جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
-3- الغرب والتحدي الصيني-

تفهم الصعود الصيني اعتبرت الاختلافات الهيكلية والمفاهيمية الأساس الذي قاد إلى تشعب المداخل الأمريكية والأوروبية للصين، ويكمن الفرق الأساسي في مداخلها في كيفية فهم كل طرف منهما للصين الصاعدة. فالخطاب السياسي الرسمي في الولايات المتحدة الخاص بالصين دائماً ما يشير إلى صعودها، وتسيطر عليه التحليلات الخاصة بتنامي القوة الصلبة الصينية وتأثيرات ذلك على مصالح الأمن القومي الأمريكي في شرق آسيا وذلك بالنظر إلى تايوان. فهذه هي الزاوية الرئيسية لرؤى المحللين للصعود الصيني والعامل الأساسي الذي شكل الجدل الذي تدور رحاه في واشنطن. والجدير بالذكر أنه برغم انطلاق قذائف الاستياء الشعبي من جراء فقد الولايات المتحدة لوظائفها بالصناعة نتيجة السيطرة الصينية على ميدان الصناعة، فضلاً عن البراعة الصينية الفائقة، وفائضها التجاري مع الولايات المتحدة إلا أن هذه النقاط تتراجع أولويتها في أجندة المناقشات لصالح تلك النقاط الخاصة بتأثير الصعود الصيني على الأمن القومي الأمريكي. وعلى الجانب الآخر، ترى أوروبا الصعود الصيني بعين تركز على التحولات الصينية الداخلية. فالأوروبيون يرون أن الصين دولة نامية ضخمة تقع على منتصف الطريق لمراحل تحولات عديدة تهدف إلى الإبحار بعيداً عن اشتراكية الدولة لترسو على ميناء اقتصاد السوق الحرة والمجتمع الأكثر انفتاحاً والحكومة الأكثر تمثيلية ومسؤولية. وعلى العكس من المحللين في الولايات المتحدة ممن يركزون على الصورة الخارجية للصين يركز المحللون الأوروبيون بشكل اساسي على المشهد الصيني الداخلي. لذلك فإن هذا الخلاف الأساسي بينهما في المنظور يستتبعه اختلاف في السياسات والقرارات. فهذا المنظور يقف وراء قوة السياسات الأوروبية تجاه الصين التي تهدف إلى مساعدتها في الاجتياز الأمني للتحولات والإصلاحات الداخلية. فأوروبا لا تريد للصين أن تمني بالفشل. ويبدي الاتحاد الأوروبي الاستعداد لتقبل الصين كما هي عليه وأن يساعد بكين في مواجهة تحدياتها الداخلية، وتبعاً لذلك فإن الشعوب الأوروبية واللجنة الأوروبية تؤمن بأن عليهم تقديم الكثير من المشورة والموارد تحقيقاً لهذه المساعدة. ويجد هذا الموقف الأوروبي تفسيراته في أنه ليس فقط بحكم خبرة أوروبا الغربية الطويلة مع الديمقراطية الاجتماعية والرفاهية العامة ولكن يرجع أيضاً للخبرة المستمرة لدول أوروبا الشرقية كاقتصاديات وسياسات تحوليه ظهرت في فترة مشابهة لظهور اشتراكية الدولة ومن الثابت أن الصين لم تطرح جانباً نظامها للحزب الواحد ولا يبدو في الأفق أنها ستفعل ذلك طواعية. ولكن الأوروبيين يقيسون على خبراتهم مع الديمقراطية الاجتماعية بهدف المساهمة في تنمية المجتمع المدني والمجال العام في الصين. والأوروبيون هنا واثقون من أن هذه الإجراءات كانت التمهيدات لإحداث ديمقراطية في أوروبا الشرقية. كما يمتد الحماس الأوروبي الاتحادي لنشر خبراتهم في الإصلاح الصناعي والتعليم العالي وسياسات العلوم والتكنولوجيا وإعادة تنظيم الإعلام، وخصخصة المواصلات العامة والشفافية السياسية والمساءلة ومجالات أخرى كثيرة. وباختصار، يؤمن الاتحاد الأوروبي بأن لديه الكثير ليقدمه للمساعدة في تدعيم قدرات البناء في الصين وهو لا يتوانى عن الاستثمار الثقيل في هذه البرامج. وتعكس الشراكة الإستراتيجية التي تم الاتفاق عليها بين الاتحاد الأوروبي والصين عام 2003 وجهة النظر الأوروبية وهي أن الصين قد أصبحت بالفعل لاعباً محورياً في المسائل الأمنية السلمية التي توليها أوروبا اهتمامها. فأوروبا تؤمن بأن التهديدات الأساسية لأمنها تكمن في التنوع عبر الإقليمي والهجرة غير الشرعية والجريمة الدولية والأمراض المعدية والطاقة والبيئة وأزمات الحكومات الفقيرة، وعلى ذلك يرى الاتحاد الأوروبي الصين كواحدة من القوى العظمى التي من المقدر أن تساهم في حل هذه المشكلات. وعلى الرغم من تعثر الشركات الأوروبية والأمريكية في إطار منافسة جادة للحصول على نصيب من الأسواق في الصين، إلا أنه على المستوى الحكومي فإن الاختلاف في استثمار الموارد يعتبر مؤشراً على تشعب مداخل التعامل مع الصين كقوة صاعدة. فالولايات المتحدة تنشر مواردها بشكل أساسي لمراقبة نمو القوة الصلبة للصين ولردع أي سلوك صيني عدواني محتمل خلف حدودها، في حين يستثمر الاتحاد الأوروبي في مبادرات داخل الصين لزيادة قوتها الرخوة وتيسير عملية التنمية المستدامة بها إن الاختلافات الفلسفية بين المداخل الأمريكية والأوروبية للصين تجيب عن سؤال حول كيفية توصل كل منهما لفهم الصين. فكل طرف لا يرى الصين من خلال زوايا مختلفة كما ذكر من قبل فحسب، بل أيضاً يزيد على ذلك وجود اختلافات تربوية في اعتباراتهم للمجتمع الصيني على المستويات الحكومية وغير الحكومية. وعموماً فإن فهم هذه الاختلافات التحليلية وكذلك المستويات المتفاوتة من تخصيص الموارد التي تستثمرها أوروبا والولايات المتحدة لفهم الصين يساعد في فك شفرات هذه المداخل المختلفة. تعين كل من حكومة الولايات المتحدة وحكومات كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي موظفين مسؤولين عن قضايا الصين في وزاراتهم الخارجية ووكالاتهم الاستخباراتية وإداراتهم الحكومية العاملة. وعلى ذلك فإن سمتين تفصلان بين الولايات المتحدة وأوروبا. أولاهما عدد هؤلاء المسؤولين، وثانياً حجم تدريبهم. فالمختصون بشؤون الصين في الحكومة الأمريكية يفوق عددهم بشكل كبير نظرائهم من الأوروبيين كما يتلقون تدريباً أكبر حول الشؤون الصينية المعاصرة. وفي الوقت الحالي يتوافر لدى وزارة الخارجية الأمريكية حوالي 200 مسؤول خدمات خارجية ممن أكملوا فترة تدريب متقدمة عن اللغة الصينية. وقد حصل العديد على دراسات عاليا في الدراسات الصينية، ومن المقرر أن يقوموا بجولات عديدة في أرجاء الصين، وهو تقليد قديم ومتميز سار على دروبه الدبلوماسيون الأمريكيون ممن خدموا في الصين منذ القرن التاسع عشر. أما عن وزارة التجارة الأمريكية، فهي توظف عدداً أقل يتراوح بين 20-30 موظف ولكنهم لا يقلون كفاءة عن مسؤولي الصين بوزارة الخارجية حيث أنهم مجموعة من الكوادر المؤهلة والمدربة على الخدمات التجارية الخارجية. وكذلك لدى وزارة الطاقة والتعليم والخزانة الأمريكية ووزارات أخرى مكاتب صينية وأعداد موظفين أقل من المتخصصين في شؤون الصين ضمن كوادرها. وبالنسبة للعسكرية والجيش الأمريكي فيتوافر لديها حوالي 50 مسؤولاً عن الشؤون الخارجية الصينية، وقياساً على ذلك بدأت الطيران والبحرية الأمريكية في رسم برامج مماثلة. ويمثل الشق الأعظم من عمل هؤلاء المسؤولين ما يشابه الأعمال الاستخباراتية كتلك التي يؤديها الملحق العسكري في الصين بإمداد ذويه من المسؤولين بالمعلومات سواء مكتب وزير الدفاع أو رئيس الأركان. فعدد الكوادر من العاملين بالاستخبارات والمسؤولين عن الصين وتحليل شؤونها لدى الإدارة الأمريكية أخذ في التزايد. فالصين قد أصبحت صناعة متنامية في الأوساط الاستخباراتية الأمريكية في السنوات القليلة الماضية. وتشير التقارير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يتوافر لديها حوالي 200 محلل من المختصين بالصين وممن يعملون بنظام الوقت الكامل. ويعمل لدى وكالة الاستخبارات الدفاعية ووكالة الآمن القومي 200 موظف لكل منهما، أما وكالة الفضاء القومية فلديها 100 متخصص. ولدى إدارة الباسيفيك، عدة مئات من الأشخاص ينتشرون عبر منطقة المحيط الهادي الآسيوية وتتمثل كامل مهمتهم في مراقبة جيش التحرير الشعبي. بناء على ما سبق تشير هذه التقارير الواقعية إلى حجم ومستوى المجهودات والموارد التي تكرسها حكومة الولايات المتحدة لرصد التطورات في الصين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد الأفراد ومستوى الموارد المتاحة ليس هو المحدد الوحيد، بل يزيد على ذلك قدرات تناول اللغة الصينية والتدريب التحليلي في الدراسات الصينية. وبالخروج بعيداً عن أروقة الحكومة، يعتبر الخبراء الأمريكيون الأكاديميون هم الوحيدون من نوعهم في العالم. فمئات من أساتذة الجامعة من المتخصصين في الدراسات الصينية المعاصرة فيما بعد 1949، وعدد آخر كبير يجرون بحوثاً ذات صلة بالتاريخ الصيني الحديث وما قبل الحديث. ومنذ عقد مضى من الزمان، كان على الطالب الذي يرغب في دراسة الصين أن يلتحق بواحدة من عشرات الجامعات القيادية التي توفر برامج عن الدراسات الصينية. ولكن هذا الوضع لم يعد هو السائد حيث تنامت برامج الدراسات الصينية بسرعة هائلة في جامعات الدولة ولدى كليات الفنون الحرة الخاصة في مختلف الأنحاء الأمريكية خلال السنوات الماضية. وفي كل الأحوال، فقد ثبت أن هذه المؤسسات هي مدارس تعليمية تساهم في منح التدريب قبل التخرج في الدراسات الصينية للطلبة الذين يلتحقون بعد ذلك ببرامج للدراسات العليا وتصل الأغلبية العظمى من الطلبة المتخرجين إلى مرحلة برامج الماجستير والدكتوراه يؤهلهم برامج ما قبل التخرج وخبرتهم في الدراسات الصينية وبراعتهم النسبية في اللغة وخبراتهم للعيش في الصين لمدة سنتين على الأقل. ولقد تثبت أن هذه الخلفية والخبرة لتأهيل الطلبة للالتحاق بالدراسات العليا تتمتع بجدارة وكفاءة عالية. ويأخذ الطلب على الدراسات الصينية في أرجاء الولايات المتحدة في التزايد. لذلك لا يقدر أن يكون هناك نقص في الخبراء لتولي الوظائف في الحكومة والقطاعات الخاصة في السنوات القادمة. وكانت هذه هي الطريقة التي تتسلح بها الولايات المتحدة لمواجهة التحدي الصيني. أما خارج الجامعات الأمريكية فيمكن أن يتواجد الخبراء في شؤون الصين في معاهد البحوث في واشنطن أو في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، وفي المكتب القومي للبحوث الآسيوية في سياتل. واليوم يعمل لدى أي مركز أبحاث في العاصمة على الأقل متخصص واحد في شؤون الصين ضمن فريقه الإداري للعمل، وربما أكثر من واحد. وجنباً لجنب مع هذه المؤسسات غير الهادفة للربح، فإن عدداً من الشركات الاستشارية الهادفة للربح مثل التكنولوجيا والشركة العالمية لتطبيقات العلوم وآخرين كثيرين يوظفون كوادر بحثية هائلة من المتخصصين في شؤون الصين وممن تكون مهمتهم إجراء بحوث عن الصين لصالح وكالات الحكومة. وأخيراً فإن عدداً من مراكز البحوث والتنمية الممولة من الحكومة (مثل مؤسسة راند) تتلقى منحاً حكومية هائلة وتوقع عقوداً مع الحكومة لإجراء بحوث عن الصين


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة