جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
كونفوشيوس:كتاب الاعتدال-2

قال جوني(كونفوشيوس) : العاقل يلزم حد الاعتدال وذو الجهالة يتناءي عنه، فالعاقل يهتدي بما قد تحقق (في طبعه المعهود ) من طلب أوسط المسالك وأنسب الغايات ، وما كان الجاهل ليصد عن الاعتدال إلا بما اقترف من البطش والتغافل وقلة الاحتراز .

3
قال كونفوشيوس : قد بلغ الاعتدال من البهاء مبلغا،عزت به جنباته ،وارتفعت به فوق سامق المجد عروشه ، حتي صارالنفر القليل من الناس هم فقط الذين يخلصون لمبادئه ويثابرون علي الاسترشاد بمنهاجه .

4
قال كونفوشيوس: لئن شق المسير علي طريق الاعتدال ، فلأن الأذكياء النابهين يتجاوزون فيه المدي ، في حين ينكص الحمقي عند بلوغ غاية الشوط . ولئن تحول عنه جل السائرين ، فلأن الحكماء قد سبقوا به كل الخطي ، ولما يزل الجهلاء في بدء الارتحال إليه . ليس في البشر إلا من قد طعم الطعام ، وشرب الشراب ، لكن قليلين جدا أولئك الذين ساغت لهم النكهة وطاب لهم المذاق .

5
قال كونفوشيوس : لاأجد لمذهب الاعتدال بين الناس أتباعا ، ولاأتوقع أن يجد هذا المذهب نصيبا من الذيوع والانتشار .

6
قال كونفوشيوس : ألم يكن الإمبرطور الأعظم شون فطنا ذكيا ؟ .. بلي قد كان ، وبرغم هذا فقد اشتهر بأنه كثيرا ما ) كان مولعا بالاستفهام والسؤال عما كان يعٌن له من أشياء ، ولم يكتف بأن يتلقي الإجابات بل كان يمحص ويدقق ويستوثق ،حتي في أبسط ما يتفوه به عثرة المخطئ أو يثني به علي مروءة الماجد . وعندما اجتمع في قبضته أقصي طرفي الخير والشر ، نبذهما كلاهما ، واختار الحد الأوسط ، والمأخذ الأوفق وسيلة لتحقيق النفع للناس والنهوض بما فيه مصلحتهم : فمن ثم كان جديرا بما حفظه له التاريخ من مجد باق علي طول الزمان

7
قال كونفوشيوس : الجميع يزعمون بأنهم نابهون أذكياء ، ومع ذلك تجد من يقودهم (بأيديهم !) للوقوع في شراك ماكرة، لايستطيعون تفاديها، ولا التبصر بمكامن أغوارها ، الكل يرددون أنهم فاهمون ونجباء ، وبرغم ذلك فإنهم لايكادون يثابرون علي المضي قدما في طريق الاعتدال شهرا واحدا ،حتي بعد أن تتبين أمامهم ملامح الطريق ويشاهدون بأعينهم أوضح معالمه .

8
قال كونفوشيوس : كان يا تهوي أحد الأتباع من ذلك الصنف من الناس الذي إذا رسخت خطاه علي طريق الاعتدال ، وثق قلبه بعهد المسير وتوطدت في نفسه مشاهد اليقين ، فحفظ الإيمان به مثل خصلة كريمة أو طبع راسخ في جوهر الصفات لايضيع ولايتبدل .

9
قال كونفوشيوس : قد تنصاع الممالك للحكم العادل ، ويعم النظام ربوع الدويلات والأقاليم ، وقد تعف النفوس النبيلة عن قبول المنح والأوسمة والترقيات ويتواضع الأكفاء ويشيح الفضلاء بأنظارهم عما يبسط لهم من موائد التكريم ، وربما يقتحم الشجعان أبواب الردي ويطأ البواسل أسنة الرماح في مشاهد من الشجاعة النادرة ، لكن هيهات أن تقوم شواهد الاعتدال .

10
أقبل زيلو علي كونفوشيوس ، وسأله عن معني القوة ، فأجابه : أي قوة تقصد ومن أية ناحية : أهي القوة الجنوبية أم الشمالية .

أو القوة التي تضبط بها نفسك وتزكي بها إرادتك ؟ (علي أية حال فاعلم أن..) رجاحة العقل والحلم ، والهداية بالحسني ، والصبر علي من أساء إليك :كل ذلك من سمات القوة الجنوبية : فالعاقل من وطن نفسه علي الأخذ بمفهوم تلك القوة ، فإذا اخترت لنفسك أن ترقد علي فراش من درع وسيف ووسائد من رماح ونصال مشرعة ، فتبيت بعتاد المقاتل وتموت ، إذا مت غير آسف ولانادم علي شيء : فتلك هي القوة الشمالية ، وهي ما يبتغيه كل قوي جريء غير هياب ، فمن ثم كان الماجد الفاضل ،لين الجانب في غير ضعف ، متسامحا دون خوف .

وما أنبل القوة حين يكون التوسط بغير ميل،والاعتدال دون شطط ،وما أكرمه من عزم حين يكون هذا العزم سندا للحق والأحوال رخاء ، ما أبقاها من صلابة عندما تثبت إرادتك وتصمد في وجه الموت نفسه ، حينما تعم الفوضي وتضل الأهواء ، وتختلط الجهات ويفقد الطريق الاتجاه ، فتتفرق السبل في كل طريق .

11
قال كونفوشيوس : إن التفقه في الأمور الباطنية (.. السحر ، التنجيم ، ..) والإتيان بالغرائب والخوارق صنع العجائب ، يمكن أن يلقي الانبهار والإعجاب في قادم الأيام ،عند أجيال المستقبل لكنني لن أشغل نفسي بشيء من ذلك .

إن العاقل من سار علي هدي الطريق ، والتزام جادة الصواب (..وسأضع هذا الأمر نصب عيني) فلن ألتفت إلي من يتوقفون أو يتراجعون في منتصف الرحلة ، ولن أتوقف ،بل سأكمل وأواصل المسير .
إن الفاضل من راض نفسه علي نهج الاعتدال فقبع في بيته ، اعتزل الدنيا فلم يصب مغنما ولاجاها ، وهذه درجة لايبلغها إلا القديسون .

12
طريق العاقل واضح المسالك ،واصل إلي المنتهي ،لكنه وبرغم ما اكتنف جنباته من أسرار ، لاتخفي أدق دروبه عن كل السائرين من رجال ونساء (من العامة ) إلا موضعا ، شريف الخطي ، لايهتدي إليه سوي القديسين الحكماء .
2
يستطيع كل الناس الاهتداء إلي طريق العارفين الحكماء ، دون أن يكون لهم نصيب من الحكمة ، أما المرتقي الأشرف من الطريق ،فتدق أسراره وتخفي منعرجاته حتي عن أفطن العلماء والقديسين .
قد اتسعت أقطار السماء ورحبت مواطئ الأرض ، ومازال بين الناس الطامع والمنهوم (ومن ثم ..) فإذا وصف الفاضل الحكيم شيئا ما بأنه عظيم ،فلابد أن يكون قد بلغ درجة لاتحدها حدود ، في الأرض أو في السماء ، وكذلك إذا قال عن شئ بأنه ضئيل فربما كان الشئ قد تناهي ضآلة فما عاد له منظر مرئي ،أو حيز معلوم . وقد جاء في كتاب الشعر القديم ، ما نصه :

(تأبي النسور إلا أن تحلق عليا،
والفضاء مشهد معراج سماوي أعلي ،
(بينما تتسابق الأسماك)،
إلي أعماق سحيقة ،
والبحر عالم مديد الأرجاء ..
.. بغير قاع ..)

والمعني هنا يشير ، بالرمز ، إلي ما يتسم به طريق الحكيم العاقل من جلال ووضوح مع رحابة وبساطة ، بما يشبه شموخ البزاة ، وهي ترتقي أجواز الفضاء علي مرأي من كل عين ناظرة : فكأن طريق الحكماء يبدأ ، في أولي خطواته ، سهلا بسيطا يدركه السائر عند موطئ قدميه ، ثم يتدرج في معارج الرقي حتي يبلغ عنان السماء .

(هذا هو الباب الثاني عشر ، هو من وضع زيس أحد رواد الكونفوشية .. وفي هذا الباب ، فهو يحاول أن يوضح معني ما ورد في الباب الأول بخصوص الالتزام بأسس المنهج الأصلي ، خاصة ما يتعلق فيه بوجوب التقيد بالمبادئ الصحيحة ، حيث ينصح السائر بضرورة اتباع جادة الصواب ، مستندا ، في ذلك ، إلي شواهد وبراهين مما قال كونفوشيوس بنفسه في هذا المضار) .

13
قال كونفوشيوس : إن طريق الاعتدال لايقصي أحدا عن مساره ، فإذا أضل الطريق طالب المنهاج القويم ، حاد به الدرب ، فلم يكن ذاك هو الطريق ، وقد ورد في كتاب الشعر القديم ،ما نصه :
(اقطع الأعواد الجافة
وانحت من الحطب مقابض للفؤوس ،
ضع في كل مقبض فأسا صغيرة ،
وتأمل الطريقة ،
فليس هناك سوي طريقة واحدة ،
لعمل آلاف المعاول .)

لكن، جرب أن تأخذ فأسا، لتقطع أعواد الحطب ، التي تصنع منها مقابض للفؤوس، وانظر بعين فاحصة، تجد الطرائق شتي ، والفروق بغير حصر (.. ولنتدبر مليا ، وبالمنطق نفسه ، مهمة الحكيم ورسالته التي تنحصر في ..) تطبيق المبادئ الإنسانية التي تنطوي عليها مفاهيم طريق الاعتدال في تدبر شئون الناس وإصلاح أحوالهم : حتي إذا ما اعتدل ميلهم ، تمت مهمته واختتمت كلمته . مع مراعاة أن الإخلاص والتسامح يندرجان في قائمة المبادئ وثيقة الصلة برسالة الاعتدال : ومن ثم،فلا ينبغي أن نفرض قسرا علي الآخرين ، مالانحب أن يجبرونا عليه ( .. وفي هذا الصدد ..) فإن هناك أربع علامات علي طريق الاعتدال ينبغي للعاقل أن يتدبرها ،ويواظب علي التخلق بها ، ولاأزعم أني استطعت تحقيق هذا المبدأ علي الوجه الأكمل الذي يتطلب : أن يعامل المرء أباه بمثل ما يود أن يعامله به ولده ، وأن يعامل رجل الدولة المتنفذ جلالة الحاكم بمثل مايريد أن يعامله به الوزراء والمساعدون ، وأن يعامل الرجل أخاه الأكبر بمثل ما يتمني أن يعامله به أخوه الأصغر وأن يعامل المرء أصدقاءه بمثل ما يرجو أن يعاملوه به.
إن المبادئ الطيبة، مهما كانت عادية وبسيطة، فيجب أن تكون موضع تطبيق،

أما الكلمات، فمهما كانت مألوفة فينبغي أن تخضع للتأمل والمراجعة(ومع ذلك..) فإنني لم أستطع أن أفي هذه المبادئ حقها: فلذلك أسعي جاهدا لتعويض ما فاتني منها. وحتي إذا كان في مقدوري أن أرأب الصٌدع وأسد الثغرات ،فلا أظنني أستطيع تبيان دلالة تلك الكلمات وصولا إلي غاية القصد وتمام المعني .
( وهكذا ..) فالكلمات مرهونة بالأعمال ، مثلما إن العمل مشروط بما يبين من معاني الكلمات ، فكيف للعاقل (.. والأمر علي هذا النحو ..) أن يحيد عن الصدق والإخلاص !

14
إن العاقل الحكيم يقوم بأعباء مسئولياته في نطاق الوقت والمكانة والمناخ المتاح له ، وعليه أن يرد نفسه عن الانشغال بما يقع خارج ذلك المجال ، فإن كان غنيا ذا ثروة وجاه أو أي مطمح آخر ، فليفعل ما ينبغي للغني أن يفعله ، وإن كان معدما ذا فقر وفاقة ، فليتصرف حسب ما ينبغي للفقير ، في هذا النطاق . وإن كان مقيما في حيز وقته وظروفه وإمكاناته وسط قبائل همجية ، فليعمل ما ينبغي علي المقيم وسط أولئك أن يعمله ، فإذا أحدقت به المتاعب ومنغصات العيش ، فلينظر فيما يتوجب علي من أحدقت به البلايا أن يفعله .

وأيا ما كان الحال التي يمر بها الماجد الكريم ، فلا ينبغي أن يكون هناك ما يعوقه عن أن يتصرف في هدوء وبساطة دون تكلف : فإذا كان وجيها فلا يحتقرن من هم دونه ، وإن كان وضيعا فلا يتمسحن بأذيال القدرالشريف،وليصلح المرء من شأن نفسه دون إلقاء التبعة علي الآخرين:وحينئذ،تنمحي من النفوس أسباب الاستنكار والشكوي . ولايعود ثمة مرموقون يشتكون أقدار السماء ، ولا مغمورون ينددون بظلم البشر .

فمن ثم ينعم العاقل بوقته هانئا يتأمل صفحة أقداره ، بينما يخوض الأحمق في مسارب الغفلة والخطر، ويمني النفس ( .. برغم ذلك ) بكل السعادة والخير والحظ الطيب . قال كونفوشيوس : إن أخلاق السادة المهذبين أشبه ما تكون بآداب الرماية : ذلك إنه ما طاش السهم عن قلب المرمي ، وعاد الرامي يراجع نفسه ويصحح وجهته ليصوب من جديد .

15
السالك في طريق الاعتدال ، كالمسافر في رحلة بعيدة ، حيث لاينبغي له أن يبدأ الترحال إلا عند أقرب نقطة من الطريق (.. وإن السائر في طريق الاعتدال ) كالمتسلق جبلا عاليا، فلا ينبغي له أن يشرع في الصعود،إلا عند أسفل موطئ قدم،

وقد جاء في كتاب الشعر القديم ، ما نصه :
(ترفرف السعادة فوق أفراد عائلة متحابة ،
كصوت أوتار متآلفة ،
أو رنة عيدان متناغمة،ماأسعد إخوة متآزرين ،
قلوبهم عامرة
وأرواحهم صافية ،
ما أجمل أن تكون لك أسرة هانئة .
وشمل عائلة موصولة بالسعادة .)
قال كونفوشيوس : (مستطردا) بهذا ، يتحقق رجاء كل أب وأم .

16
قال كونفوشيوس:ما أعظم عالم الروح، وما أدق طلاسمه واحتجاب أسراره:فلا هو شكل يبصره البصر،ولاصوت تدركه الأسماع (فهو عالم الروح الذي ) خلق المخلوقات كافة،وأنشأ كل حي ،فلم يغفل عن أحد ولاأهمل شيئا، قد أوجب علي البشر طهارة القلب من الإثم بالموعظة ، وإمساك الفم عن الطعام بالصوم ، وارتداء أجمل الثياب لأداء الشعائر وإقامة أزكي وأبهي الطقوس والمراسم ( .. حتي شملت الروح دنيا البشر من كل صوب ، فكانت ..) تحيط بهم من فوقهم وعن شمالهم ويمينهم . وقد ورد في كتاب الشعر القديم مانصه :
(ما من أحد يحيط علما بموطئ الروح ،
ûومع ذلك فهل هناك حقا ..
من يملك أن يتجاهل قدرها ؟ )

وهكذا ، فلا يمكن إسدال حجاب الغفلة فوق معدن الإخلاص . بعد إذ خرجت مادة وجوده من خفاء الغيب إلي ساطع المشهد المبين .

17
قال كونفوشيوس : ما أكرم أخلاق الملك الحكيم شون وما أعظم سجاياه : فلا غرو أن يضرب به المثل في الوفاء والإخلاص ، قد كان ملكا وقديسا : ففاز ببهاء الملك وأنوار الحكمة، ملأت خزائن أمواله ما بين البحور الأربعة (.. من أقصي الأرض إلي أقصاها ) وغمرت قرابينه كل المعابد ، وصار ذلك دأبه ، حتي جاء أولاده وأحفاده علي شاكلته : فأكملوا مسيرته وحافظوا علي أمجاده ، فخلد ذكره علي مر السنين : فمن ثم كان لزاما أن يتبوأ الماجد الأكرم مكانة رفيعة ، وأن تكون له العزة والجاه والمال الوفير ، وكان حتما أن يصيب شهرة ذائعة ، باقية علي مر الأجيال .

ولذلك ، كانت السماء عندما أنبتت الأشجار والأوراق والزهور قد حفظت للأشياء طبائعها وعلمتها أسرار العناية والبقاء ، فنبت من الغرس ما شب ونما : وسقط من ذابل الأوراق ما جف ونثرته الرياح ، ونجد شيئا من ذلك المعني في كتاب الشعر القديم ، وحيث ترد هذه الأبيات :
(ما أنبل السيد الماجد ،
وما أكرم سجاياه :
إذ بسط فوق الجميع رداء الوئام والسعادة ،
فورث ميراث العزة ،
وحفظته السماء ،
ومدت فوقه أياديها ،
وجعلت له المكانة العالية ، تبجيلا له وتقديرا ،
وبصرته بأقدار ، موعظة ونذيرا .)

فلذلك، كان محتما أن تؤازر السماء كل كريم ذي خلق عظيم .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة