جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
المجتمع الصيني :-5 - شخصيات صينية

-5-

استلمت ذات مرة رسالة من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، تتضمن دعوة لحضور افتتاح الدورة السنوية للبرلمان الصيني والمجلس الاستشاري.وعادة، تعقد الدورة في الربع الاول من كل عام وقبل عيد الربيع الصيني ،وتستمر عدة ايام . وخلال هذه الفترة تتوقف انشطة المؤسسات الحكومية والحزبية والشعبية كلها بسبب مشاركة هذه الهيئات في اعمال الدورة . والموضوع الاساسي للنقاش هي التقارير التي تقدمها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عن واقع الحال في البلاد خلال العام المنصرم ،لكن التقرير الذي قدمه ون جيا باو رئيس الحكومة ،حول انشطة الوزارات كلها يعتبر هو الاهم . ويخضع التقرير الى نقاش ونقد وتقويم من جانب نحو اربعة الاف مندوب جاءوا من مختلف انحاء الصين .وهذا النقاش ليس شكليا ، وقد يفضي الى اقالة هذا الوزير او ذاك .فالبرلمان الصيني له صلاحيات واسعة تشمل، انتخاب رئيس الجمهورية ونائب الرئيس، واقرار تعيين رئيس مجلس الدولة (رئيس الحكومة ) ونوابه والوزراء ورؤساء اللجان المختلفة، والمدقق العام لهيئة المحاسبة الوطنية والامين العام لمجلس الدولة، وانتخاب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، واقرار تسمية اعضاء اللجنة الآخرين، وانتخاب رئيس المحكمة الشعبية العليا والمدعى العام للنيابة العامة الشعبية العليا. وله ايضا ،سلطة اعفاء هذه الشخصيات كلها من مناصبها.ولذلك ، فان الحكومة تستعد جيدا لهذه الاجتماعات.
دخلت الى قاعة المؤتمر في صالة الشعب الكبرى. واول مايلفت الانتباه هناك، وجود المنصة الهائلة المسورة من الامام بحائط من الزهور المختلفة الالوان ، وفي الخلف اصطفت حزمتان من رماح تحمل الاعلام الصينية الحمراء ، يتوسطهما شعار جمهورية الصين الشعبية الذي علق في وسط االحائط .و اللون الاحمر هو الغالب في كل مكان حتى على مقاعد القاعة وجدرانها ،وجزء من سقفها المرصع بدوائر هائلة من نقاط الانارة .وعلى جانبي المنصة ، نصبت لوحتنان تشيران الى عدد النواب الحاضرين منهم والغائبين.
بعد ان اكتمل حضور النواب الذين شغلوامقاعدهم في القاعة الارضية ، جلس الضيوف – وانا منهم- في الطابق العلوي .وفي الساعة التاسعة صباحا ، صدحت موسيقى عسكرية تنبأ بالاستعداد لاستقبال قادة الدولة والحزب . واول من دخل الى المنصة رئيس الجمهورية هوجين تاو ، يليه الرئيس السابق جيانغ زيمين(وهذا تقليد مستمر يقضي بحضور الرئيس السابق) ثم رئيس البرلمان والحكومة واعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، وبقية اعضاء المكتب السياسي واعضاء قيادتي مجلس النواب والمجلس الاستشاري .وقف جميع الحضور لتحية القادمين.وكان المنظر يشبه لوحة سيريالية متداخلة الالوان والاشكال.فعدد من النواب ارتدى الملابس الشعبية للقوميات الصينية بالوانها واشكالها الفضفاضة المبهرة ، اما النساء ، فقد تفنن في ارتداء الازياء القومية المزركشة، والتزين بقلادات من الخرز والفضة واصداف البحر اللماعة ،وزين معاصمهن باساور من احجار كريمة مصقولة ، واعتمرن قبعات فاقعة الالوان غريبة الشكل، منها المدور والمستطيل والمربع . واضفى هذا كله مزيدا من الروعة والغرابة على هذا الاجتماع الرسمي الصارم .بعد ان جلس الجميع ، وهدأت الجلبة وخفت الهمهمة ، اعتلى رئيس البرلمان المنبر المزين بالورود ،وقدم كشف حساب لما قام به البرلمان خلال عام ، ثم اعطيت الكلمة لرئيس الحكومة ون جيا باو ، الذي تحدث عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد،وعن الاجراءات التي اتخذتها الحكومة وخطة عملها للعام القادم ،واقتراحاتها لتسريع وتائر التطور .وفي حقيقة الامر .كان الخطيب يتحدث ببطىء وطلاقة وثقة بالنفس وجهورية ،وكان ينهى كل فقرة من تقريره برفع صوته والتشديد على مخارج الكلمات، وهو امر يقابل بتصفيق حاد. واعتقد ، بان هذا التصفيق لم يكن استحسانا بمضمون الفقرة فحسب ، بل ايضا تقديرا للرجل ولانجازاته . اذ من الصعب الحديث عن المعجزة الصينية الحالية، دون ربطها بالمشرف على الملف الاقتصادي في القيادة الصينية وهو ون جيا باو- رئيس الوزراء.فرغم كل الانتقادات التي توجه اليه باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية ، الا انه تسجل له القدرة على قيادة الاقتصاد الصيني بكفاءةومهنية عاليتين. فقد حافظت الصين خلال العقد الاخير على نمو سنوي يفوق العشرة بالمائة، اضافة الى ان الاقتصاد الصيني تمكن من الخروج من الازمة العالمية باقل الخسائر ، وهو الان يستجمع مواطن قوته لتحقيق وثبات جديدة . وكان لون جيا باو الدور الرئيس بذلك . لكن هناك مآخذ على رئيس الوزراء، يعبر عنها الصينيون باشكال مختلفة ،منها تعمق التفاوت الاجتماعي وعدم التطور المتساوي في مقاطعات الصين ،وتفشي الفساد والتلوث، وتوظيف نحو الف مليار دولار في امريكا، الامر الذي عمق تبعية الاقتصاد الصيني لامريكا.
ومع ذلك ، فالرجل يحظى بثقة القيادة والرئيس ، وهو ليس مجرد رئيس للحكومة ، بل هو شريك اساسي في كل القرارات الاقتصادية والسياسية.
في الاستراحة التي اعقبت جلسة الافتتاح ، لاحت فرصة للسلام على رئيس الحكومة . تقدمت – مع غيري من السفراء – للمصافحة والتقاط الصور التذكارية .رحب بنا رئيس الحكومة و قال : اريد ان اصحح بعض تصورات ضيوفنا من الدول الاخرى عن بلادنا .ان الصين اكثر بلدان العالم سكانا ، وهي في الوقت نفسه لا تزال بلدا ناميا يسعى الى التطور . وارجو ان تأخذوا ذلك بعين الاعتبار ، فالى جانب وجود المناطق المتقدمة مثل شنغهاي وشينجن وكوانجو وبكين ، لا تزال توجد مناطق يعيش فيها نحو مئة وخمسين مليونا من الفقراء . ونحن نهتم بتخليص هؤلاء من الفقر . صحيح ان متوسط الدخل للفرد في بعض المدن يصل الى نحو ثمانية الاف دولار ،ولكن هناك صينيون عاطلون عن العمل ،واخرون لا يتجاوز دخلهم مئات الدولارات في السنة . عليكم ان تروا الصين من كل جوانبها ، لتدركوا حجم العبء والتحديات التي تعترض مسيرة النمو في البلاد.
هذه النغمة سمعتها فيما بعد من كل مسؤولي الصين . فهم لا يتحدثون عن الانجازات الكبيرة التي حققتها البلاد- وهي كثيرة - بل يركزون على المشكلات المتبقية ، ويطلبون من الضيوف رؤية هذه المشكلات وابداء آرائهم حولها .
وتكررت لقاءاتي مع رئيس الحكومة الصينية من خلال الوفود السورية العديدة التي زارت الصين.وكان موضوع التعاون الاقتصادي هو الاساس في لقاءات ون مع الضيوف السوريين . لا بل ان هناك تقليدا في الصين،يتم بموجبه بحث المسائل السياسية مع رئيس الجمهورية او نائبه وكذلك مع مسستشار الدولة للشؤون الخارجية ووزير الخارجية ، وعندما يبدأ الشق الاقتصادي تجري اللقاءات مع رئيس الوزراء.يتميز ون جيا باو بالبراغماتية والوضوح وعدم اعطاء الوعود جزافا .و كل المسائل كانت تناقش في ضوء المنفعة المتبادلة والقوانين التجارية . لا مكان للعواطف او الامزجة او التسرع او الارتجال . وهو امر لم يعتد عليه كثير من الوفود العربية ، التي تأتي محملة بالمشروعات والخطط الهائلة ، ولكن بعد اللقاءات ،"تضغط" هذه الاقتراحات الى الحدود الدنيا الممكنة والتي تلبي اولا مصالح الصين، وتعود بالمنفعة على الطرف الاخر . وانطلاقا من ذلك ، تكونت لدى الدبلوماسيين في بكين صورة ون، على انه مفاوض صعب لايعطي بسهولة، ويعرف كيف يتملص بادب،من القضايا التي لا تروقه عبر احالتها الى دهاليز الجهات المختصة التي تتقن فن المماطلة والتأجيل !
ون جيا باو هو انموذج للقيادات الصينية الجديدة التي راكمت خبراتها من خلال التدرج في سلم المسؤولية .
ولد فى عام 1942 فى مدينة تيانجين ، وبدأ العمل فى مقاطعة قانسو فى شمال غربي الصين لمدة 14 عاما في مهمات محلية مختلفة. ثم انتقل الى وزارة الجيولوجيا والموارد المعدنية فى بكين فى عام 1982. وبداية من عام 1985 عمل لمدة ثمانية اعوام فى المكتب العام لللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى المعني اساسا بالشؤون الاقتصادية ،ثم اصبح نائبا لمديره ثم مديرا له بعد ذلك.ونتيجة لتمييزه في العمل عين ون عام 1998نائبا لرئيس وزراء الصين
وكان الاصغر سنا الذي تبوأ هذا النصب . عهدت الى ون مهمة الاشراف على الشئون الزراعية والريفية والتخطيط الاقتصادى والمالى.
وانتخب عضوا فى اللجنة الدائمة للمكتب السياسى للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى فى عام 2002 واعيد انتخابه عضوا فى هذا الجهاز الاعلى لصنع القرار الذى يضم تسعة اعضاء فى عام 2007. ومنذ مارس عام 2003 يشغل منصب رئيس مجلس الدولة – أي رئيس الحكومة. طيلة هذه الفترة ، وقف ون فى الطليعة فى مواجهة كل الكوارث الطبيعية التي حلت بالصين. فهو عبر عن شجاعة فائقة عندما زار المستشفيات المقبضة للنفس خلال اندلاع مرض السارس فى عام 2003 دون كمامات ،وسافر عبر الطرق الوعرة الزلقة ليراقب اعمال الاغاثة عندما وقعت اسوأ عاصفة ثلجية خلال خمسين عاما وسط وجنوب وشرق الصين ، ,وكان يشرف على عمليات الانقاذ ائر الزلزال المدمر الذي ضرب مقاطعة سيشوان،وقد زار معظم محافظات البلاد النائية التى يبلغ عددها أكثر من 28 منطقة ،وهو يرتدى سترته المصنوعة محليا وحذاءه الخفيف ويتجاذب أطراف الحديث مع المزارعين وعمال المناجم والعمال المهاجرين .
ذات مرة دعا ون عددا من مزارعى الحبوب ومدرسى الريف وعمال المناجم والعمال المهاجرين واطباء المناطق الى تشونغنانهاى- مجمع القيادة الصينية الذى لا يدخله عادة عامة الناس- وذلك للاستماع الى تعليقاتهم حول شئون الدولة وسياسات الحكومة. رفع شعار "اهم قضية تحت الشمس هى رعاية رفاه الشعب".
قال ون فى عدة مناسبات "من الصعب ان تكون رئيسا لحكومة اكثر دول العالم سكانا" واضاف "ان قضية تافهة تصبح قضية كبرى عندما تضربها فى 1.3 مليار والرقم الفلكى يصبح رقما هزيلا عندما يقسم على 1.3 مليار".
ون، رجل مستقيم، يمقت الفساد. وفى مؤتمر صحفى عقده بعد احدى الدورات البرلمانية قال "ان كل المسئولين الفاسدين يجب تقديمهم الى العدالة ومعاقبتهم بشدة طبقا للقانون أيا كانوا وأيا كانت مواقعهم".
والخطوة التالية التي كان من الضروري ان انفذها ، تجلت في التعرف على الجهات الرسمية الصينية المعنية مباشرة بالعلاقات مع الدول الاخرى ، واقصد من ذلك ، وزارات الخارجية و التجارة الخارجية والثقافة والدفاع والحزب الشيوعي الصيني وغيرها .والشيء الذي لفت انتباهي في هذه الجهات ،هو احتواؤها على اقسام قوية مختصة بالعلاقات مع الدول العربية ،يرؤسها خبراء يعرفون المنطقة العربية ويتكلم معظمهم اللغة العربية .وتبين فيما بعد ، ان لهؤلاء الخبراء دور كبير في اتخاذ القرارات المتعلقة بعلاقات الصين مع الدول الاخرى . وتسود الاوساط الدبلوماسية الاجنبية في الصين قناعة ، بان اقامة علاقات جيدة مع هؤلاء الاشخاص ، والتواصل الدائم معهم ، تمثل شرطا ضروريا لكل سفير راغب في تطوير علاقات بلاده مع الصين. فالقرار في اي مجال خارجي يبدا في الصين من الحلقات الدنيا ، والقيادة الصينية لا تتخذ خطوات دون العودة الى هذه الحلقات ، التي هي بمثابة المطبخ السياسي الذي يوفر متطلبات القرار.
وكانت البداية من وزارة الخارجية . فقد اتاح لي عملى كسفير وعميد للسلك الدبلوماسي العربي ،ان اتعرف عن قرب الى ثلاثة وزراء خارجية للصين عاصرتهم ، وفي المقدمة منهم
تانغ جياشيوان الذي كان من اهم وزراء خارجية الصين بعد شوان لاي . لم يكن الرجل مجرد وزير ، بل كان صاحب رؤية سياسية لا تقتصر على الصين فحسب ، بل تمتد لتصل الى مستقبل العالم . كان تانغ مؤمنا بان قوة الصين انما تأتي من نهوضها السلمي ، وبان دورها العالمي ينمو بقدر تمسكها بقيم الاخلاق والقانون الدولي . وكان يردد دائما: العلاقات الدولية طافحة بانعدام المثل وخرق القانون والهيمنة . والصين ستقدم انموذجا جديدا للحياة الدولية ، من خلال تثبيت الشرعية والعدالة والمساواة في العالم الجديد . قيض لى الجلوس مع هذا الرجل ساعات طويلة في بكين ولدى زيارته الى سورية عام 2002. في دمشق ، حضرت الحوار الطويل الذي جرى بينه وبين وزير خارجية سورية آنذاك فاروق الشرع . كان الشرع حريصا على استثمار كل دقيقة من وجود الوزير الصيني، لسبر اغوار الموقف الصيني من كل القضايا العالمية . لم تشف جلسة المباحثات غليل الشرع ، وانما تواصل الحديث المكثف خلال العشاء الذي استمر ساعات وساعات . زار تانغ المسجد الاموي ، وكانت دهشته عظيمة عندما راى ضريح النبي يحيى ( او يوحنا المعمدان ) في قلب المسجد الاموي . كان في كل مرة يراني فيها فيما بعد، يذكر ذلك بقوله : انتم اصحاب حضارة تتسم بتسامح عظيم الى حد ابقاء اضرحة مسيحية في المساجد الاسلامية . فيما بعد ترك تانغ وزارة الخارجية واصبح مستشارا الدولة للشؤون الخارجية ، وهومنصب اعلى، وفر له فرصة الدخول في الدائرة الضيقة لاصحاب القرار السياسي الخارجي في الصين
بعد تانغ ، اصبح لي تشاو شينغ عام 2003 وزيرا للخارجية . تميز لى ،القادم من الريف، ببساطة اهل القرى وطيبتهم ، وكان ديمقراطيا في تعامله من الناس . كسر الحواجز التقليدية العريقة مع مرؤوسيه في وزارة الخارجية ، وكان يعاملهمم كزملاء في العمل وقد ادخل دبلوماسية العلاقات العامة القائمة على العلاقات الشخصية الى وزارة الخارجية . دعيناه كسفراء عرب عدة مرات فلبى الدعوات ،وكان يصر في كل مرة ان يرد الدعوة باقامة حفل عشاء للسفراء وعقيلاتهم . وكانت هذه المآدب غير عادية . فكان الوزير يطلب من رؤوساء الادارات ومن نوابه وموظفيه في وزارة الخارجية ، الغناء والرقص اثناء العشاء لاضفاء اجواء عائلية حميمة على هذه اللقاءات . نذكر بتقدير جهود الوزير لي في اقناع القيادة الصينية بتأسيس منتدى التعاون العربي الصيني عام 2004،وفي سعيه الدائم لتطوير العلاقات مع الدول العربية كلها .كان الانطباع العام لدى السفراء العرب ، ان الوزير لي هو صديق للعرب ، ومحب لهم ولثقافتهم . وفي عام 2007 نظمت وزارة الخارجية الصينية احتفالا للسلك الدبلوماسي الاجنبي بمناسبة راس السنة . اتصلت بي ادراة المراسم قبل عدة ايام من الاحتفال ، وطلبت الي ان القي كلمة باسم جميع سفراء العالم المعتمدين في الصين . حضرت في ذلك اليوم مبكرا الى مكان الاحتفال من اجل الاطلاع مسبقا على كلمة الوزير لي .( هكذا جرت العادة ) . طلبت الكلمة ، فجاءني الجواب بان علي الانتظار . لاحظت ارتباكا غير عادي على تصرفات موظفي مراسم الخارجية . ومر الوقت وحان موعد بداية الاحتفال ، لكنني لم استلم كلمة الوزير ولم اراه . وعوضا عنه جاء تانغ جياشيوان الذي كان يشغل منصب مستشار الدولة . جلست الى جانبه ، وفي الجانب الاخر جلس داي بينغقوه النائب الاول لوزير الخارجية ، وكنت على علاقة حميمة معه منذ ان كان وزيرا للشؤون الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني .نظر الى والابتسامة ترتسم على وجهه وقال: اعرف انك ستسألني لماذا لم يحضر الوزير لي. لقد تمت اقالته قبل قليل ولذلك حدثت كل هذه التغييرات اليوم . وسيلقي تانغ الكلمة . قلت له: جرت العادة ان يصبح وزير الخارجية مستشارا للدولة ، فهل لا يزال لي تشاو شينغ يشغل هذه المنصب . اجاب كلا ، والوزير لى ذهب الى بيته . القيت الكلمة ، وبعد ذلك طفت مع المستشار تانغ لتحية السفراء وراء طاولاتهم . كانت عشرات الاسئلة تنهمر على عن اسباب اختفاء الوزير . وقد اعتقد السفراء بان لدي الاجابة باعتباري كنت اجلس مع كبار المسؤلين الصينيين على الطاولة وتبادلت الاحاديث معهم . لم يصرح احد في الصين عن اسبااب اقالة الوزير المفاجئة . حتى لي نفسه الذي التقيت معه عدة مرات فيما بعد لم يخبرني . ولكن جرت شائعات بان القيادة الصينية غضبت على الوزير لي على خلفية عدم استجابة قيادة كوريا الشمالية لطلب الرئيس هوجين تاو بتأجيل التجرية النووية . فقد رفض كيم جونغ ايل ،الزعيم الكوري انذاك ،طلب الرئيس الصيني، وهو امر واجهته الصين بالغضب والادانة التي لم ترتقي الى حد قطع العلاقات مع حليفها الكوري .
اما علاقتي مع مستشار الدولة السابق داي بينغقوه ، فتعود الى تلك الفترة عندما كان داي رئيسا لدائرة الاتصالات الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني ، اي وزير خارجية الحزب . لقد تعرفت اليه من خلال اللقاءات العديدة التي تمت مع الوفود الحزبية القادمة من سورية . وقد كونت عنه انطباعات ايجابية لا تنسى . فالرجل كان مطلعا على الاوضاع السياسية الدولية وملما حتى بتفاصيل القضايا الدولية . اضافة لذلك ،فهو يملك موهبة تفسير مواقف الحزب الشيوعي والحكومة الصينية باسلوب واضح ومفهوم . وقد ادهشتني صراحته في الحديث عن المشكلات التي تعاني منها الصين ، وكان لايعير المديح كبيراهتمام ، بل كان يركز في حديثه مع الوفود عللى الملاحظات السلبية التي لمسها الضوف الاجانب اثناء وجودهم في الصين . باختصار ، كان داي انموذجا للشخصية الحزبية الملتزمة والذكية .
كنت اتحدث معه باللغة الروسية التي درسها في الاتحاد السوفياتي ، وكان في كل مرة يراني يسألني باللغة الروسية : كاك ديلا ، اي كيف الاحوال . ويصفني احيانا بالرفيق وتارة يالصديق. وبعد فترة ، اخبروني من وزارة الخارجية، ان داي قد عين نائبا اول لوزير الخارجية الصيني. شعرت ان من الواجب الذهاب لتهنئته بالمنصب الجديد . استقبلني في مكتبه كصديق قديم ، واكد حرصه على العلاقات مع سورية ومع العرب ، وعند المغادرة اعلمني ، بضرورة الاتصال به عند وجود اي مشكلة . فهمت ان داي من الشخصيات الموثوقة في الهرم القيادي الصيني . فهو اضافة الى كونه نائبا لوزير الخارجية ، فقد بقي مستشارا لللامين العام للحزب هوجين تاو، وامينا لمنظمة الحزب الشيوعي فى وزارة الخارجية الصينية . عندما اعلمني داي بنبأ اقالة لي وزير الخارجية ، ظننت انه سيحل مكانه . لكن بعد فترة صدر قرار بتعيين داي مستشارا في مجلس الدولة الصيني ، وكلف باهم الملفات في السياسة الخارجية الصينة وعلى رأسها العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية . في احدى اللقاءات سألته عن اهم مباديء السياسة الخارجية الصينية . بدأ داي كلامه بمثل صيني يقول : "عندما يغرف الناس الأرز من الوعاء نفسه، ستصطدم المغارف بعضها ببعض حتما" .وبالتطبيق العملي ، ان هذا المثل يعني حتمية حدوث خلافات واحتكاكات مختلفة ، وهذا لا يدعو إلى القلق. المهم ان لا ترتكز المبادئ التي تعالج بها الصين هذه الاحتكاكات ، على مبدأ العين بالعين والسن بالسن، وان لا نقوم بتضخيم الامور. اضاف داي : ينبغي ان نتسلح بالهدوء والروية والقدرة على رؤية الامور بمنظار صحيح ، والبحث عن سبل معالجتها .وعن مباديء السياسة الصينية قال داي بينغقوه :ان أهم المبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات الصينية الخارجية هي :
أولا، الصين تلتزم بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين ولا تستخدم أو تهدد باستخدام القوة، وترفض التشرذم والاستقطاب في العلاقات الدولية.

ثانيا، تنتهج إستراتيجية الانفتاح القائمة على المنفعة المتبادلة، وتحرص على جعل كعكة المصالح المشتركة أكبر وأفضل بدلا من توتير العلاقات مع الجيران .

ثالثا، تدعوالصين إلى تسوية المشكلات والنزاعات من خلال الحوار والتشاور بروح إيجاد أرضية مشتركة مع ترك الخلافات جانبا.
وحتى الان يعتبر داي احد صناع القرار السياسي في الصين ، وهو قد تمكن من مواءمة العمل الحزبي مع العمل الدبلوماسي ، وقد نجح بذلك .
بعد ان اقيل لي من الوزارة تم تعيين يانغ جيتشي وزيرا للخارجية الصيني عام 2007. وفي ظل الوزير الجديد ، تغيرت امور كثير في علاقاتي مع الوزارة . فالوزير الجديد كان دبلوماسيا محترفا لا يهتم كثير بالعلاقات العامة ، ثم ان مجال الشرق الاوسط والقضايا العربية لم يكن في حيز عمله ، ولم يعره اهتماما كبيرا . فهو قد جاء الى الوزارة محملا بمشاغل العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية ، حيث عمل في السفارة الصينية هناك ، ثم اصبح في العام 2001 سفيرا للصين في امريكا . وقد انعكست برودة الوزير يانغ ازاء العرب بتخليه عن تقليد سنوي كان يقضي بتبادل الدعوات بين السفراء العرب ووزير الخارجية الصيني .ورغم الدعوات المتكررة التي وجهتها المجموعة العربية للوزير يانغ، الا انه كان في كل مرة يعتذر ،ثم انه لم يهتم كثيرا بدبلوماسية العلاقات العامة التي اسسها سلفه .وقد ترك يانغ وزارة الخارجية بعد وصول الرئيس الصيني الجديد شى جين بينغ الى السلطة . وقد تم تعيين يانغ في منصب مستشار الدولة للعلاقات الخارجية . اما المستشار السابق داي ، فقد تقاعد بحكم السن .
ولابد ان اختم حديثي عن وزارة الخارجية الصينية بالتعريف بشخص آخر في الخارجية ، ربطتني به علاقات عمل مثمر، وله نفوذ كبير حتى الان ، وهو جاي جيون نائب وزير الخارجية المسؤول عن شؤون غربي آسيا وإفريقيا. لقد تشرب جاي بالثقافة العربية من خلال دراسته الجامعية . وقد اتقن اللغة العربية بطلاقة ، وهو امر فتح الطريق امامه الى وزارة الخارجية كمترجم في البداية .ثم عمل جاي في سفارات الصين في كل من تونس والسعودية ، كما عين سفيرا للصين في ليبيا . وبعد عودته اصبح رئيسا لدائرة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا، ومن ثم مساعدا للوزير واخيرا نائبا لوزير خارجية الصين.اجريت مع جاي عشرات الاجتماعا من اجل اقرارالوثائق الاساسية لمنتدى التعاون العربي الصيني . كنت انا ممثلا للجانب العربي وهو يمثل الجانب الصيني. وكانت تجري بيننا نقاشات ساخنة حول كل كلمة ، ولكن كانت النتيجة اقرارا كل الوثائق التي اصبحت اساس اقامة المنتدى عام 2004.
والجهة الاخرى التي كان على التعامل معها كانت وزارة التجارة الصينية والمسؤولة عن علاقات الصين التجارية والاستثمارية الخارجية . لحسن حظي – آنذاك- ان وزير التجارة كان السياسي الصيني المخضرم بو شي لاي . وكانت تربطني به علاقة ود بدأت منذ ان كان عمدة لمدينة داليان . وبفضل انجازاته في المدينة تمت ترقيته لمنصب الحاكم في مقاطعة لياونينغ، حيث دعا السفراء العرب اكثر من مرة . لقد تمكن خلال فترة وجيزة من بناء علاقات تجارية متينة بين هذه المقاطعة والدول العربية . وبعد فترة اصبح بو شيلاي وزيرا لتجارة الصين . كنا في هذه الاثناء نعد الوثائق الاساسية لمنتدى التعاون العربي الصيني. واهم وثيقة كانت البرنامج التنفيذي الذي يتضمن التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين . اجرينا عدة لقاءات مع مسؤولي وزارة التجارة . وكادت المفاوضات ان تفشل بسبب اصرار هؤلاء على رفض فقرة تقضي بحرية تنقل رؤوس الاموال والسلع بين الجانبين . فالصين ، عادة ، تحبذ التصدير ولكنها لا تشجع على الاستيراد . بكل الاحوال ، تطلب الامر ان التقي – كرئيس للجنة المنتدى في مجلس السفراء العرب – مع الوزير بو من اجل حل هذا الاشكال . عندما رآني ارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة ، وقال : اعتقد ان هذه هي المرة الثالثة التي نلتقي بها ، قلت : بل الخامسة لانك نسيت اننا التقينا مرتين عندما كنت حاكما في لياونيينغ. ربت على كتفي بود واضاف : كانت بالفعل لقاءات مثمرة . تم حل الاشكال في الوثيقة . المرات الاخرى التي التقيت مع بوشي لاي كانت من اجل تجاوز صعوبات ظهرت في مشروعات الاتفاقيات التجارية بين سورية والصين ، وكذلك من اجل حل مشكلات متراكمة في العلاقات التجارية القديمة بين البلدين . كان نجم بوشي يتألق في سماء السياسة الصينية ، وكان واضحا انه في طريقه الى تبوأ مركز مهم في سدة القيادة . لكنني فوجئت في عام 2007 بتعيين بوشيلاي رئيسا للحزب في بلدية تشونغتشينغ التي يصل عدد سكانها الى نحو ثلاثين مليونا .خلال خمس سنوات عمل الرجل بجد وطرح رؤية سياسية حول احياء التقاليد الثورية الحمراء في تشونغتشينغ. وفي عام 2012 تفجرت فضيحة حول تورط زوجته في مقتل مواطن بريطاني ، وفي آذار من العام 2013 تمت اقالة بوشيلاي من جميع مناصبه الحزبية والحكومية . وهو يقبع في بيته في بكين في ما يشبه الاقامة الجبرية ، كما تم الاعلان عن بدء محاكمته بتهمة الفساد.في الحلقة القادمة نتحدث عن مفاتيح العقل الصيني , ستكون البداية من الكونفوشية .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة