جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الغرب والتحدي الصيني-4

الغرب والتحدي الصيني- وبالمقارنة مع ذلك لا يرى المتتبع لهذا المجهود الأمريكي أي نظير له في أوروبا من الالتزامات المؤسسية والمادية. فبالنظر للولايات المتحدة، يظل حجم الخبراء الأوروبيين عن الصين شديد الضعف وهو العجز الذي تولد عن المعوقات الفكرية والهيكلية. وعلى المستوى الهيكلي، لم تجر الجامعات الأوروبية على الإطلاق أي تكامل بين مجال دراسة المناطق مع العلوم الاجتماعية، وقد قامت الجامعات البريطانية من قبل بدمج الحقلين من العلوم. ففي العديد من الجامعات الأوروبية المنتشرة في العالم يقع على الطالب التزام بأن يختار أحد المجالين قبل بدء تدريبه الأكاديمي. فإذا اختار مجال دراسة المناطق فإنه يخرج بحصيلة من التقاليد الصينية واللغة والتاريخ والثقافة والقليل حول كيفية عمل النظام الصيني المعاصر. أما إذا اختار أحد العلوم الاجتماعية، فإن التدريب يمتد إلى المناهج والنظم المقارنة، ولكنهم هنا لا يمكنهم الاستعانة بالمصادر الصينية في بحوثهم. فالجامعات الأوروبية تعاني من ندرة الباحثين المتخصصين في شؤون الصين المعاصرة فهناك على الأرجح ما يقرب من ثلاثة باحثين في هذه الجامعات من المتخصصين في الاقتصاد الصيني و8 باحثين عن السياسة الداخلية في الصين و5 عن السياسة الخارجية وعدد محدود جداً ممن يدرسون المجتمع الصيني المعاصر أو السكان ولا يتطرق أحد للموضوعات العسكرية أو للشؤون الأمنية الصينية. وقد أصيبت الدراسات الصينية في الجامعات الأوروبية على امتداد العقدين الماضيين بضمور. لذلك إذا لم تظهر مبادرة أوروبية لقلب هذا الوضع فإن الجامعات الأوروبية ستستمر في التخلف وراء نظيرتها في أمريكا الشمالية وآسيا. ولكن بالنسبة لمراكز الأبحاث الأوروبية فإن الوضع قد يكون أفضل، حيث أن هناك بعض الخبراء في هذه المجالات ممن يعملون في 10 شركات على الأقل في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبروكسل. ويذكر أن كفاءة الخبراء من الباحثين في هذه المؤسسات تتسم بكفاءة عالية، ولكن الكثير منهم يعانون من المعوقات الهيكلية في تدريبهم الجامعي ومن ثم لا يتكلم الكثير منهم الصينية أو يستخدم مصادر صينية أولية في بحوثهم. فهؤلاء الباحثون يميلون إلى أن يكون تدربيهم في الموضوعات الوظيفية المتعلقة بالصين مثل الدراسات الأمنية أو الاقتصاد وليس الدراسات الصينية الجوهرية. وللتغلب على ثغرة غياب المتخصصين في شؤون الصين ممن كان يجب أن تساهم الجامعات الأوروبية في تخرجهم، فإن الشركات الأوروبية العاملة في الصين لجأت إلى ترتيب لا يتاح للحكومات وهو تعيين عدد كبير من المواطنين الصينيين. والأكثر من ذلك، ان تعيين هؤلاء المواطنين الصينيين لا يساهم فقط في تنفيذهم للعمليات التجارية في الصين، بل تزيد الشركات الأوروبية على ذلك بترقية العديد من الموظفين الصينيين في هياكلها الإدارية في أوروبا وأماكن أخرى من العالم. فمن المتعذر توافر الخبراء عن الصين في وزارات الحكومات في أوروبا. وعلى الرغم من أن المكتب البريطاني للكومنولث لديه تقليد قديم ومميز خاص بتدريب دبلوماسييه وإمدادهم بوسائل لفهم ودراسة الصين، إلا أن هذا الإجراء لا ينطبق بالضرورة على وزارات الخارجية الأخرى في أوروبا. ويتوافر لدى الحكومات الأوروبية عدد محدود من الدبلوماسيين أو الملحقين العسكريين ممن يتمتعون بمعرفة جيدة بمهارات اللغة الصينية، أو ممن حصلوا على درجات متقدمة في الدراسات الصينية أو درسوا في الجامعات الصينية أو حتى من لديهم فهم عميق لتعقيدات المشهد السياسي الصيني والاقتصاد والمجتمع أو المؤسسة العسكرية. ولا يبدو أن الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تعتزم إنشاء برامج تدريب مهنية لهؤلاء المسؤولين ممن يصلون للصين بقدرات لغوية ضعيفة. ونتيجة ذلك، يقوم الكثير من هؤلاء الموظفين بعملهم فقط في الصين وهم منعزلون عن المجتمع الصيني والمؤسسات هناك. فاللجنة الأوروبية لا تقوم بمجهود يذكر لتدريب دبلوماسييها على الشؤون الصينية، وذلك رغم تمتع هذه اللجنة بتكريس موظفين مدنيين عالي الكفاءة لمجهوداتهم لإدارة العلاقات الأوروبية الاتحادية مع الصين. وعلى نفس الوتيرة تعاني وكالات الاستخبارات الأوروبية من نفس الضعف للخبراء عن الصين. ورغم كل ما سلف ذكره لا تعمد هذه الملاحظات إلى الإشارة إلى أن أوروبا تفتقر إلى المسؤولين الكفء لإدارة علاقاتها الحكومية مع الصين. فلديها الكثيرون ممن يديرون هذه المناصب بكفاءة عالية. ولكن يمكن القول إن أوروبا لا تلقي باستثمارات عالية لتدريب مسؤوليها الحكوميين من المختصين بشؤون الصين أو حتى تصمم برامج جامعية كمصدر لتخريج موظفين مدنيين أكفاء في الشؤون الصينية. ويعتبر التفاعل بين الموظفين الحكوميين والمحللين وبين نظرائهم من غير الحكوميين بمثابة ملمح أساسي للاختلاف بين الفهم الأوروبي والأمريكي للصين. وقد كان مثل هذا التفاعل ولفترة طويلة علامة مميزة للنظام الأمريكي الذي يتمتع بوجود خبراء خارج الحكومة ممن يتفاعلون بسلاسة مع نظرائهم من الموظفين المدنيين داخل الحكومة. وبمرور الوقت ساهم هذا التعاون في إفادة كلا الطرفين في الولايات المتحدة. أما في أوروبا فإن هذا التفاعل يشهد حدوده الدنيا، ورغم أن هذا التعاون شهد تطوراً في فرنسا وألمانيا في السنوات الماضية، لكن يظل الوحيدون الذين يتمتعون بالفرص الاستشارية هم هؤلاء ممن يعملون في مراكز البحوث التابعة للحكومة. أما السويد والدنمارك فهما توفران فرصاً أفضل للتعاون بين باحثي الجامعة والموظفين الحكوميين. وبفقدان مثل هذا التعاون والتنسيق فإن جداراً مانعاً يتشيد بين صانعي السياسة وبين من يجرون البحوث عن الصين، ونتيجة لذلك تخرج البحوث الأوروبية عن الصين ذات طابع دراسي بحت مع الافتقار لاتصالها بالسياسة. وبالعكس فإن السياسة تجاه الصين يتم تطويرها حصريا، في أروقة حكومات الدول الأعضاء مع وجود حد أدنى من تدخل خبراء غير حكوميين. وقد تم استحداث شبكة العمل الأكاديمية الأوروبية الصينية في 1996 بعد تمويل دام 5 سنوات من اللجنة الأوروبية بهدف معالجة هذه الاختلالات. وقد أنجزت قدراً كبيراً من العمل في فترة ميلادها الأولى إلا أنه في ظل عدم تجديد مخصصات مالية لها يظل مستقبل هذه الشبكة الأكاديمية غير واضح. واللافت للنظر أن الافتقار الأوروبي النسبي لخبراء متعمقين في الشؤون الصينية لا يمثل عائقاً أمام هذه الدول الأوروبية حيث أنها جنحت نحو رسم مخططات لعلاقات قوية مع الصين. فأوروبا على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل والدول الأعضاء معاً، قد كان لها القدرة على بلورة علاقات بالغة القوة مع الصين في السنوات الماضية. ويذكر أن العلاقات الأوروبية الصينية شهدت أوجهها في مجالات التجارة والاستثمار والثقافة والتبادل التعليمي والتفاعلات الدبلوماسية والتبادلات العسكرية، ناهيك عن تلك البرامج التي يغرس الاتحاد الأوروبي بذورها في الصين. لذلك لا يشكل النقص الأوروبي لخبراء حول شؤون الصين حجرة عثرة أمام نمو هذه العلاقات. ولكن كيف يمكن تفسير هذا القصور؟ فالسبب يكمن في تقارب المصالح القومية. فأوروبا والصين تتشاركان في نفس المصالح الأساسية الخاصة بتنمية التجارة والاستثمار وإجراء التبادلات على مستويات المجتمع كافة، ويهتم الطرف الأوروبي بمساعدة الصين في تخطي تحولاتها الداخلية وتدعيمهما لنظام عالمي متعدد الأقطاب. فهذا النوع من التقارب لا يستلزم بالضرورة توافر عدد هائل من المتخصصين في الشؤون الصينية للعمل في الحكومات الأوروبية أو في مؤسساتها غير الحكومية. والأكثر من ذلك أن عدم توافر مصالح استراتيجية لدى أوروبا أو تواجداً عسكرياً لها في آسيا جنباً إلى جنب مع عدم تحملها مسؤولية الدفاع عن تايوان وعدم وجود جماعات ضغط مناصرة لتايوان في أوروبا، زاد من سهولة متابعة هذه المصالح الأوروبية الصينية المشتركة. فأوروبا تتمتع بمزية تطوير علاقات مع الصين دون تحمل مسؤولية الأعباء الاستراتيجية والأمنية التي تثقل كاهل الولايات المتحدة في آسيا أو الدور الداخلي الذي يلعبه اللوبي التايواني في واشنطن. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد طورت علاقات ممتازة ومثمرة مع الصين في السنوات الأخيرة، إلا أن قضية تايوان وهذه العوامل الاستراتيجية المذكورة تقف وراء الستار، بل وتحلق فوق سماء العلاقات الصينية الأمريكية. سبر أغوار المثلث الاستراتيجي الجديد ماذا يجب أن يعتقد المحللون عن هذا المثلث الاستراتيجي؟ وكيف من المحتمل أن يتطور؟ وما هي تأثيراته على الشؤون العالمية؟ فسيكون من الخطأ تكوين فكرة عن هذا المثلث الاستراتيجي الجديد بين بكين وبروكسل وواشنطن بنفس الطريقة التي تكونت بها الفكرة عن نظيره القديم المكون من موسكو وواشنطن وبكين في عقدي السبعينيات والثمانينيات. فالمثلث الجديد يعرض مفاتيح لاختلافات محورية عن سابقه وهي: فأولاً تشير الدعامات الأولى لهذا المثلث الجديد إلى أنه أكثر إنسانية وأقل جموداً. فالفعل على جانب واحد منه لا يستشير فعلا مضاداً على الجوانب الأخرى. كما أنه لا يوجد طرفان بالمثلث الجديد متحالفين استراتيجياً ضد الثالث. وعلى خلاف المثلث القديم الذي شهدت أضلاعه اتصالات ضعيفة بين الصين والولايات المتحدة مع المجتمع السوفيتي، فالمثلث الجديد يشهد تفاعلات أبعد. فاليوم يرتبط كل اقتصاد ومجتمع وحكومة بطرق شتى متوافقة بشكل عميق مع الطرفين الآخرين للمثلث. وعلى ذلك فهذا المثلث ليس آلية لعلاقات صفرية بين طرفين ضد الثالث ولكنه مثلث إيجابي للعلاقات يتضمن مصالح مشتركة بين الأطراف الثلاثة. فأوروبا والولايات المتحدة تتنوع لديهما المفاهيم المشتركة عن تكامل الصين في النظام الدولي. وحماية حقوق الإنسان والتحول نحو اقتصاد السوق وتأسيس حكم القانون وإطلاق العنان للمجتمع المدني وتحرير النظام السياسي والمساهمة في مزيد من إستقلال الإعلام وحماية البيئة. أما أوروبا والصين لديهما مصالح مشتركة كثيرة خاصة بالتعددية والتعددية القطبية فضلاً عن القضايا التجارية والثقافية. والواقع أن أضلاع المثلث الثلاثة تتفق على قضايا حظر الانتشار النووي وتحرير التجارة العالمية. ويكمن الفارق الثاني في أن مخاوف الأمن القومي لا تسيطر على المثلث كما حدث خلال الحرب الباردة. وعلى الرغم من قيامها بدور محوري في العلاقات الأمريكية الصينية وخاصة فيما يتعلق بتايوان، إلا أن العلاقات الأمريكية الصينية تتسم بعمق غير عادي، وتتم على مستويات الدولة المتعددة ودون الدولة مع تزايد وثوق الروابط بين المجتمعين. وفي الوقت ذاته فإن عنصر الأمن القومي لها يمكن ببساطة إطلاقه كطابع مميز على العلاقة بين أوروبا والصين والتي تهيمن عليها تفاعلات التجارة والتجاذب الثقافي المتنامي ورغبة أوروبا في الأخذ بيد الإصلاح الصيني ورؤيتها المشتركة لتشييد نظام عالمي قائم على العدالة والمؤسسية. وبذلك فإنه على خلاف المثلث الاستراتيجي القديم فإن المثلث الجديد لا يقوم على أساس توازن الرعب النووي أو على المنافسة العالمية نحو استقطاب الدول، أو حتى على التوقعات بسياسات الأطراف الأخرى وسلوكها على الساحة العالمية. ثالثاً، يلوح اختلاف مهم على طول أضلاع هذا المثلث الجديد، فالولايات المتحدة وأوروبا كان لديهما بالفعل نصيب من الشقاق حول العراق وحول المعاهدات الدولية والنظم ودور الولايات المتحدة في العالم وقضية حظر السلاح على الصين. وعلى الجانب الآخر، وقعت بين الصين وأوروبا سلسلة نزاعات بشأن قضايا التجارة والتصنيف الخاص بوضعية اقتصاد السوق تماماً قبل الاختلافات حول حقوق الإنسان. فأوروبا تختزل هواجس ممارسات الانتشار النووي الصيني، وكذلك قضية حظر السلاح. بل إنه لاحت مؤخراً في الأفق انتقادات شنها المتخصصون الصينيون في الشؤون الأوروبية ضد الحوافز التي تقف وراء برامج الاتحاد الأوروبي لتدشين المجتمع المدني في الصين معتبرين إياها حيلاً أيديولوجية لتغريب وتقسيم الصين. كما اختلفت الولايات المتحدة مع الصين حول حقوق الإنسان والتجارة والانتشار النووي دون إغفال قضايا تايوان والدفاع الصاروخي والأمن الإقليمي في شرق آسيا. وكل هذه المعالم تضيف إلى قوام العلاقات الثلاثية المرنة والمتحولة والتي قد تسجل تقارباً في بعض الأحيان وتباعداً في أحيان أخرى. فالولايات المتحدة قد تقف جنباً إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي، وأحياناً أخرى تجد الصين والاتحاد الأوروبي نفسيهما في حالات اتفاق. وقد تعمل الولايات المتحدة في بعض الأحيان مع الصين وأحياناً أخرى قد تتقاطع مصالح وسياسات الأطراف الثلاثة. وفي الوقت نفسه قد يكون لكل طرف نزاعات مع الطرفين الآخرين. إلا أن حالة واحدة لم تحدث حتى الآن، وهو الموقف الذي قد تتقارب فيه المصالح الأمريكية والصينية في مواجهة المصالح الأوروبية. ولهذه الأسباب مجتمعة وغيرها، فإن المثلث الاستراتيجي الجديد بين الولايات المتحدة والصين وأوربا تتوافر لديه آليات تختلف عن نظيره القديم الذي سيطر على الشؤون العالمية منذ الانفتاح الصيني في 1971 حتى حدوث التقارب الصيني السوفيتي في نهاية عقد الثمانينيات ورغم توتر المحورين الأمريكي الصيني والأمريكي الأوروبي، فإنه من غير المحتمل أن يطور أحدهما الطابع التنافسي أو المعادي الذي وصم العلاقات بين القوى في المثلث الصيني السوفيتي الأمريكي القديم. وبالطبع فإن النزاع الأمريكي الصيني حول تايوان، أو ذلك المحتمل اندلاعه حول كوريا الشمالية من المقدر أن يعتبر جذرياً من هذه النبوءة. كما أن استفحال التوترات عبر الأطلنطية حول قضايا عديدة مثل العراق وإيران والأمم المتحدة والناتو والتجارة، يمكنها أن تساهم في توسيع فجوة التباعد بين الولايات المتحدة وأوروبا. وعلى المدى القريب فإن قضية الحظر الأوروبي للسلاح على الصين من المحتمل أن تعتبر مسألة مثيرة للخلاف أو الانقسام. وتفسير ذلك أنه عندما يتم رفع هذا الحظر - علما بأنه لا مفر من إنهائه - وبغض النظر عن حجم وشدة الضوابط على الصادرات أو حتى مواثيق الشرف المسيطرة على الاستخدام الثنائي للتكنولوجيا، فإن الشعار السياسي لرفع الحظر هذا لن يلاقي ترحيبا في واشنطن، بل يحتمل أن يشن حملات نقد ضخمة وإجراءات عقابية من قبل الكونجرس على الشركات الأوروبية. فالشعارات في أحيان كثيرة قد تفوق في خطورتها لغة الأسلحة. فمن الصعب تخيل رسالة يكون تأثيرها أكثر تشويشاً على الولايات المتحدة من تلك الخاصة برفع أوروبا لحظرها لسلاح عن الصين، وذلك في الوقت الذي تقوم فيه الصين بتعزيز قدراتها العسكرية، وتعمل على تمرير قوانين خاصة بمنع تايوان من الانفصال. فهذا الحظر حين يتم رفعه سوف ينشر بذور عدم ثقة جبارة في واشنطن كما ستمتد تأثيراته لمختلف أوجه العلاقات والتعاونات عبر الأطلنطية. وتظل مسألة الحفاظ على مواقف دبلوماسية مشتركة والتعامل مع قضايا مثل برنامج إيران النووي أمراً بالغ التعقيد. فهل يجب أن تبدأ الدول والشركات الأوروبية في بيع السلاح، وتنمية التكنولوجيا العسكرية لنقلها للصين، وفي الوقت نفسه تعريض القوات العسكرية الأمريكية للخطر وتغيير ميزان الأمن في شرق آسيا كما يحتمل أن تؤدي هذه السياسة الأوروبية لقطيعة كبرى بين أوروبا والولايات المتحدة. فمثل هذه النهاية من شأنها تقويض التحالف الأطلنطي الذي أثبت أنه أساس النظام العالمي على مدى الـ60 سنة الماضية. لذلك فإن وضع الصين في المكان المناسب بين الولايات المتحدة وأوروبا يعتبر أمراً يتمتع بأولوية قصوى. وفي هذا الوقت فإن الفرع التنفيذي للحكومة الأمريكية قد تأخر طويلاً في إدارة حوار منتظم عن الصين مع أوروبا، وهو المقترح الأوروبي الذي أعلن عنه الاتحاد في أعقاب أزمة حظر السلاح. كما يحتاج الكونجرس الأمريكي لتعميق تفهمه للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين. ولذلك تم تأسيس لجنة مراجعة أمريكية صينية اقتصادية أمنية ككيان انبثق عن الكونجرس في 1999. وقد سافرت هذه اللجنة إلى بلجيكا وجمهورية التشيك في 2004 للاستماع لآراء المسؤولين الأوروبيين والخبراء ولتعلم المزيد عن العلاقات بين أوروبا والصين. ولكن الجهود لا تقف عند هذا الحد فالمسؤولون والمحللون لا يقتصر احتياجهم على تطوير فهم أفضل للمصالح الأمنية الأمريكية في شرق آسيا، ومدى تعقيدات العلاقات الصينية الأمريكية، بل يجب أن يتطرقوا للفهم العميق للصين المعاصرة. فالمشورة والتفاعل عبر الأطلنطي بشأن الصين أضحى أمراً شديد الأهمية لكلا الجانبين الأمريكي والأوروبي، حتى يتعلم كل منهما من الآخر، وكذلك في الوقت نفسه للحد من نزوع الصين نحو تأليب الولايات المتحدة وأوروبا ضد بعضهما البعض. وبشكل أكبر، فالأطراف الثلاثة للمثلث الأطلنطي الجديد تتفق حول القضية الأكثر أهمية ومحورية وهي كيفية إدارة تكامل الصين في النظام العالمي القائم بسهولة وآمان. فالخبرة التاريخية تشير إلى أن القوى الصاعدة مثل أوروبا والولايات المتحدة قد ساهمت بشكل كارثي في اضطراب النظام الكوني. لذلك أصبح من المتعين على عاتق أطراف المثلث الثلاثة ضمان ألا يعيد التاريخ نفسه. وهو التعهد الذي سيتطلب تنسيق جهود الأطراف الثلاثة للمتابعة والاهتمام بهذه القضية الكلية وعدم السقوط في هاوية نزاعات فرعية. كما سيتطلب هذا التأمين للاستقرار العالمي إدارة حوار مكثف بين الأطراف الثلاثة مجتمعة. ويمكن أن تكون فكرة إقامة قمة سنوية أو نصف سنوية ليجتمع في أروقتها رؤساء الدول الثلاث الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وسيلة عالية الجدوى كما يمكن أن تتقابل جماعات المصالح الوظيفية المنبثقة عن الحكومات الثلاثة بشكل منتظم لتنسيق المداخل المشتركة لمواجهة التحديات العالمية. لذلك فإذا أمكن لهذه القوى الكونية القيادية الثلاث أن تلتمس طريق النجاح في تحقيق مثل هذا الحوار الإيجابي وتنسيق السياسات والتعاون المثمر، فإنه لا محالة سيشهد العالم استقراراً أكبر وسيكون هذا المثلث الاستراتيجي الجديد وقتذاك وعلى إثر هذه النجاحات آلية إيجابية لتدشين حكم كوني فعال.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة