جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ايران واسيا الوسطى-2

المؤلف :مهدي نهاوندي ومن الممكن دراسة الماضي والموروث الثقافي المشتركين لآسيا الوسطى وإيران من خلال أعمال الشعراء والعلماء والمأثورات والمظاهر الشعبية في دول آسيا الوسطى،فقد تلقى أكثر شعرائها وعلمائها ثقافاتهم من المراكز العلمية والتربوية الإيرانية-الإسلامية(6)فأمثال:عليشيرنوائي،مختومقلي فراغي،أباي كوننباييف وصدرالدين عيني،الذين يعدون من الشعراء المشاهير المبجلين في جمهوريات آسيا الوسطى،كانوا قد نشأوا بدراسة التراث الشعري الإيراني،وانتهجوا سبل الشعراء الإيرانيين،ويؤكد جميعهم هذا الأمر بصراحة.هذا من جانب،ومن جانب آخر فإن الشعراء المشاهير أمثال:الفردوسي(932-1020م)،الخيّام(1040-؟1133م)،سعدي(1193-1294م)و حافظ(1320-1389م)معروفون في أوساط عوام المنطقة،وتتناقل الألسنة بعض أشعارهم .ويشير دعلي اكبر ولايتي إلى هذه الحقيقة قائلاً:"الناس يعرفون مدينة سمرقند من خلال رودكي(ت940م)وسوزني وأُلغ بكَـ،ومدينة بخارى من خلال محمد بن اسماعيل البخاري(ت780م)وأبي علي سينا(980-1037م)وعمعق وأبي الفضل محمد بن عبدالله بلعمي،ومدينة خوارزم من خلال محمد بن موسى الخوارزمي(ت849م)وأبي بكر الخوارزمي(928-993م)وجارالله الزمخشري(1075-1144م)وأبي الريحان البيروني(973-1048م)ومدينة ترمذ من خلال الترمذي(ت1152م)ومدينة ايبور من خلال الأنوري(ت1191م)ومدينة بُست من خلال أبي سليمان المقدسي،ومدينة بلخ من خلال مولانا جلال الدين(1207-1273م)وناصر خسرو(1003-1088م)وعنصري(ت1039م)وأبي محشر وأبي شكور البلخي،ومدينة خيوه بالشيخ نجم الدين كبرى(ت1226م)ومدينة خجند بكمال الدين محمد(ت1390م)"(7)وكان لكل هؤلاء العلماء المسلمين دور مهم في نشوء وتطوير وتقدم الثقافة والمدنية الإسلامية والإيرانية،وقد تبوّأ أكثرهم منزلة عظيمة في رفع شأن لغة وثقافة وتاريخ إيران؛بحيث يطالعنا هذا السؤال:-ألايمكن أن يُحسب هؤلاء علماء إيرانيين على إيران الراهنة؟فمع أن مساقط رؤوس أكثرهم في آسيا الوسطى،فهم ربيبو الثقافة والتربية الإيرانية والإسلامية،كما عُرفوا عالمياً كعلماء إيرانيين،وقد كانت إيران بالنسبة لبعضهم كالزمخشري ونجم الدين كبرى والفارابي(ت950م)حلقة الإتصال مع العالم الإسلامي والثقافة والمدنية الإسلاميتين.ولقد بلغت الثقافة الإيرانية شأواً وانتشاراً لم يثبطهما ماحدث من نزاعات وصدامات بين حكومات أتراك آسيا الوسطى والحكومات الإيرانية المتعاقبة.بل وغدت المنافسة بين هاتيك الحكومات أحياناً سبباً إضافياً لترويج ثقافة إيران وفنها،وهو ماتجلى في قيام حكومات آسيا الوسطى بتشييد العمائر الضخمة على طراز المعمار الإيراني،بل واستعانوا بالبنّائين الإيرانيين لبناء أكثرها،وهو الأمر الذي يشهد عليه ويؤكده البحاثة المعاصرون في آسيا الوسطى،فمثلاً إستعان أمير تيمور بالبنّائين الإيرانيين في تشييد العديد من المباني،منها ضريح الشاعر والمتصوف الكازاخي يسوي في جنوب كازاخستان وبالتزامن مع زيادة نفوذ روسيا القيصرية خلال القرنين(18و19م)،ثم قيام الإتحاد السوفياتي في الخمس الأول من القرن العشرين،نلاحظ ركوداً نسبياً في العلائق الثقافية بين إيران وآسيا الوسطى،ومع ذلك كان حضور الثقافة الإيرانية هناك بمستوى من القوة،في نظر بعض الباحثين؛بحيث كان يعيق ترويج الثقافة الروسية إلى حد ملحوظ(9) الحكومة البلشفية والسعي إلى محو الماضي بعد تسلم البلاشفة للسلطة وتشكيل الإتحاد السوفياتي؛قامت الحكومة الروسية المركزية بسلسلة من الإجراءات الهادفة إلى إيجاد نوع من الهوية الجديدة؛بغية توحيد الجمهوريات السوفياتية؛وعليه فقد إستهدفت هويات كل المسلمين باختلاف إثنياتهم وثقافاتهم القومية في آسيا الوسطى،حيث إتخذ ساسة الإتحاد السوفياتي(البائد)ثلاثة إجراءات: أ-بدأت منذ(1925م/1304هـ)بحركة واسعة لغلق وتدمير المساجد،بحيث لم يبق أكثر من(1000مسجد)تحت السلطة الروسية في عقد الأربعينات،من أصل(27ألف مسجد)ولم تلتزم الماركسية بأية ديانة،في حين حاربت جميع الديانات،واستحالت نفسها ديانة!ومع ذلك فقد تساهلت الدولة السوفياتية مع الكنيسة الأرثدوكسية المسيحية إلى حد ما(10) ب-الإستعاضة عن اللغتين الفارسية والعربية والخط العربي باللغة الروسية وخطها.حيث كان الخط العربي رائجاً قبلئذ،وكانت اللغة الفارسية هي لغة الإدارة،واللغة الجغتائية لغة المحادثة في معظم مناطق آسيا الوسطى.ورغم شيوع الخط العربي في سائر أنحاء آسيا الوسطى،ورواج اللغة الفارسية،فضلاً عن تدوين تاريخ أقوام المنطقة بهذا الخط وهذه اللغة؛فقد أحلّوا الألفباء اللاتينية محل الألفباء الفارسية/العربية في(1307ش/1928م)ثم أحلّوا الألفباء الروسية(والصواب:الأبجدية الكيريلية-المترجم)محلها رسمياً في سنة(1319ش/1940م) ج-إستقدام عدد كبير من الروس والأوكرانيين والألمان إلى بلدان آسيا الوسطى كإجراء محسوب ومنظم للحكومة السوفياتية؛سعياً لترسيخ وتعزيز هيمنتها في سائر تلك المناطق،وإضعاف الثقافات والتقاليد والأعراف القومية والإسلامية فيها،علماً أن إسكان الروس كان قد إبتدأ في العهد القيصري،ثم تصاعدت وتيرته منذ(1306ش/1927م)بحيث بلغ عدد الروس المستقدمين هنالك(000/490/8ملايين نسمة)خلال الفترة(1929-1959م). لقد إستهدفت البرامج التربوية،التعليمية والثقافية،خلال القرن العشرين،إضعاف الثقافات القومية،ونشر وترويج الثقافة الروسية،وقد بسطت الماركسية،بصفتها المنطلق الأساس،ظلها الآيديولوجي على كل الشؤون العلمية والثقافية؛حيث تقررت كقاعدة أصلية للإستدلال في جميع العلوم الإنسانية،ناهيكم عن أن الأخبار والمعلومات في العهد السوفياتي كانت تصل إلى الناس مقننة،وعن طريق القنوات الخاصة بالسلطات السوفياتية،كما كانت المناهج والكتب كافة تقدم على أساس الفكر الماركسي وفي إطار خاص ومحدد.وانطلاقاً من الوضع الخاص للإتحاد السوفياتي؛فقد كُرّست المناحي الثقافية كافة بكل امكاناتها لتكوين شعب سوفياتي واحد.ولم يُتَرجم عهدئذ ولو كتاب واحد عن لغته الأصلية مباشرة إلى إحدى اللغات المحلية:الأوزبكية،الكازاخية،القرغيزية وغيرها..وإنما عن اللغة الروسية..ثم إن الأخبار المذاعة عن طريق محطات الإذاعة والتلفزيون السوفياتية كانت تؤازر هذا السياق بأحادية ومحدودية طرحها بتقديم المعلومات عن المصادر الخارجية..ولقد طرح كاتب هذه السطور خلال السنوات(1373-1375ش)أسئلة بخصوص رسالة الإمام الخميني إلى كورباجوف زعيم الإتحاد السوفياتي آنذاك،كتّاب وجامعيين في جمهوريتيّ كازاخستان وقرغيزستان،وتملّكني العجب من أنهم لم يطلعوا البتة على خبرها!وتكشف هذه الواقعة كيفية تقديم الأخبار والمعلومات من قبل الحكومة السوفياتية للجماهير عبر قنوات محددة وبالصورة التى تريدها،في إطار منظورها السياسي الخاص.لقد كان الخبر السالف ذا مساس بالوضع الداخلي السوفياتي،وقد تناقلته وكالات الأنباء آنذاك في سائر أرجاء المعمورة. برغم طرح وتنفيذ العديد من البرامج الشاملة من قبل زعماء الإتحاد السوفياتي خلال عقود طويلة؛لمحو الهوية الشرقية لشعوب آسيا الوسطى المسلمة؛بيّنت لنا الإجراءات المتعددة التي إتخذتها جمهوريات آسيا الوسطى عقب الإنهيار السوفياتي ونيل إستقلالها،أن شعوبها ظلت متمسكة بثقافاتها وتقاليدها الخاصة،في حين كان هدف النظام السوفياتي بعيد المدى هو خلق أناس من طراز جديد إشتراكي،وكان مفهوم الإنسان الجديد الإشتراكي مطروحاً ضمن البناء الفكري والتربوي الجديد بتكريس الثقافة والفنون والمباديء النظرية،التي تفرز السلوك الإجتماعي المأمول في نهاية المطاف.وطالما سعوا بكل هذه الأفكار والإجراءات الثقافية إلى توليد نمط منشود من البشر،لكن برامجهم الحديثة الرامية إلى صياغة هوية جديدة قد فشلت؛لكون شتى مناطق آسيا الوسطى ذات تاريخ مديد وعريق من حيث التقاليد والأعراف القومية القوية الراسخة،وذات المساهمات المشهودة في تشييد صروح العلم والفلسفة والحضارة في الشرق..وهكذا فإن تلك البرامج والإجراءات الرامية إلى محو الكثير من التقاليد القومية وصياغة هوية واحدة في الإتحاد السوفياتي قاطبة لم تتكلل بالنجاح المرجو،بل صار العامل القومي من أهم العلل الأساسية المقوّضة للصرح السوفياتي،وكانت لهذه البرامج في الوقت نفسه تأثيرات جلية جداً بهد الإنهيار السوفياتي،بل برزت قضية تحديد الهوية القومية وسبل إحيائها من بين أهم القضايا المتعلقة بحاضر ومستقبل جمهوريات آسيا الوسطى.وهكذا فقد قاومت شعوب آسيا الوسطى ضد برامج البلاشفة المفروضة عليها،وتكللت مقاومتها بالظفر،في الذود عن كياناتها القومية وتقاليدها القومية والدينية الأصيلة.ومع ذلك،لاريب في أن حكم سبعين سنة للنظام التربوي السوفياتي والتأثير العميق لسلطة الشيوعيين في البنى الإجتماعية قد ترك جمهوريات آسيا الوسطى تواجه أزمة هوياتها القومية


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة