جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الغرب والتحدي الصيني-1-


دورية: واشنطن كوارتيرلي


الخلاف عبر الأطلنطي حوال الرفع المقترح للاتحاد الأوروبي لحظره للسلاح على الصين، أكد على تحول النظام العالمي الجغرافي السياسي. وهو النظام الذي يقترح أن تحظى التفاعلات بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد العالمي الأوروبي بوضعية المعلم البارز لحدوده ومعالمه في السنوات القادمة. فهذه القوة القارية الثلاث تحتشد لديها وبثقل كبير مجموع القوى الاقتصادية والعسكرية فضلاً عن التأثير المعياري والسياسي. وبتجميع الأوزان الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية لهؤلاء الفاعلين الرئيسيين الثلاثة على المسرح العالمي اليوم، فإنها تضع نصب أعين صناع السياسة والمحللين فريضة أن يولوا مزيداً من الاهتمام المضاعف للتفاعلات التي يشهدها مضمار هذا المثلث الإستراتيجي الجديد.
فالنظام العالمي الجديد ترسم معالمه اتجاهات أربعة، بدءاً من التفوق العسكري الأمريكي والقوة الأمريكية منقطعة النظير، مروراً بتنامي التجانس والثقل الاقتصادي لدى الاتحاد الأوروبي ثم تسارع خطى العولمة التكنولوجية والاقتصادية، ورابعاً يأتي الصعود الصيني في الشؤون العالمية ليمثل منعطفاً هاماً من الاتجاهات الرئيسية يجب التوقف أمامه للتعرف على النظام العالمي الجديد.
فالصين في هذا النظام العالمي الجديد قد أصبحت لاعباً أكثر مسؤولية على الساحة الدولية، كما رصد لها تفاعل مع عدد متزايد من القضايا على جدول الأعمال الدولية من قبيل مكافحة الإرهاب والتدهور البيئي والدفء الكوني وتأمين الطاقة والجريمة الدولية وحفظ السلام الدولي وبناء الأمة ومنع الانتشار النووي والصحة العامة واستقرار النظام المالي الدولي. ويذكر أن هذا التحول لبكين عن كونها طرفاً سلبياً وعضواً غير لاعب نحو المشاركة الفعالة في التصدي لهذه التحديات يعكس حجم الثقة المتزايدة والاعتقاد الراسخ لدى القادة الصينيين بأن مسؤوليات الصين في الساحة الدولية تتزايد جنباً لجنب مع قوة الدولة الصاعدة وتأثيراتها. وتأكيداً على هذه الحقيقة فإنه بتزايد الانخراط الصيني في النظام العالمي، فإن التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سوف يزيد مع بكين حول هذه التحديات الدولية وغيرها. إلا أن هذا المخطط لا يحول دون وقوع احتمال اختلاف المصالح في بعض المناطق الأخرى.
فالخلاف حول حظر السلاح يظهر الزوايا المختلفة لرؤية أوروبا والولايات المتحدة للصعود الصيني، ومن الثابت أن المداخل الأمريكية والأوروبية إلى الصين تشترك في أوجه مهمة يجب ألا يتم إغفالها كما يجب أن يتم دراسة الاختلافات أيضاً.
فعلى سبيل المثال، إذا كان لأوروبا أي مصالح إستراتيجية بارزة أو وجود عسكري في شرق آسيا أو حتى كانت ملتزمة بأمن تايوان، فإنه على الأرجح ألا ينشغل اهتمام القادة الأوروبيين برفع حظر السلاح.
ان القاء الضوء على الاختلافات الحادة في الرؤى عبر الأطلنطية التي تجسدها قضية حظر السلاح، يشير الى أن المهتمين بالصين والشؤون الآسيوية في الولايات المتحدة وأوروبا، قد تأخروا كثيراً في التعاون مع هؤلاء المهتمين بالعلاقات عبر الأطلنطية. فإذا كان هذا التفاعل قد حدث بأي درجة من الانتظام في السنوات الماضية فإن قضية حظر السلاح ما كانت ستفاجئ وتوتر العلاقات عبر الأطلنطية إلى هذا الحد الهائل، حيث إن حكومة الولايات المتحدة كانت ستتنبأ بهذه المسألة، وما كان الاتحاد الأوروبي وقتئذ يتصادم مع اعتراضات الولايات المتحدة.
وعلى ذلك أصبح من المهم التمعن في المصالح البعيدة والمفاهيم الخاصة بالمداخل الأمريكية والأوروبية تجاه الصين التي تعتبر الأساس للتوترات عبر الأطلنطية، والتي برزت حول قضية حظر السلاح.
فإذا عقد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عزمهما على تحاشي الافتراضات الخاطئة حول سياسات وأولويات كل منهما تجاه الآخر، فيجب عليهما تحقيقاً لذلك الوصول للفهم الواضح للاختلافات الهامة في المصالح القومية والرؤى. ومع ذلك يظل عليهم عدم الشطط في مغالاة حجم هذه الاختلافات، حيث إن الولايات المتحدة وأوروبا تشتركان في نفس وجهات النظر حول وضعية الصين في المجتمع الدولي وحول دورها في التوازن وإن هذه الاتفاقات عبر الأطلنطية تفوق نظيرتها من التباينات لوجهات النظر.
التقارب عبر الأطلنطي للرؤى حول سياسة الصين
على الرغم من وجود اختلافات بالمداخل، إلا أنه على المستوى الأساسي تشاركت الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي في الرغبة في تعزيز مقعد الصين على المائدة الدولية، بل وتضخيم نصيبها في النظام الكوني. فكلا الطرفين يريد للصين أن تحافظ على وضعها الراهن، ويؤمن بأن دمج الصين بأكبر قدر ممكن في المؤسسات الدولية قد يساعد في الوصول لهذه النتيجة، وذلك عبر ضم الصين إلى حلقة المعايير الدولية للسلوك.
ولذلك ترحب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالاندماج الصيني البناء في النظام الدولي. فمن هنا، ونتيجة لكل ما سلف ذكره، قادت هذه العوامل السياسات والمداخل الأمريكية والأوروبية لتسلط تركيزها على الصين منذ عقد الثمانينيات على الأقل.
وبالرجوع لعام 1968، فقد أثار الرئيس ريتشارد نيكسون الجدل حول حقيقة أن الصين بقبوعها في عزلة عن المجتمع الدولي، كانت تعتبر عامل عدم استقرار للشؤون الدولية. وكان هذا الاعتقاد واحداً من أبرز دوافع نيكسون الصريحة نحو فتح العلاقات مع الصين عام 1972. وشاركه بشدة في الرأي الرئيسي الأمريكي جيمي كارتر الذي خطا نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين في 1979.
واستكمالاً لهذه المسيرة، جاء الرئيس رونالد ريجان ليشارك في هذا المنظور، وقد قامت إدارته بمجهود كبير لربط بكين ثنائياً في حلقات من القضايا الدولية ولجلب الصين إلى العديد من المؤسسات التعددية والدولية. ولكن يبدو أن أكثر من آمن بهذه الفكرة وبشدة تفوق درجة تمسك سابقيه بها، كان الرئيس جورج بوش. إلا أن سوء الحظ قدر أن تحول الأحداث المأساوية في 1989 دون تحقيقه لرؤيته. وعن إدارة كلينتون، فقد تبنت هذه الاستراتيجية خلال فترته الرئاسية الثانية، حيث أبرمت المفاوضات بنجاح لإلحاق الصين بمنظمة التجارة العالمية.
وحتى بالنسبة لإدارة بوش الحالية، والتي لا يعرف عنها احتضانها للمؤسسات الكونية، فقد ناقشت وباستمرار بأن الصين تحتاج إلى الانخراط وبفعالية داخل مثل هذه الكيانات الدولية. وعلى مستوى الممارسة، فقد سعت إدارة بوش لربط الصين ثنائياً بهذه القضايا. ويذكر أنه في بعض الحالات مثل سعي الصين للعضوية في نظام التحكم في تكنولوجيا الصواريخ عام 2004، وقفت إدارة بوش أمام كل من قبول الصين والموافقة الأوروبية على العضوية الصينية، إلا أن هذه الحقيقة لا تلغي التأييد الثابت للولايات المتحدة لتضمين الصين في النظام المؤسساتي الدولي.
وربما بدرجة أكبر من الولايات المتحدة فقد آمنت أوروبا لمدة طويلة بحكمة وصل الصين بالمؤسساتية العالمية. وقد اعتمد هذا المنظور على قوى دافعة عديدة في الرؤى العالمية الأوروبية شكلها الاعتقاد بأن القوى المهيمنة يجب أن يتم معادلتها وأن العالم متعدد الأقطاب هو وضع أكثر استقراراً من النظام الذي يهيمن عليه طرف واحد أو الذي تسوده الفوضى، وأن الأمم يجب أن ترضخ للقانون الدولي ولمعايير السلوك المتفق عليها. كما ترى أوروبا أن المنظمات الدولية يجب أن يتم تدعيمها وتعزيزها لإحراز حكم عالمي فعال، وأن يكون للسيادة حدودها وفي بعض الظروف المعينة كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي يمكن لهذه السيادة أن يتم اقتسامها. وتمتد الرؤى الأوروبية لتفعيل القوى الرخوة حيث إنها يجب أن تكون تأثيراتها أرجح من كفة القوى الصلبة.
فهذه العناصر المحورية للفلسفة الأوروبية تعكس طريقة التفكير الأوروبية عن الصين وعن دورها المحتمل في النظام الدولي. وتشترك الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي في المصلحة الملزمة التي تقضي بضرورة تطوير حقوق الإنسان في الصين. ولطالما أثبت هذا الهدف المشترك ثباته عبر الزمن إلا أنه رغم ذلك فقد اختلفت آليات السياسية والأساليب المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، حيث جنحت الولايات المتحدة نحو الدبلوماسية الشعبية جنباً لجنب مع استصدار قرار حول الصين في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف. أما عن الجانب الأوروبي فقد أعلى من راية الدبلوماسية الخاصة ووقف بمنأى عن الآليات المخطوطة في هيكل الأمم المتحدة. ولكن الإتحاد الأوروبي في الوقت نفسه عبر عن مناصرته القوية لتوقيع الصين والتزامها بمواثيق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
ورغم الإيمان المشترك لدى القادة الأوروبيين والأمريكيين بالمبادئ الإنسانية، إلا أن اختلافاتهم تتضح حول تأكيداتهم لماهية حقوق الإنسان التي يجب إعلان لوائها في الصين. فواشنطن أعطت الأولوية لحقوق المسجونين السياسيين والخارجين عن القانون وفي السنوات الأخيرة وخاصة في فترة حكم بوش والتي حلقت فيها شعارات حرية العقيدة عالياً، كانت في المقابل سياسات الإجهاض الإجباري وقتل الفتيات الرضع في الصين تثير إدانات أمريكية صريحة لمثل هذه الممارسات الصينية.
كما زاد على ذلك إجراءات القمع الديني والثقافي في التبت، ما فجر الانتقادات الأمريكية الساخطة ضدها ووجه الاهتمام التشريعي ضدها.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة