جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ايران وآسيا الوسطى

المؤلف :مهدي نهاوندي: (1) إن شتى الروابط والأواصر بين إيران وآسيا المركزية مبنية على العلائق الثقافية بصورة ملفتة للنظر.وبعد إستقلال جمهوريات آسيا المركزية،ابتداء وقبل كل شيء،ثمة سوابق مشتركة لوشائج إيران معها،تسترعي الانتباه،حيث يُشار في المقالات والتصريحات وكثير من الكتابات إلى الأرضيات المتعددة كالتقاليد المشتركة والدين المشترك والعلاقة مع اللغة الفارسية،في المنطقة ذاتها؛فهنالك مبدئياً قبول شعبي لجمهورية إيران الإسلامية في أوساط مواطني آسيا المركزية،وإن الإستقبال هذا مرتبط بالإحساس النابع من التاريخ المشترك لشعوب إيران وآسيا المركزية؛إذْ أن للقسم الأعظم من بقاع آسيا المركزية الراهنة خلفية تاريخية مشتركة مع إيران،كما أن لعلاقة شعوب آسيا المركزية وإيران جذوراً في العادات والتقاليد والأعراف المشتركة. تعود علاقة آسيا المركزية مع إيران إلى ماقبل ظهور المسيحية،حيث كانت أنحاء كبيرة من آسيا المركزية الحالية أجزاء من إيران في الماضي الغابر.فقد هيمن(الماساجتيون)إبّان(القرنين4و3ق.م تقريباً)على جميع الأقوام البدوية الرحالة في آسيا المركزية من الشمال إلى الشرق حتى جبال(تيان شان)ومن المحتمل أنهم كانوا قد أخضعوا معظم أقوام سهوب كازاخستان؛ممّا أدّى ذلك إلى إنتشار ثقافتهم،التي كانت مقتبسة إلى حد كبير من ثقافة إيران الهخامنشية(الأخمينية)كما طال تأثير الفن الإيراني بعض الحرف اليدوية بصورة جلية حقبتئذ.ولقد عاش قبلهم السكا والسارمات(وهما من الأقوام إيرانية اللغة)إبّان(القرنين6و5ماقبل الميلاد)في سهوب آسيا الوسطى،وخاصة كازاخستان الحالية.و لئن نشر الماساجتيون ثقافتهم الموسومة بـ(البروخورفكائية)فإن الثقافة الإيرانية-كما أسلفنا-كانت داخلة في تكوينها،ناقلة معها الكثير من عناصر الثقافة السارماتية القديمة . إن القسم الأعظم من آسيا المركزية هو(ماوراء النهر)القديم نفسه،حيث كان موطن الآريين ولغة(الإيرانفجة)الوارد ذكرها في(الآفيستا)وكان يضم أيضاً أقساماً من آسيا الوسطى.ولقد أصبحت منطقة آسيا المركزية المسماة قديماً بـ(ماوراء النهر)أو(خراسان الكبرى)بعد ظهور الإسلام وإنتشاره أحد مراكز التحولات العلمية والثقافية،وكانت للإيرانيين مساهمة كبيرة في نشر الإسلام هناك،حيث تأسست مدارس إكتسبت رونقها الخاص من النُظُم والأصول التعليمية والتربوية لأيران الغابرة؛حتى أضحت مركزاً لإنجاب وتنشئة العديد من العلماء الكبار(3)ثم خضعت بقاع ماوراء النهر وفرغانه إبّان القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين لسيطرة القراخانيين،ثم المغول،ثم الجغتائيين،ثم التيموريين،ومن ثم دخلت الدولة الخوارزمية إلى الساحة خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري(12م)وبلغت أوج قوتها في عهد السلطان علاءالدين محمد خوارزمشاه. مع أن الحكام الترك كانوا ذوي علائق مع الخلافة العباسية،ويعملون للحيلولة دون تقدم وشيوع التشيّع ونفوذ الإيرانيين،إلاّ أن العناصر الإيرانية قد تمكن من بسط نفوذها السياسي والثقافي،وفي سائر مجالات التمدن الإسلامي:العلوم،الفنون،المعارف،الحكمة والآداب؛فحدث تقدم شامل.وهذا الأمر يبيّن دون ريب وجود نظام تربوي وتعليمي مرتبط بالثقافة الإيرانية،لاسيما وان الثقافة والتعليم عموماً قد حققا ميزات بارزة في هذه الحقبة،في سائر أرجاء إيران،وبالأخص في خراسان وماوراء النهر. وخلال الفترة(القرن التاسع حتى الثاني عشر الميلادي/3-6هـ)نزح التركمان والأوزبك إلى أنحاء آسيا الوسطى،مشكّلين فيها قوة كبيرة،ثم إحتل الأوزبك أجزاءً من آسيا الوسطى،في أواخر القرن السادس عشر الميلادي(9و10الهجريين)وقد أفلح محمد خان شيباني في(1500-1501م/905-906هـ)في بسط سلطته على مدينة سمرقند،وتأسيس الدولة الشيبانية،بعد خوض حرب ضد حفدة تيمورلنكَـ(1336-1405م)وبعد بسط سيطرتهم على ماوراء النهر وخراسان؛شن الشيبانيون غزوة على كازاخستان،وشكلوا قوة عظيمة في المنطقة.وفي سنة(1610م/915هـ)شن الشاه عباس الصفوي(1571-1629م) حرباً على الشيبانيين؛لتحرير خراسان وماوراء النهر،ولقد إندحر فيها الأوزبك.وظل الشيبانيون يحكمون أرجاء آسيا الوسطى حتى سنة(1599م/1007هـ)إذْ إنتقلت السلطة إلى أيدي الهشترخانيين في تلك السنة.وفي أربعينات القرن(18م)شن نادرشاه حملة عسكرية على هذه المنطقة،وكان نادرشاه(1688-1747م)يتغيّا إعادة الوحدة السياسية بين إيران وماوراء النهر،والتي مزقها الشيبانيون من قبل،وقد أفلح في الإستيلاء على بخارى. ومن جانبها بدأت الإمبراطورية الروسية فعالياتها في القرن(18م)وقد إستطاعت حتى نهليته أن تستولي على بقاع واسعة من آسيا الوسطى،وفي هذا السياق خضعت مدينة بخارى التاريخية لها في سنة(1834م/1242هـ)ثم ضم الروس تركمانستان في(1862م/1270هـ)إلى أراضي روسيا القيصرية.وبعد إندلاع الثورة البلشفية في(1917م/1325هـ)تغيّر إسم الإمبراطورية الروسية إلى(الإتحاد السوفياتي)الذي شرع في إيجاد نوع من الهوية الثقافية الموحدة لسائر سكان أراضيه. *** كان(طريق الحرير)طوال التاريخ حلقة إتصال بين إيران وآسيا الوسطى،وعبر دراسته؛يمكن العثور على معلومات كثيرة عن تاريخ وثقافات المجتمعات،التي كانت تعيش حواليه،رافق الحرفيون والفنانون والمعماريون القوافل المارة على الطريق المذكور،حاملين ثقافاتهم وآدابهم وعاداتهم وتقاليدهم إلى أقصى البقاع.وجليّ أن طريق الحرير يتصل من أحد طرفيه بالحضارة اليونانية واللاتينية،ومن الطرف الآخر بحضارة آسيا الشرقية والصين؛وعليه يمكننا تلمس التأثير الثقافي المتبادل بين الحضارتين،فمثلاً نجد تماثيل لبوذا مصنوعة أو منحوتة بالإسلوب اليوناني والروماني. ولقد كانت للمدنية والثقافة الإيرانية والإسلامية مكانتهما على امتداد هذا الطريق،حيث وصلت العلوم والمعارف واللغة الفارسية والثقافة الإيرانية إلى المجتمعات الأخرى.ويرقى أوج حقب الإرتباط الثقافي على(طريق الحرير)إلى حقبة تأسيس وازدهار الدول والدويلات حواليه؛فقد تأسست حقبتئذ مكتبات كبيرة في المدن الواقعة على الطريق الآنف الذكر،وزادت وتيرة تبادل المعلومات والمعارف بين المجتمعات الإسلامية واليونان والصين؛وهكذا استحال(طريق الحرير)على مدى التاريخ وسيلة حضور مشهود للغة والثقافة الإيرانيّتين،في المدن الواقعة عليه وحواليه من بخارى حتى كاشغر. ممّا أسلفناه؛ندرك أن الثقافة والتقاليد والفنون الإيرانية،سواء في الحقبة،التي كان فيها ماوراء النهر جزءاً محسوباً ضمن الأراضي الإيرانية،أو مابعدها،فقد كانت مشهودة في كافة مناحي حياة شعوب آسيا الوسطى.ومن هنا فإن لغات أقوام آسيا الوسطى مليئة بالكلمات والإصطلاحات الفارسية: (نان:خبز/داروخانه:صيدلية/آشخانه:مطبخ/كوجه:زقاق/بيغامبر:نبي،رسول/فرشته:ملاك)والعشرات من المفردات الأخرى الفارسية،التي مازالت أقوام آسيا الوسطى تتداولها،ثم إن الآثار الأدبية والفنية الكلاسيكية المعروضة في متاحف هذه المنطقة مدونة على العموم باللغة الفارسية،باستثناء البقاع الشمالية من كازاخستان،والتي لم تكن مأهولة حقبتئذ.وكذلك يتجلى الفن والمعمار الإيرانيان في أكثر العمائر االأثرية،المشيّدة في تلك الحقب التاريخية السابقة،في سائر مناطق آسيا الوسطى،حيث يمكن تلمس أسلوب المعمار الإيراني في مدارس ومساجد بخارى، والمدارس العلمية في سمرقند،والمساجد والأبنية القديمة في جنوب كازاخستان ومنها ضريح المتصوف الكبير الخواجه احمد يسوي(1113-1167م)والعشرات من الأبنية الأخرى،التي تشاهد على جدران أكثرها أسماء بناتها ومشيديها الإيرانيين،ويمكن تلمس الشبه الكبير بين الأسلوب المعماري لمدرسة(شيردار)في سمرقند ومدرسة(مير عرب)في بخارى،حتى ضريح اليسوي في مدينة تركستان بجنوب كازاخستان، وأسلوب مدرسة(جهار باغ)ومسجد إمام أصفهان والأبنية التاريخية الأخرى،في سائر المدن الإيرانية،حيث يتشابه المظهران الخارجي والداخلي لسائر هذه العمائر مع نظيراتها الإيرانيات تشابهاً دقيقاً.وحتى عقب خروج هذه المناطق عن سلطة وسيطرة إيران المباشرة،ومع شيوع الثقافة الإسلامية في آسيا الوسطى؛ظل حضور ثقافة الإيرانيين مصاحباً لنشر وترويج الإسلام،بشكل يمكن يمكن مشاهدة معالم التمدن الإسلامي في عموم المنطقة،حيث كان للإيرانيين دورهم المؤثر في نشر الإسلام وترويج اللغة والثقافة الإيرانيتين في عين الوقت؛فقد تعلم الشعب الأوزبكي الكثير من الفروض والأحكام الإسلامية باللغة الفارسية،حيث مازالت(صلاة الجنازة)مثلاً تؤدى باللغة الفارسية. يرى راقم هذه السطور أنه يمكن فهم كل ماهو موجود من ثقافة ومدنية في آسيا الوسطى،ويتعلق بالقرون الأولى لظهور الإسلام ومابعدها،في إطار(تبادل الخدمات بين الإسلام وإيران)وتتضح الوحدة الموجودة بين فن ومعمار الأبنية في إيران وآسيا الوسطى الراهنة داخل الإطار نفسه.وهنالك الألاف من الآثار الباقية لأسلافنا،والتي نقشت على صفحات التاريخ باسم العديد من الأقوام وبعنوانها المشترك(الإيراني-الإسلامي)ومنها:طريق الحرير،خان الشاه عباس،مرصد ألغ بكَـ(1393-1449م)،برج طغرل(ت1063م)،مسجد كاشغر،ميدان ريكَستان في سمرقند،مقبرة الأمير نصر الساماني،مقبرة الشيخ صفي الدين الأردبيلي(ت1334م)والكيزان الفخارية لتل آفراسياب...وإن مايستلفت النظر هو شيوع الكثير من الكلمات الفارسية في لغات شعوب آسيا،كما أسلفنا،والذي يبيّن التأثير المتبادل،ويوضح ما مفاده أن الإيرانيين قد لعبوا دوراً مؤثراً في نشر الدين الإسلامي في سائر أصقاع آسيا الوسطى. يعتقد الكثير من الباحثين أن أولى الثقافات التي تلقتها واستقبلتها أقوام آسيا الوسطى هي الثقافة الإيرانية،ويشهد على ذلك الكاتب الكازاخي مختار عوضوف،القائل أن ملحمتيّ(الشاهنامه)و(ليلى والمجنون)كانتا رائجتين في أوساط القبائل الكازاخية،حيين كان الكازاخ أميين(4)بل ودوّن تاريخ مناطق آسيا الوسطى وشعوبها باللغة الفارسية؛وتدل هذه الحقيقة على هيمنة الثقافة الإيرانية على عموم المنطقة،كما تدل على أن مشاهير المؤرخين خلال القرون(9-11هـ/15-17م)كانوا يؤلفون كتبهم باللغة الفارسية،ومنها:(شيباني نامه)لكمال الدين بنيائي،(زبدة الآثار)لمولانا عبدالله بن محمد بن علي نصراللّهي،(تاريخ أبي خيرخاني)لمسعود ابن عثمان كوهستاني و(بدايع الوقائع)لزيدالدين محمود واصفي،وقد تناولت تاريخ هاتيك المناطق بالتحقيق والتدوين


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة