جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
النفوذ الصيني في افريقيا-2

الكاتب: بيتر بروكس، وجي هاي شين

مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري


تعتبر الدكتاتوريات الإفريقية من الزبائن الدائمين الذين يواظبون على شراء الأسلحة والمعدات العسكرية الصينية التي كثيراً ما تستخدمها لقمع الأقليات السكانية، وسحق المعارضة السياسية والتحرش بالدول المجاورة، والقضاء على أي بصيص للديمقراطية. ففي عام 2004، ورغم الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على بيع الأسلحة إلى زمبابوي، باعت الصين لها طائرات مقاتلة وعربات عسكرية قيمتها 200مليون دولار. وبالإضافة إلى ذلك، زودتها الصين بمحطة إذاعة عسكرية قوية استخدمتها حكومة هراري للتشويش على بث التقارير المناهضة للحكومة من المنافذ الإعلامية المستقلة أثناء الحملة الانتخابية التشريعية في عام 2005.


وعندما تولى الرئيس روبرت موغابي زمام السلطة في عام 1980، كانت زمبابوي واحداً من أكثر البلدان ازدهاراً في إفريقيا. ولكن موجابي دأب على قمع خصومه السياسيين والقبائل المعارضة له، الأمر الذي أدى إلى حدوث انكماش كبير في اقتصاد البلد. وتواجه زمبابوي الآن نقصاً مزمناً في المواد الغذائية، ووصلت نسبة البطالة فيها إلى 70 في المائة. وفي شهر أيار (مايو) 2005، أصدر موجابي أوامره بتنفيذ برنامج إزالة القذارة الذي يرمي إلى الطرد القسري وإزالة عشرات آلاف المنازل والمباني غير المرخصة التي تعود لسكان المدن. وتقدر الأمم المتحدة أن هذه العمليات أدت إلى تشريد 700.000 شخص معظمهم من مؤيدي المعارضين السياسيين لموجابي. وفاقم موجابي تلك الكارثة بمنعه وكالات الإغاثة الدولية من تقديم المساعدات الإنسانية للمشردين.


وقد أدت الانتهاكات المتكررة لنظام موجابي إلى قيام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على المسؤولين الزمبابويين الذي شاركوا في صياغة، أو تنفيذ أو دعم السياسات التي أدت إلى تدمير المؤسسات الديمقراطية في ذلك البلد. وبسبب العزل والضغط المتزايد من الدول الغربية، لجأت زمبابوي إلى تطوير علاقات وثيقة مع الصين، عبر تبني سياسة “انظر إلى الشرق” التي تمكِّن موجابي من تجنب آثار العقوبات الغربية وتجنب الانتقادات التي توجه لسياساته. وتقدم الصين لموجابي احتياجاته العسكرية دون التدخل في شؤونه الداخلية، وتكيل المديح له باعتباره رجل الانجازات العظيمة، والذي يعمل من أجل السلام العالمي، والصديق الوفي للشعب الصيني.


وللصين سجل في بيع الأسلحة وخطوط إنتاجها عبر مشاريع تملكها الدولة والشركات الأمامية للأنظمة القمعية مثل ليبيريا والسودان.


* تستخدم حوالي 80 في المائة من إيرادات السودان السنوية من النفط في شراء الأسلحة من أجل إخضاع المتمردين في جنوب السودان. وبمساعدة صينية، قامت الحكومة السودانية مؤخراً ببناء ثلاثة مصانع للأسلحة بالقرب من الخرطوم.


* في عام 2003، تم اتهام عدة شركات في هونغ كونغ بتهريب الأسلحة غير القانونية التي تشمل رشاشات الكلاشينكوف، والرشاشات، وعربات إطلاق الصواريخ إلى ليبيريا، وسيراليون، وساحل العاج المجاورة التي شارك الثوار والمرتزقة فيها في الحروب الأهلية الدائرة هناك. وأدت تجارة الأسلحة غير المشروعة إلى قيام مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2004، يقضي بحظر جميع أشكال الاتجار بالأسلحة والأخشاب والالماس مع ليبيريا. وأشار القرار إلى العلاقة بين التجارة غير المشروعة بالموارد الطبيعية كالالماس والخشب، وبين نشر الأسلحة غير القانونية والاتجار بها، بما يؤدي إلى إشعال الصراعات وتفاقمها في غرب إفريقيا، وخاصة في ليبيريا.


* امتدت مشاركة الصين في قضايا الأمن في دول جنوب الصحراء الإفريقية إلى المشاركة في عمليات حفظ السلام، وبرامج التبادل، وفي عمليات نشر الجنود.


* في شهر نيسان (أبريل) 2003، تم إرسال قرابة 175 جنديا من جيش التحرير الشعبي، وفريق طبي مؤلف من 42 شخصاً إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية في مهمة لحفظ السلام.


* في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2003، تم إرسال 550 جندياً من قوات حفظ السلام مجهزين بحوالي 200 عربة عسكرية وشاحنات نقل المياه إلى ليبيريا، وكانت هذه أكبر عملية تشارك فيها الصين تحت لواء الأمم المتحدة منذ أن أرسلت 800 مهندس عسكري إلى كمبوديا في الفترة من 1992 إلى 1994.


* قامت الصين أيضاً بإرسال 4.000 جندي من جيش التحرير الشعبي إلى جنوب السودان لحراسة أحد خطوط أنابيب نقل النفط، وأعادت مؤخراً تأكيد عزمها على تقوية التعاون العسكري، وبرامج تبادل البعثات مع أثيوبيا، وليبيريا، ونيجيريا والسودان.


تعزيز التبادل التجاري والاستثمار ونموذج للتنمية الاقتصادية


إن علاقة الصين الآخذة بالانتشار بسرعة مع إفريقيا تدق ناقوس الخطر ليس لأنها تسببت في عقد صفقات الطاقة والأسلحة بين الصين والبلدان الإفريقية، ولكن لأنها تشكل منافسة للتجارة الأمريكية الإفريقية. وتأسس منتدى التعاون الصيني الأفريقي في عام 2000 لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين والبلدان الإفريقية في القطاعين: الحكومي والخاص. وتمخض هذا المنتدى عن عقد اجتماعين على المستوى الوزاري وأربعة اجتماعات على مستوى كبار المسؤولين، مما أسهم في النمو السريع للتجارة والاستثمار في السنوات الخمس الماضية.


وفي عام 1999، بلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين الصين وإفريقيا 5.6 مليار دولار. وبعد تأسيس منتدى التعاون الصيني الإفريقي، تضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا أكثر من خمس مرات حيث وصل إلى 29.5 مليار دولار في عام 2004. وفي نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2005، بلغ حجم التجارة بين الصين وإفريقيا في ذلك العام 32.2 مليار دولار، أي أكثر مما وصل إليه حجم التجارة الإجمالي لعام 2004 بكامله. وشهد حجم التجارة بين الولايات المتحدة وإفريقيا أيضاً زيادة كبيرة، حيث قفز من 26.9 مليار دولار في عام 1999 إلى 58.9 مليار دولار في عام 2004. وعموماً، فإن حجم التجارة الإفريقية مع الصين ينمو بمعدل أسرع: أكثر من 50 في المائة في المتوسط سنوياً منذ عام 2002.


وفي عام 2004، وصل حجم الاستثمار الصيني المباشر في إفريقيا إلى 135 مليون دولار، حيث انضمت 77 شركة صينية أخرى إلى ركب الشركات العاملة في المنطقة. وفي الاجتماع الرابع الذي عقده منتدى التعاون الصيني الإفريقي على مستوى كبار المسؤولين في شهر آب (أغسطس) 2005، والذي حضره مندوبون من 46 بلداً أفريقياً، ومراقبون من 6 منظمات إقليمية إفريقية، اقترحت الصين رفع مستوى الاجتماع الثالث المقرر عقده على مستوى الوزراء في عام 2006 إلى اجتماع قمة يحضره رؤساء الدول من الصين وإفريقيا، وقوبل الاقتراح بترحيب من جميع المشاركين.
-3-

وعرضت الصين أيضاً تقديم المساعدات لشركائها الأفارقة، وتراوحت المساعدة المقترحة من بناء البنى التحتية إلى معالجة الأمراض المعدية كالملاريا والإيدز. ومنذ ستينيات العقد الماضي، عمل ما يربو على 15.000 طبيب صيني في 47 دولة إفريقية، وقاموا بعلاج حوالي 180 مليون مريض. وتعمل الشركات الصينية حالياً في إنشاء الطرق والسكك الحديدية في كل من كينيا، ورواندا، ونيجيريا، ويتم تشييد شبكة للهاتف الجوال في تونس. وغالباً ما يتم التعاقد على هذه المشاريع مع شركات صينية بدلاً من الشركات المحلية، الأمر الذي لا يسهم إلا قليلاً في الاقتصاد المحلي من حيث تشغيل العمالة. وأطلق راديو الصين الدولي الذي تشرف عليه الدولة أول محطة إذاعية خارجية له في كينيا في شهر كانون الثاني (يناير) 2006، لتقديم 19 ساعة من البرامج اليومية لمليوني كيني، حيث يقدم لهم الأخبار الرئيسية عن الصين والعالم، بما فيها ما يتم من مبادلات بين الصين والبلدان الأفريقية.


وزيادة على ذلك، نشطت الصين في تشجيع البلدان الإفريقية على تبني النموذج الصيني للتنمية الاقتصادية الذي يقوم على نظام السوق المقيدة والموجهة من قبل حكومة شمولية أساسها نظام الحزب الواحد. ويبدو أن كثيراً من الأنظمة الاستبدادية الإفريقية التواقة إلى بث الروح في اقتصاداتها المتداعية والمحافظة على إحكام قبضتها الحديدية على السلطة السياسية، تفضل النموذج الصيني للتنمية والإصلاحات الاقتصادية على حرية السوق، وعلى سياسات الحكومات التمثيلية، (الممثلة لمختلف فئات الشعب) التي تروج لها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.


تعزيز النفوذ الدبلوماسي


إن الدعم الدبلوماسي الصيني للأنظمة الأفريقية المستبدة يمنحها شرعية دولية ونفوذاً في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية التي تساعد في الحد من أثر الضغوط التي تمارسها الديمقراطيات الغربية حول حقوق الإنسان، والانفتاح الاقتصادي، والحريات السياسية. وفي الوقت نفسه، تقوم بكين- إذا ما رأت أن ذلك يخدم المصالح الصينية- بدعم القادة الانقلابيين والمتمردين غير الديمقراطيين الذين يريدون الوصول إلى السلطة ويلحقون الضرر بالإصلاحات الاقتصادية التي شرعت فيها الديمقراطيات الفتية التي لم تنضج بعد. ويبدو أن هؤلاء الثوار يعتقدون أنهم إذا رغبوا في الإطاحة بحكومة شرعية، سوف تقوم الصين بدعم شرعيتهم الدولية في الأمم المتحدة، والمحافل الدولية الأخرى.


ومع تنامي قوة الصين ونفوذها، أصبحت بكين مهيأة أكثر لتحدي الولايات المتحدة، والدول الأوروبية وغيرها في الساحة الدولية، وذلك من أجل حماية مصالحها في القارة الإفريقية. ومع مرور الوقت، سوف تزداد حدة الخلافات بين الصين والدول الديمقراطية حول حقوق الإنسان، والحقوق السياسية، والمدنية الأساسية. فعلى سبيل المثال، أصدر مجلس الأمن الدولي في شهر أيلول (سبتمبر) 2004 القرار رقم 1564 الذي أدان عمليات القتل الجماعي للمدنيين في إقليم دارفور، ولكنه لم يتمكن من فرض عقوبات نفطية في حال لم تتخذ الخرطوم الإجراءات الكفيلة بوقف أعمال القتل. وامتنعت الصين عن التصويت على ذلك القرار وهددت باستخدام حق النقض (الفيتو) إذا اشتمل القرار على فرض العقوبات.


وفي شهر تموز (يوليو) 2005، قدمت بريطانيا، بدعم من الولايات المتحدة وسبعة بلدان أخرى، إيجازاً لمجلس الأمن الدولي حول عمليات هدم الأحياء الفقيرة التي قامت بها زمبابوي، وذلك في محاولة منها لتنظيم مناقشات رسمية للموضوع في الجمعية العامة، وربما الخروج بقرار يشتمل على فرض عقوبات ضد زمبابوي من قبل مجلس الأمن. وفي تلك الأثناء، قام روبرت موجابي، رئيس زمبابوي، بزيارة إلى بكين من أجل الحصول على مساعدات مالية لاقتصاده المتداعي. وبسبب دعم بكين القوي لموجابي، واعتراضها على أي إجراء يتخذه مجلس الأمن حول هذه المسألة، لم تتمكن الأمم المتحدة من التوصل إلى إجماع لإجراء مزيد من النقاشات الرسمية حول هذا الأمر.


ومن الأهداف المهمة الأخرى التي تسعى إليها الصين في إفريقيا هو عزل تايوان دبلوماسياً في محاولة للضغط على تايبيه من أجل الانضواء تحت راية الوطن الأم. وفي الوقت الحاضر، هناك سبع دول إفريقية تحتفظ بعلاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، وهذه الدول هي بوركينافاسو، وتشاد، وجامبيا، وملاوي، وساوتوم وبرينسيبي، والسنغال، وسوازيلاند.


ولم يكن الحد من نفوذ تايوان الدبلوماسي أولوية عليا في أجندة الصين السياسية في إفريقيا حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين ازدادت حدة المنافسة بين الصين وتايوان للحصول على اعتراف البلدان الأفريقية بهما. وبفضل المساعدات الاقتصادية الكبيرة التي تعرض الصين تقديمها، حصلت بكين على الاعتراف من ست دول إفريقية أخرى على حساب تايوان.


وقامت كل من ليسوتو والنيجر بتحويل اعترافهما الدبلوماسي إلى الصين في عامي 1994 و1996 على التوالي. وسحبت كل من جمهورية إفريقيا الوسطى، وغينيا بيساو، وجنوب إفريقيا اعترافها بتايوان، واعترفت بجمهورية الصين الشعبية في عام 1998، وفعلت ليبيريا الشيء نفسه في عام 2003 قبل أن ترسل الصين قوات جيش التحرير الشعبي للمساعدة في مشاريع إمدادات المياه في ليبيريا. وإضافة إلى جهودها المستمرة لتمزيق ما تبقى من علاقات لتايوان بإفريقيا، سعت الصين مراراً وتكراراً للحفاظ على دعم شركائها الأفارقة لسياسة "صين واحدة" التي تنتهجها. وذلك عبر الدعم الدبلوماسي، والاستثمار الاقتصادي، وغير ذلك من المساعدات.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة