جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
النفوذ الصيني في إفريقيا


الكاتب: بيتر بروكس، وجي هاي شين
-1-
وسط القلق المتنامي حول نفوذ جمهورية الصين الشعبية الآخذ في الانتشار بسرعة في أرجاء المعمورة، تتوجه أنظار بكين الآن إلى القارة الإفريقية.وهذا الاهتمام الصيني بإفريقيا ليس بالأمر الجديد.ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تركز اهتمام بكين على بناء جسور التضامن العقائدي مع البلدان النامية الأخرى لتعزيز الشيوعية الصينية، وعلى صد المد الاستعماري الغربي.وفي أعقاب الحرب الباردة، تطورت الاهتمامات الصينية إلى مساع ذات صيغة براجمائية كالتجارة، والاستثمار، والطاقة.وفي السنوات الأخيرة، أخذت بكين تنظر إلى القارة الإفريقية باعتبارها منطقة ذات أهمية اقتصادية واسترا تيجية كبيرة.وبدأت أمريكا تجد مع حلفائها وأصدقائها أن رؤيتها لقارة إفريقية مزدهرة تحكمها ديمقراطيات تحترم حقوق الإنسان، وحكم القانون، وتؤمن بحرية السوق، تواجه تحدياً عبر النفوذ الصيني المتزايد في إفريقيا.وتقوم جمهورية الصين الشعبية بمساعدة وتحريض الأنظمة الدكتاتورية القمعية والمعدمة في إفريقيا عبر إضفاء صفة الشرعية على سياساتها المضللة والثناء على نماذجها التنموية باعتبارها تناسب ظروفها الوطنية الخاصة.وتعرض بكين النموذج التنموي الصيني الفريد، والنمو الاقتصادي الكبير الذي تحققه تحت إشراف دولة شمولية منضبطة يحكمها حزب واحد، وتتمتع بكامل السلطة، إن لم نقل السيطرة، على جميع نواحي النشاط الاقتصادي- باعتباره مثالاً يجدر أن يحاكيه الآخرون.يضاف إلى ذلك أن الصين تكافئ أصدقاءها الأفارقة بالدعم السياسي والمساعدات الاقتصادية والعسكرية، الأمر الذي يفاقم من حالات النزوح القسري التي يتعرض لها السكان، ومن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في البلدان المضطربة كالسودان وزمبابوي.ونتيجة لذلك، فإن الدعم الصيني لأعمال القمع السياسي والاقتصادي في إفريقيا يقف في مواجهة النفوذ التحرري لشركاء إفريقيا التقليديين من الأوروبيين والأمريكيين.وتعكس الحملة القوية التي تشنها الصين لتطوير روابط وثيقة مع بعض البلدان الإفريقية سعي بكين على الصعيد العالمي لعزل تايوان دبلوماسياً (سبع من الدول ال 26 التي لها علاقات دبلوماسية كاملة مع تايوان هي دول إفريقية).إن الأثر الأكثر ضرراً للاهتمام الصيني المتجدد بإفريقيا هو أن الصين تضفي شرعية على الأنظمة القمعية في إفريقيا وتشجعها، الأمر الذي يزداد معه احتمال وجود دول ضعيفة وفاشلة.ويجب أن تتنبه أمريكا أيضاً إلى احتمال تشوش وصولها في المدى الطويل إلى مصادر المواد الخام والطاقة المهمة لأن الشركات الصينية "تغلق"هذه الموارد وتكرسها للسوق المحلية الصينية للمحافظة على النمو الاقتصادي للصين.وتكمن المصالح القومية للولايات المتحدة في التصدي لهذه التطورات بفعالية في القارة الإفريقية عبر تشجيع العمليات الديمقراطية، والحرية الاقتصادية، واحترام حقوق الإنسان في تلك القارة.

السعي وراء الموارد الطبيعية


طيلة العقد الماضي والاقتصاد الصيني يتوسع بمعدل نمو سنوي من خانتين عشريتين.ويتطلب هذا التوسع السريع موارد هائلة، وخاصة الطاقة.دفع الطلب المحلي الصيني الذي يتزايد بحدة على الطاقة، والذي يترافق مع هبوط الإنتاج المحلي من البترول وعدم كفاية ما تنتجه الصين من الفحم، دفع بكين إلى البحث عن مصادر خارجية مستقرة للمحروقات الهيدروكربونية.وأصبحت الصين في عام 2004 ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة.ومن المتوقع أن يزداد استهلاك الصين من النفط بنسبة 10 في المائة سنوياً، بينما يتوقع أن تزداد واردات الصين من النفط والغاز من 33 في المائة حالياً من احتياجاتها الإجمالية من النفط والغاز إلى 60 في المائة في عام 2020.ولا ينمو الإنتاج الآسيوي من النفط والغاز بالسرعة الكافية لتلبية الاحتياجات الصينية، علماً بأن جزءاً كبيراً من النفط والغاز اللذين ينتجهما الشرق الأوسط يخصص في العادة إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية.وفي محاولة منها للسيطرة على احتياجاتها الاستهلاكية من النفط والغاز في ظل ارتفاع أسعار الأسواق الفورية بشكل حاد، ركزت بكين على البلدان الإفريقية كأهداف محتملة للاستحواذ على الشركات المنتجة للمواد الهيدروكربونية فيها.وتشير التقديرات إلى أن 25 في المائة من واردات الصين الإجمالية من النفط يأتي حالياً في إفريقيا، مما حدا بالصين إلى أن تضع في أعلى سلم أولوياتها الاحتفاظ بعلاقات قوية مع موردي الطاقة الإفريقيين لها، وذلك عير الاستثمار، والزيارات التي يقوم بها كبار المسؤولين، والالتزام بسياسة "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" لتلك البلدان، الأمر الذي يشعر معه الحكام الدكتاتوريون في إفريقيا بالراحة.استثمرت الشركات التابعة للحكومة الصينية مليارات الدولارات في العملات الأجنبية واستخدمت الموارد الهندسية والإنشائية الصينية للبنى التحتية الخاصة بتطوير موارد النفط والغاز والمعادن وغيرها من المصادر الطبيعية في عشرات البلدان الإفريقية، ومن بينها الجزائر، وانجولا، والجابون، ونيجيريا، والسودان، وزمبابوي.والهدف الواضح للاستثمارات الصينية الجديدة في الطاقة الإفريقية، هو تكملة وارداتها النفطية من الشرق الأوسط.


* حظي السودان الذي يمد الصين بنسبة 7 في المائة من وارداتها الإجمالية من النفط بالقدر الأكبر من الاستثمارات الصينية. وتعتبر الشركة الوطنية الصينية للبترول أكبر مساهم منفرد في شركة النيل الكبرى للبترول التي تسيطر على حقول النفط في السودان، كما استثمرت 3 مليارات دولار في إنشاء مصافي النفط وخطوط الأنابيب في السودان منذ عام 1999.

* في شهر آذار (مارس) 2004، قدمت بكين قرضاً قيمته مليارا دولار إلى أنجولا مقابل إبرام عقد معها لإمدادها بـ برميل100.000 من النفط الخام يومياً. وبموجب العقد، سوف يعاد استثمار القرض في أعمال البنية التحتية، على أن تذهب نسبة 70 في المائة من قيمة القرض إلى الشركات الصينية، ونسبة ال 30 في المائة المتبقية إلى مقاولي الباطن المحليين.

* في شهر تموز (يوليو) 2005، أبرمت شركة بتروتشاينا صفقة قيمتها 800 مليون دولار مع شركة النفط الوطنية النيجيرية لشراء 30.000 برميل من النفط يومياً على مدار عام واحد.

* في شهر كانون الثاني (يناير) 2006، وبعد أن فشلت شركة China National Offshore Oil في الاستحواذ على شركة يونوكول ذات الملكية الأمريكية، قامت بشراء حصة 45 في المائة في حقل النفط والغاز البحري في نيجيريا بمبلغ 2.27 مليار دولار، ووعدت باستثمار 2.25 مليار دولار أخرى في تطوير الحقل.

* شهدت صناعة النفط المتداعية في الجابون أيضاً استثماراً كبيراً من الشركة الصينية للبتروكيماويات التي تخطط للتنقيب عن احتياطيات الجابون البرية والبحرية من النفط.

* تظل جنوب إفريقيا وزمبابوي مصدرين للبلاتين وخام الحديد بالنسبة لبكين.


* في عام 2004، كانت هناك أكثر من عشر زيارات متبادلة قام بها كبار المسؤولين الحزبيين والحكوميين بين الصين والبلدان الإفريقية. وتمحور معظم تلك الزيارات حول التعاون الاقتصادي وفي مجال الطاقة. فعلى سبيل المثال:

* في شهر شباط (فبراير) 2004، قام الرئيس الصيني هو جنتاو بزيارات إلى الجزائر، والجابون، ونيجيريا، أكبر البلدان المنتجة للنفط في إفريقيا، وذلك لضمان أمن الإمدادات النفطية.

* في شهر حزيران (يونيو)، قام نائب الرئيس الصيني زينغ كينغ هونغ بزيارات إلى تونس، وتوغو، وبنين، وجنوب إفريقيا التي تتوفر فيها احتياطيات كبيرة من المعادن.

* في الفترة من تشرين الأول- تشرين الثاني (أكتوبر- نوفمبر) من عام 2004، قام رئيس المؤتمر الشعبي الصيني وو بانجوو بزيارة كل من كينيا، وزمبابوي، وزامبيا، ونيجيريا.

ركزت جميع هذه الزيارات على الفرص المشتركة لاستكشاف النفط والمعادن والمواد المتجددة في المنطقة. ورداً على تلك الزيارات، قام كبار الزعماء في كل من كينيا، وليبيريا، وجنوب إفريقيا وزمبابوي بزيارة بكين، وحصلوا على مزيد من الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية من الصين. وفي شهر كانون الثاني (يناير)، قام وزير الخارجية الصيني، لي زهاوزينغ برحلة زار خلالها ستة من بلدان غرب إفريقيا هي الرأس الأخضر، والسنغال، ومالي، وليبيريا، ونيجيريا وليبيا، وترافقت الزيارة مع صدور بيان “السياسة الإفريقية للصين” وهو كتاب صادر عن الحكومة الصينية يهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي، وكذلك إلى مشاريع التطوير المشتركة للطاقة دون تدخل أي بلد في الشؤون الداخلية للبلد الآخر.


وكثفت الحكومة الصينية جهودها من أجل تأمين الوصول الحصري إلى الموارد الطبيعية الإفريقية، وصحب ذلك حملة قوية للفوز بحظوة الحكام الطغاة والمستبدين في إفريقيا. فعلى سبيل المثال، لطالما حرضت حكومة السودان على أعمال الإبادة الجماعية وقامت بارتكابها ضد قسم كبير من أهالي إقليم دارفور غير المسلمين. وبينما تسعى كل من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان وغيرها من الديمقراطيات الغربية إلى فرض عقوبات على النظام السوداني الحاكم بسبب تلك المذابح، تعارض الصين قيام الأمم المتحدة بفرض العقوبات على الخرطوم.


وعبر السنوات العديدة الماضية، أجبرت حكومة الخرطوم مئات الآلاف من السكان على الهروب من منازلهم في منطقة حقول النفط الكبيرة في الجنوب والمملوكة للشركة الصينية الوطنية للبترول. وفي الحقيقة، استخدمت قوات الحكومة السودانية والميليشيات المتحالفة معها طائرات هيليكوبتر صينية الصنع متمركزة في مهابط الطائرات التابعة للشركات الصينية، وذلك في غاراتها التي تسببت في تدمير مئات البلدان والقرى الواقعة حول المنشآت النفطية.


وتشكل الملاحظات التي أدلى بها نائب وزير الخارجية الصيني، زهو وينجونغ في مقابلة أجريت معه مؤخراً برهاناً على عدم اهتمام الصين بالتقلبات السياسية في إفريقيا:


العمل عمل.إننا نحاول فصل السياسة عن العمل.


وثانياً، أعتقد أن الوضع الداخلي في السودان هو شأن داخلي، ولسنا على استعداد لاستغلالهم.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة