جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
المجتمع الصيني : نظرة من الداخل-2

-2- وكانت الخطوة التالية المهمة بالنسبة لي ،هي اللقاء مع الباحثين والصحفيين العرب في الصين ( سأخصص فيما بعد قسما كاملا للوجود العربي في الصين ). وبهذا المجال ، فقد التقيت مع الباحث السوداني القدير جعفر كرار ، الذي امضى- حتى ذلك الحين – نحو عشر سنوات في الصين وهو يبحث في تاريخ العلاقات العربية الصينية .وقد فتح السيد كرار لي، باعتباري باحثا واعلاميا مثله ، خزائن معلوماته وآراءه .ومما اخبرني به، ان المهندس الذي صمم مدينة بكين كان عربيا واسمه يحي طاهر ،او اختيار الدين حسب مصادر اخرى .وقد كلف المغول الذين حكموا الصين انذاك هذا المهندس العربي الذي جلبوه معهم، بتصميم مدينة تليق بقوة الامبراطورية المغولية وسطوتها.واختار الحاكم المغولي مدينة دادو (بكين) لتكون عاصمة لهم . واليكم القصة - حسبما رواها جعفر كرار.عندما وصل قوبلاي خان للحكم في الصين ،عين يحي طاهر مديرا لقسم الأشغال العامة .وأصدر قوبلاي في 28 ديسمبر 1266 م مرسوما إمبراطوريا لبناء قصور المدينة وأسوارها. وبالفعل عكف المهندس يحي طاهر على تصميم مشروع مدينة كبيرة ومهيبة. لم يهتم هذا المهندس ببناء قصور ملكية مهيبة فقط ، بل بذل جهدا استثنائيا من اجل زخرفة قاعاتها الفخمة ومعابدها، وأسوار الحصينة وبواباتها والطرق الداخلية فيها ، والمناطق السكنية داخلها ومباني المحاكم والمكاتب الإدارية داخل القصور وحولها، وحتى المخازن وغرف الخدم. وقد انجز طاهر التصميم الذي حظي بموافقة الامبراطور. وظهرت المدينة مربعة الشكل ،يحيط بها سور طوله 8ر26 كم ،تتخلله إحدى عشرة بوابة. وكان في المدينة 18 شارعا ويتوسطها القصر الإمبراطوري مقابلا للجنوب، تليه المنطقة التجارية .وقُسمت المدينة إلى 55 حيا تفصل بينها الأزقة،11 وكان معدل عرض الطريق 25 مترا وأوسعها 28 مترا .وكان يحي طاهر قد اقترح في عام 1263، وقبل أن يبدأ في بناء قصور المدينة وأسوارها ،بناء جزيرة تشيونغ هوادو وهي جزيرة بيهاي الحالية . وقد رفض طلبه في البداية إلا أن الجزيرة قد بنيت بعد عام واحد من اقتراحه ولا تزال هذه الجزيرة موجودة حتى الآن. وكانت هذه الجزيرة وبحيرة بيهاي والحدائق التي اقترحها يحي طاهر وربطها بمجموعة القصور والأبنية الإمبراطورية، قد عكست وعيه البيئي وحسه الجمالي. كما أن تصميم المدينة وبناءها بأسلوب المعمار الصيني الخالص يعكس وعيا بالزمان والمكان وتقديرا عميقا للثقافة والحضارة الصينية، وإدراكا سياسيا نافذا بأن لا يكون الحاكم بآلياته وثقافاته ومعماره بعيدا عن بنية المحكوم الثقافية والتراثية. إلا أن يحي بن طاهر الذي قدره الإمبراطور تقديرا عاليا بعد إنجازه لمشروعه الضخم. لم يقدر له أن يبقى طويلا ليتجول في مدينته الجديدة ،إذ هده التعب والإرهاق ومات بعد وقت قصير من إكمال مشروعه العملاق .وقد ورث أبناؤه مثل محمد شاه ومبارك وعمر وغيرهم من بعده منصب وزير البناء لعدة أجيال واستمروا من خلاله يساهمون في صيانة وتعمير المدينة التي صممها والدهم. ويرجح كرار ، أن ابن بطوطة الذي وصل إلى الصين في عام 1347م- أي بعد حوالي 62 عاما من إكمال يحي طاهر لبنائه لمدينة دادو وقصورها- حمل لنا وصفا جيدا أيضا لقصر الإمبراطور عند زيارته لخان بالق، ونعتقد أنه هو ذات القصر الذي صممه وأشرف على بنائه يحي طاهر، فهو يقول: "وقصره في وسط المدينة المختصة بسكناه وأكثر عمارته بالخشب المنقوش، وله ترتيب عجيب. وله سبعة أبواب: فالباب الأول منها يجلس به الكتوال، وهو أمير البوابين. وله مصاطب مرتفعه عن يمين الباب ويساره، فيها المماليك حفاظ باب القصر، وعددهم خمسمائة رجل، وأُخبرت أنهم كانوا فيما تقدم ألف رجل. والباب الثاني يجلس عليه الرماة وعددهم خمسمائة. والباب الثالث يجلس عليه أصحاب الرماح وعددهم خمسمائة. والباب الرابع يجلس عليه أصحاب السيوف والترسة. والباب الخامس فيه ديوان الوزارة، وبه سقائف كثيرة". ويضيف كرار : يقول كتاب رسمي باسم بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة "إن بناء دادو قد فتح فصلا جديدا في تاريخ بكين. فمنذ أن أصدر الإمبراطور قوبلاي خان مرسوما لبناء عاصمته الجديدة دادو، وحتى تأسيس جمهورية الصين الشعبية وبكين عاصمتها، كان مركز المدينة في المنطقة التي حول قوانغآنمن اليوم، ومنذ بناء دادو إلى اليوم، بقي المركز على هذا الوضع، مع انقطاع قليل، تحت أسماء مختلفة من مختلف الأسر الملكية إلى الوقت الحاضر . إن العاصمة التي شيدها يحي في عام 1285 كانت بحجم مدينة بكين في بداية قيام جمهورية الصين الشعبية في عام 1949 وهي البنية الأصلية التي قامت عليها مدينة بكين الحالية، حيث لا يزال تخطيط الشوارع العريضة والأزقة وكثير من التقسيمات قائمة في المدينة. مثل شارع دونغدان، شارع شيدان، شارع دونغسي، شارع شيسي، طريق دونغتشيمن، طريق شيتشيمن، طريق قولو الغربية، طريق تشاويانغمن الداخلية، وقد وجدت كل هذه الشوارع في دادو تحت أسماء مختلفة. وهكذا ، فقد وجدت خيطا عربيا يربطني بمدينة بكين التي ساعمل بها ثماني سنوات.وهو امر عزز رغبتي اكثر لان استكشف مجاهل الصين عامة وبكين على وجه الخصوص. واللقاء الاخر،في مجال التعرف على المواطنين العرب في الصين ، كان مع عدد من الصحفين العرب العاملين في اجهزة الاعلام الصينية ، واخص منهم الصحفي المصري حسين اسماعيل ، وهو يعمل نائبا لرئيس تحرير مجلة الصين اليوم الصينية التي تصدر في بكين وتطبع في القاهرة .وقد حدثني اسماعيل – مشكورا – بالتفصيل عن الاعلام الصيني والتطورات التي طرات على الصين ،.واهداني نسخة من كتابه القيم : سفر الصين ، والذي يصور جوانب مختلفة من الاوضاع في هذا البلد.والتقيت كذلك بالصحفي العربي عزت شحرور الذي امضى جل حياته في الصين . وقد عمل شحرور بداية في السفارة الفلسطينية كدبلوماسي ، ثم اصبح مراسلا لقناة الجزيرة في بكين . ويتميز شحرور بانتقاداته الجريئة للمظاهر السلبية في الصين . وهذا السمة جرت عليه مشكلات كثيرة ، ولكنه ، رغم ذلك ،بقي حتى الان في بكين . وكان لهذه اللقاءات الدور الكبير في النجاح الذي حققناه في اللجنة الاعلامية التابعة لمجلس السفراء العرب ،وفي تعميق فهمي للصين . وهكذا انخرطت، ومنذ وصولي الى بكين ،في الأنشطة التي تقوم بها المجموعة العربية ، لقناعتي ان هذا الأمر يخدم القضايا العربية ويتيح لي فرصة ثمينة لمعرفة الصين وفهمها.وانا اعتقد بأنني كنت محظوظا فعلا لأنني عملت مع مجموعة ممتازة من السفراء العرب الذين اشتعلوا حماسة للدفاع عن القضايا العربية . حتى سفراء الدول العربية التي كانت تملك علاقات مع إسرائيل ، لم يكونوا اقل نشاطا في خدمة العمل العربي المشترك . فرغم إدراكهم بان ما يقومون به كان في كثير من الأحيان بتعارض مع منهاج حكوماتهم فيما يتعلق بإسرائيل ، لكنهم مع ذلك امتلكوا الشجاعة والحس العروبي لعدم عرقلة أي جهد عربي معاد لاسرائيل في الصين . وهذه كلمة حق لا بد من ذكرها . وكنت محظوظا في مسألة أخرى أيضا . فبعد وصولي إلى بكين بعدة ايام ،أعلمتني مراسم الخارجية الصينية ان الرئيس جيانغ زيمين حدد لي موعدا لقبول أوراق اعتمادي . وأقول ان الحظ أصابني في هذا المجال، لان بعض السفراء ينتظرون عدة أشهر لتقديم أوراق اعتمادهم إلى رئيس الدولة الصينية . انتابني شعور بالغبطة المشوبة بالمهابة . فالشخص الذي سيستقبلني لم يكن عاديا بكل المقاييس. فهو زعيم اكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم ، وهو قائد سياسي بارز ، ناضل في صفوف الحزب الشيوعي واسهم في بناء الصين الجديدة ، وهو الذي اختاره دينغ شياو بينغ - ابو نهضة الصين الحديثة - لكي يكمل مسيرة الإصلاح والانفتاح التي بدأت نهاية سبعينات القرن العشرين . بالإضافة الى ذلك كله ، فالرئيس زيمين كان شخصا فريدا . فهو فضلا عن كونه سياسي وقائد حزبي ، كان يهوى الغناء والعزف على بعض الالات الموسيقية الصينية ، وهو ذو روح مرحة تأسر محدثه. حكم زيمين الصين لمدة 13 عاما . وهو - كما اشرت - لم يكن مجرد سياسي ، بل أراد ترك بصمات له في تاريخ بلده وحزبه. ولذلك طرح نظرية جديدة في المجال الحزبي تسمى التمثيلات الثلاثة. ووفق زيمين، ينبغي على الحزب الشيوعي الصينيى أن يمثل القوى الإنتاجية الأكثر تقدما، والثقافة الصينية الأكثر تقدما ومصالح الشعب الصيني كله وليس طبقة منه. وهكذا لم تعد الطبقة العاملة هي حجر الزاوية في ايديولوجيا النظام الحاكم.ولم يعد الحزب ممثلا لفئة واحدة ، بل لكل فئات الشعب –الغنية منه والفقيرة . بكلمات اخرى ، لقد نقلت هذه النظرية الصين من مفهوم الصراع الطبقي الى مرحلة التعاون بين كل قوى المجتمع . ولذلك فتح الحزب أبوابه أمام رجال الأعمال، وبات بالإمكان رؤية صاحب مصنع خاص في الصفوف القيادية للحزب .كما أدت هذه النظرية الى ان تتصالح الصين مع تاريخها . في السابق كان ينظر الى معظم نظريات الفلسفة الصينية من كونفوشية وطاوية وغيرها على انها ارث إقطاعي متخلف، وبعد نظرية التمثيلات الثلاث ـ باتت هذه التوجهات الفلسفية جزءا اساسيا من الإرث الثقافي للشعب الصيني . قبيل اللقاء كان لا بد من معرفة الشخص الذي سأجتمع اليه . فالسيد زيمين تسلم منصب الرئيس عام 1992 ، وأعيد انتخابه من جديد عام 1998، وهو بآن واحد، يشغل منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة المركزية العسكرية للجمهورية و رئيس اللجنة المركزية العسكرية للحزب الشيوعي الصيني. وهو ولد في عائلة مثقفة في آب 1926 في مدينة /يانغ تشو التابعة لإقليم /جيانغ سو/ ،و تخرج من جامعة /شانغهاي/ للمواصلات باختصاص مهندس كهرباء في عام 1947 . وانضم زيمين للحزب الشيوعي الصيني في سنة 1946 . و في عام 1955 أرسل للاتحاد السوفييتي ليتدرب في موسكو بمصنع ستالين للسيارات، وعاد في سنة 1956 . بعدها عمل مديرا لمصانع ومراكز أبحاث مختلفة في عدة مدن صينية . ونقل لبكين ليكون مسؤولا عن دائرة الشؤون الخارجية بأول وزارة لصناعة آلات البناء .و بعد سنة 1980 عمل نائبا لمدير إدارة الاستيراد والتصدير وإدارة الاستثمار الخارجي . ثم نائب وزير ووزير للصناعات الإلكترونية . بعدها أصبح حاكما لمدينة شانغهاي . ومن ثم أمينا للجنة الحزب الشيوعي لشانغهاي وعضوا في المكتب السياسي باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني . متزوج من السيدة وانغ يه بينغ ، وله ولدان وحفيد وحفيدة .- يتحدث : الإنكليزية – الروسية – الرومانية. قبل اللقاء بيوم واحد ، زارني في مكتبي وفد من إدارة المراسم الصينية من اجل اطلاعي على إجراءات اللقاء . كل شيء في اللقاء كان محددا: اللباس ينبغي أن يكون اسودا داكنا ، ( يستثنى اللباس الوطني )،،ومدة اللقاء عشر دقائق، وينبغي ان اجلس الى يمين الرئيس ، وان لا اطيل في الشرح وان اتقيد بوقت الوصول الى قاعة الشعب : وهو على ما اذكر العاشرة الا خمس دقائق صباحا . ينبغي التوجه عند الوصول الى قاعة الانتظار. في العاشرة وخمس دقائق الانتقال إلى قاعة الاستقبال . في العاشرة وست دقائق مصافحة الرئيس وتسليمه أوراق الاعتماد (وأبلغت بأنه ينبغي على الإعلان عن ذلك بصوت جهوري )، بعد ذلك لا بد من تقديم أعضاء الوفد السوري المرافق،ثم الوقوف إلي يمين الرئيس لأخذ الصورة التذكارية . ومن ثم يدعوني الرئيس الى الجلوس على يمينه ويبدأ الحديث. مدة اللقاء - كما ذكرنا -عشر دقائق. سيتقدم مسؤول المراسم عندما ينتهي الوقت ويعطيني إشارة بان اللقاء انتهى . وآنذاك علي توديع الرئيس والمغادرة .وأكد مسؤول المراسم بان علي التقيد التام بهذه الإجراءات ، لا سيما الوقت المقرر للحديث. الحلقة القادمة:اللقاء مع الرئيس الصيني


استعراض الحلقات السابقة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة