والكتابة والحساب؛ وهي المهارات التي كان يجب توفرها في من أراد الانضمام إلى الدائرة السياسية. كان الهدف السياسي الأسمى لكونفوشيوس هو العودة بالمجتمع إلى ما كان عليه من نزاهة وأمانة في بداية أسرة تشو الغربية (القرن الحادي عشر ق م – 771 ق.م) وإعادة نظام الدرجات الاجتماعية الهرمي. في سن الثلاثين استوعب المهارات الست، وازدادت شهرته وسعى إليه كثيرون طلبا للعلم، فأنشأ معهدا خاصا في بيته هو الأول من نوعه في الصين، ومارس فيه مهنة التعليم،. لقد اعتبر كونفوشويس التدريس سبيلا آخر للانضمام إلى الدائرة السياسية، ولهذا أمضى حياته كلها ما بين التدريس والعمل السياسي، حيث شغل منصب المسئول عن دائرة الشؤون القانونية في حكومة دويلة لو، وكان عمره خمسون عاما، ولكنه ترك العمل بالحكومة بعد مكيدة سياسية دبرت له. بعدها تجول مع تلاميذه بين الدويلات لمدة أربع عشرة سنة، سعيا لإصلاح المجتمع وتحقيق مُثله، ولكنه لم يجد فرصة لذلك، فعاد إلى دويلة لو ومات بعد ثلاث سنوات.
لقد تقلب كونفوشيوس طوال حياته بين العمل التربوي التعليمي والعمل السياسي بكل ما بين السياسة والواقع الاجتماعي القاسي من تناقضات. و حاول أن يحقق مُثله في المجتمع الحقيقي، وبذل كل ما يستطيع مع علمه لتحقيق ذلك. لم ينجح كونفوشيوس في عالم السياسة ولكنه أصبح أعظم معلم في تاريخ الصين.
واعتلى المنصة شخص اخر تحدث عن موقف كونفوشيوس من المجتمع والسياسة . اكد المتحدث ان محور الكونفوشيوسية هو النزوع الى الخير ، القائم على احترام الأبوين والأخوة والأخوات و معاملة الآخرين باحترام . فإذا كنت كبيرا، وأريد أن يحترمني الناس، علي أن أحترم الآخرين أولا، وإذا كنت طفلا وأريد أن يحبني الناس، علي أن أحب الآخرين أولا.والنزوع الى الخير ينبغي ان يكون الهادي في ممارسة الشؤون السياسية .و تبدأ السياسة من أصغر وحدة بالمجتمع، ألا وهي البيت والعائلة. فإذا ساس المرء أمور عائلته بالأخلاق الفاضلة، ساهم بنشر الفضيلة في عموم المجتمع، والسياسة هي الإصلاح، فإذا جعل الحاكم نفسه أسوة حسنة لرعيته، فلن يجرؤ أحد على الفساد." والحكم الرشيد- براي المعلم –ينبغي ان يقوم : على خمس حسنات، هي أن يجود على الرعية من غير إسراف، ويكلــفهم بالأعمال من غير ظلم، ويكسب ما يرغب فيه من غير طمع، ويكون هادئا مـن غير تكبر، ومهيبا من غير قسوة .ويعتقد كونفوشيوس أنه ينبغي على المرء أن يسيطر على نفسه ويرتقي بأخلاقه إلى الدرجة العالية ويحقق ذلك بأفعاله، فيستطيع أن يفيد الآخرين في تحقيق الخير. وإذا تناقضت مصالح الحياة والأخلاق لا يجوز التضحية بالأخلاق من أجل مصالح الحياة. باختصار ، إن الفكر الكونفوشيوسي يقوم على دمج مبادئ الأخلاق بالسياسة .
انتهت المحاضرات ، ودعينا للقيام بجولة في أماكن "المعلم" التي أشير لها .لقد عشت لحظات لا تنسى في حضن التاريخ ، وتنسمت عبقه ، ولمست مدى التأثير العميق الذي تركه هذا الفيسلسوف على امتداد خمسة وعشرين قرنا. واللافت أن ظل هذا الرجل بقي مرتسما في عقول الناس ونمط حياتهم طيلة هذه الفترة المديدة
لقد أدركت – بعد هذه الرحلة – الجوهر الحقيقي للكونفوشية .فهي تعني عمليا، الحفاظ على الاستقرار والتمسك بتراتيبية اجتماعية صارمة ، فالصغير يحترم الكبير ، بغض النظر عن من يكون هذا الكبير،سواء كان حاكما أم رب أسرة ،والموظف الصغير ينبغي ان يطيع الكبير. والاهم هو الحفاظ على الكرامة وماء الوحه. والسياسة والإدارة ينبغي أن ترتبط بالأخلاق ، والحاكم الرشيد ينبغي ان يكون عادلا. واعتقد إن من أهم الأفكار التي طرحتها الكونفوشية كانت الوسطية ، وهذه الفكرة ذات جذور ضاربة في عمق الحضارة الصينية ، فهي قد ارتبطت بأنشطة الصيد وقامت أولا على ضرورة التصويب بالرمح او السهم في منتصف الطريدة ،لأن الإصابة تقع في منتصف الهدف ، ومن ثم تجردت هذه الفكرة وبات لها دلالة جديدة . ففي الصين القديمة ارتبط معنى منتصف الشيء بالاستقامة : فأوسط الأشياء هو دليل علي الخير ،

ويعود الفضل الي كونفوشيوس في الربط بين الوسطية والاعتدال : حيث استطاع تطوير مفهوم الوسطية علي أساس من أفكار الاعتدال مما شكٌل الفكرة الجامعة لمذهب الوسط الاعتدالي . وقد تحول الاعتدال عبر جهد واهتمام المدرسة الكونفوشية ،إلي فلسفة رسمية في أوائل عصر الدول المتحاربة ( 475 221ق.م) ومن ثم ارتقى هذا المفهوم و شهد ازدهارا وصل الى مراتب القداسة السماوية .ولم تعجب هذه المفاهيم الزعيم ماو تسي تونغ ، الذي رأى في الكونفوشية حاجزا أمام انطلاقاته الثورية . ولذلك اعتبر ماو ان الكونفوشية هي جزء من التراث الإقطاعي الرجعي ، وكانت النتيجة انه تم تسليط الثورة الثقافية لهدم الكونفوشية وتراثها ومضايقة أنصارها . ولكن ماو ذهب وبقيت الكونفوشية في الصين ، لا بل انها تطورت وتعمقت إلى حد أن الحكومة الصينية الحالية اعتمدت تسمية المعاهد الكونفوشية للمراكز التي تروج للثقافة الصينية في الدول الأخرى . وهذا يدخلنا مباشرة بتأثيرات الفكر الكونفوشي على العقلية الصينية . نبدأ من السياسة . حيث ان النهج الذي يختطه حكام بكين الحاليون ينبذ - بشكل عام - التطرف ويتمسك بالوسطية والاعتدال . وفي المجتمع ، فان احترام الكبير من جانب الأصغر سنا لا يزال السمة السائدة في المجتمع الصيني. ولن انسي حادثة حصلت معي بهذا المجال . فقد دعوت ذات مرة وزير خارجية الحزب الشيوعي الصين إلى منزلي في بكين . وعندما دخل الوزير لاحظت انه ليس في مقدمة الضيوف الصينيين ، وان شخصا آخر يسير أمامه . ارتسمت على وجهي علامات الاستفهام: فالضيف الأساسي هو الوزير ، بينما هناك شخص آخر دخل أمامه . سارع المسؤول الصيني لتبديد حيرتي عندما قال : هذا هو الوزير السابق ، وهو اكبر سنا مني ، ولذلك أقدم له آيات الاحترام . جلست الى جانب الوزير السابق ، وخلال الحديث كان الوزير الحالي يستأذن زميله السابق للرد على الأسئلة أو تقديم الاستفسارات . أراد المسؤول الصيني أن يشرح لى ،بطريق غير مباشر، مدى احترام الصينيين لكبار السن . وهذا موجود في القيادة الصينية . أمر آخر شاهدته من تطبيقات الكونفوشية ، وهو احترام الوالدين والعطف عليهما . وغالبا ما ترى في الشوارع والحدائق الصينية شبانا يدفعون عربة يجلس عليها عجوز ، هو في الواقع إما أب أو أم . ومرات كثيرة كان سائقي الصيني يستأذن عدم الحضور إلى الدوام للبقاء إلى جانب أبيه العجوز من اجل الترويح عنه . يروي الصينيون قصة مفادها ، إنه عندما توفيت والدة كونفوشيوس بقي يتردد علي قبرامه سبعا وعشرين شهرا ،انصرف خلالها عن زوجته‏، ويقال إن كونفوشيوس ربما يكون قد انشغل بزوجته الشابة وأطفاله الصغار عن بعض واجبات أمه عليه‏ ،‏ فلما رحلت شعر بوخز الضمير وفعل ذلك تكفيرا عن ذنبه وانتهى به الأمر إلى طلاق زوجته بعد أربع سنوات فقط من الزواج‏، واختصر أحد المؤرخين الصينيين الامر في عبارة تقول‏:‏ ماتت أمه فطلق زوجته‏.
والكونفوشية لم تؤثر في طبيعة حياة الصينيين وتفكيرهم فحسب ، بل نجد لمساتها على فن العمارة الصينية . وقد كتب الصحفي العربي المبدع حسين اسماعيل المقيم في بكين مقالة خاصة في إحدى المجلات الصينية عن هذا الموضوع ، اقتبس منها :
"يبدو تأثير الفكر الكونفوشي في عمارة الصينيين واضح من بيوت العامة إلى قصر الإمبراطور. فإنشاء بيوت العامة والتي تسمى سي خه يوان أي الدار المربعة، يلتزم بالمبادئ والقواعد الكونفوشيوسية في التعامل والعلاقات ،والتي تضع فروقا صارمة بين الداخل والخارج، السامي والوضيع، الذكر والأنثى. هذه القواعد عبارة عن منظومة مقننة من القواعد سيطرت على العلاقات البينية في المجتمع الصيني الإقطاعي، وكان هدفها الأساسي هو الحفاظ على النظام الاجتماعي الهرمي في الصين الإقطاعية وصيانته.وكانت تلك البيوت تجسيدا للفكر الكونفوشيوسي.
في فن العمارة للصين القديمة، المركز هو الأسمى والجوانب هي الأدنى منزلة، والشمال يفوق الجنوب، والشمال يفوق اليمين والأمام يفوق الخلف. وفي البيوت المربعة، الجناح الشمالي هو المرغوب أكثر، لأنه يواجه الجنوب ويتلقى معظم أشعة الشمس. الغرفة الوسطى في الجناح الشمالي، كونها الموقع الأعلى قيمة، تكون قاعة الاستقبال أو قاعة الأسلاف. والغرف الشرقية بالجناح الشمالي هي مسكن الأجداد والجدات، والغرف الغربية يسكنها عميد العائلة. الجناحان الشرقي والغربي هما مساكن الجيل الأصغر. كان الابن الأكبر وأسرته يسكنون بالجناح الشرقي، والأبناء الأصغر وأسرهم يسكنون في الجناح الغربي. وكانت غرف الضيوف والدراسة والمطابخ والمخازن تقع في الجناح الجنوبي. وكان المدخل الرئيسي والغرف العامة في الجناح الجنوبي تُفصل عن الفناء الداخلي بجدار له بوابة مزخرفة، تعزل الغرف الداخلية عن النظر من الخارج. لم يكن مسموحا للنساء بمغادرة الفناء الداخلي، ولم يكن يسمح للضيوف بالدخول إليه. وكانت الدور المربعة الأكبر تشتمل على أفنية فرعية وبنايات تستخدم لسكن غير المتزوجين من الأبناء والبنات، أو لأغراض متعددة. وتكون نوافذ الغرف مفتوحة كلها على الفناء الداخلي. وكان يحجب بين البوابة الرئيسية والأبواب الداخلية حوائط حاجزة لمنع الرؤية من الخارج. كانت الحياة داخل الفناء عالما يؤكد على الاختلاف في المكانة بين الأجيال القديمة والأجيال الجديدة وبين الرجال والنساء. هذه البيوت كانت تجسد التنظيم الأبوي الهرمي للمجتمع الإقطاعي الصيني، وبخاصة التفرقة بين الأعلى والأدنى، وبين الداخل والخارج، الذكر والأنثى وبين السادة والخدم.

وتعد المدينة المحرمة في العاصمة بكين، هي الأخرى، تجسيدا معماريا للفكر الكونفوشيوسي. فهذا المجمع الإمبراطوري الهائل يبرز بوضوح تأكيد كونفوشيوس على التقسيم الصارم للمكانة وموقع الفرد داخل منظومة التسلسل الهرمي.
كانت المدينة المحرمة مقر الإقامة الإمبراطوري ومقر الحكومة لأربع وعشرين إمبراطورا في فترتي أسرة مينغ وأسرة تشينغ من عام 1368 حتى عام 1911م. يشتمل هذا التجمع المعماري الهائل على قاعات تشريفات، مكاتب حكومية ومساكن للخدم والعاملين، وكذلك قصور وأفنية للمعيشة والعبادة والدراسة والتسلية لأفراد الأسرة الإمبراطورية. تغطي المدينة المحرمة مساحة 720 ألف متر مربع، وكانت تشتمل على 9999,5 غرفة. وقد عمل في إنشائها 300 ألف فرد لمدة 14 عاما.
تجسد المدينة المحرمة الفرق بين الحاكم والمسؤل الكبير والصغير، وبين الزوج والزوجة، وبين الزوجة الأساسية والمحظية. كانت المنطقة التي كان يعالج فيها الإمبراطور الشئون الرسمية تقع أمام مجمع المدينة المحرمة. وكانت المناسبات الاحتفالية ومقابلة المسؤلين المدنيين والعسكريين تقام في القاعات الكبيرة الثلاث. كانت هذه القاعات مشيدة على منصة مرتفعة تمتد من الجنوب إلى الشمال، على طول المحور المركزي للمدينة المحرمة. أهمية هذا البناء، وكذلك موقعه المركزي كانا تعبيرا عن الاحترام للسلطة الإمبراطورية.
خلف القاعات الرئيسية الثلاث كانت مقار الإقامة الإمبراطورية للإمبراطور والإمبراطورية، وعدد كبير من الأفنية الإضافية. هذا التصميم كان تعبيرا عن المفهوم الكونفوشيوسي القائل: "العام في الأمام، والخاص في الخلف". وحيث أن تعدد الزوجات كان موجودا في الصين القديمة، حيث توجد زوجة أساسية والعديد من المحظيات في الأسرة الواحدة. كانت الإمبراطورة فقط، كونها الزوجة القانونية للإمبراطور، لها مسكن على المحور المركزي للمدينة المحرمة. وكانت مساكن المحظيات الإمبراطوريات تقع في اثني عشر فناء شرق وغرب الخط المركزي. كان هذا الترتيب تمثيلا حيا للمكانة العليا للزوجة الأساسية في علاقتها مع المحظيات..
لقد أدى النظام الاجتماعي الهرمي في الصين إلى وجود نظام صارم للغاية للوائح والنظم المعمارية. كانت جميع الإنشاءات تخضع لمبادئ وقواعد البناء التي تضع فروقا واضحة للمكانة والوضع. هذه المبادئ والقواعد سيطرت على كافة أوجه التصميم والإنشاء، وكان يتم تنفيذها بقوة القانون. في القرن السابع الميلادي وُضع نظام شامل لمبادئ وقواعد البناء. هذه المبادئ والقواعد، أي كود البناء، حددت الإنشاء المسموح به لكل مستوى في المجتمع، من الأسرة الإمبراطورية إلى النبلاء، المسئولين، وعامة الشعب. وقد شملت انظمه لكل أوجه البناء ، الأبعاد، شكل الأرضية والسقف والزخارف. وكان انتهاك كود البناء جريمة عقوبتها الإعدام في بعض الحالات. وأصبح فن العمارة أحد أهم رموز المجتمع الصيني الإقطاعي القائم على الطبقات.
وإذا زرت الصين ستلاحظ أمام مداخل المطاعم والفنادق تماثيل حجرية للأسود، ترحب بالزبائن. في الماضي كان مسموحا فقط للمسئولين من الدرجة الخامسة وأعلى أن يضعوا تماثيل أسود حجرية ضخمة خارج بوابات بيوتهم، وكان عدد الصفوف في شعر رأس تمثال الأسد يعطى إشارة لمكانة قاطن البيت. كان أسد الإمبراطور به 13 صفا، وأسد الأمراء به 12 صفا، وأسد المسؤولين يكون به أقل من هذا العدد.
وترى في البنايات الصينية القديمة أشكالا خزفية لمخلوقات أسطورية توضع على الأطناف. هذه الأشكال كانت وظيفتها الأصلية حماية رؤوس المسامير التي تحت بلاط السقف وكانت تستخدم كزخرفة تشير إلى مكانة شاغل المكان. خلال فترة أسرة تشينغ (1644- 1911م)، وضعت قواعد تربط نوع وعدد الأشكال بوظيفة البناية. وقد كانت قاعة الانسجام التام فقط، التي يمارس فيها الإمبراطور شعائر تقديم القرابين، هي الوحيدة التي بها الأنواع العشرة من المخلوقات، وكذلك أشكال الخالدين. وكان في البنايات الأخرى عدد أقل من هذا الرقم".
ما لم يقله السيد حسين ، أن أثرياء الصين الحاليين ينافسون بعضهم لبناء مساكن على الطراز الكونفوشي ، وان اغلي المساكن في بكين ، باتت تلك القديمة التي يعاد ترميمها ، لا بل إن التقيد بالتقاليد الكونفوشية بات مدعاة فخر للصينيين.
ونظرا لأن الصينيين القدماء اعتقدوا في عدم هلاك الروح، فقد كانوا غالبا يعبدون البشر المميزين بعد موتهم، فكان كونفوشيوس يُعبد على أنه السيد أو الأستاذ الروحي للمثقفين في الصين القديمة، وبجانب كل مدرسة كان يوجد معبد لكونفوشيوس. هذه المعابد الكونفوشيوسية التي كانت تُسمى أيضا معابد الثقافة، كانت مراكز روحية للعلماء الصينيين على مدى ألفي سنة. وكان لعامة الناس معابد مخصصة لكونفوشيوس تسمى معابد العلماء.
لقد أثبت فكر كونفوشيوس وقواعد التعامل الكونفوشيوسية ،أنها وسيلة فعالة في الحفاظ على النظام والاستقرار في المجتمع الصيني الإقطاعي. فالكونفوشيوسية، كونها النظام الفكري المعترف به رسميا للدولة الصينية القديمة والذي جمع بين السياسة والفلسفة والأخلاق، وصلت تدريجيا إلى مكانة العقيدة، وبات مؤسسها، كونفوشيوس يُعبد كإله. وقد أدى تبجيل الصينيين لكونفوشيوس إلى تأليهه تدريجيا. وكان من بين ألقابه العديدة سيد نشر الثقافة، المنجز العظيم، الحكيم المطلق، المعلم الأول، والحكيم. لمطلق.
وهكذا ، فان الكونفوشية لا تزال حتى الان تؤثر بشكل مباشر في تفكير الصينيين وتحدد كثيرا نمط سلوكهم .
في الحلقة القادمة سنتحدث عن المفتاح الآخر للعقل الصيني  وهو الطاوية .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة