جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
كونفوشيوس: كتاب الاعتدال-1

ما حازت الطبيعة اسما إلا بما أفاضت عليها السماء من أسماء، وما صار الطريق طريقا ، إلا لأنه حذا حذو الطبيعة .

وليس طلب العلم إلا السعي علي هدي الطريق، واستقصاء أسراره.

ليس للسائر أن يزل عن جادة الطريق طرفة عين : فمن حاد به الدرب ، وزاغت منه الخطوات ، فلا طريقا مشي ، ولامشي به الطريق :فمن ثم وجب علي العاقل أن يلزم الحذر ،حتي لو تواري عن عين الرقباء . وليتجنب الهفوات (يعصم لسانه من الزلل ) ، حتي إذا تناءي عنه السامع ، وصمت دونه الآذان .

لا تتسلط الأضواء إلا علي أحلك المكامن ، ولايتعرى تحت شعاع النور إلا أشد البقاع ظلاما .

ليس أظهر للعين من كمين منصوب في الخفاء ، ولايتجلي لنظر الرقيب سوي ما تواري بدهاء في الزوايا والأركان . ولذلك : فينبغي للعاقل ذي الكياسة أن يتبصر الأمور ، ويلزم جانب الحذر حتي وهو في كنف العزلة ، منفردا بنفسه عن الدنيا كلها من حوله .

عندما تتواري ، طي الجوانح بهجة الفرح ، وسورة الغضب ، ومرارة الألم ، ولذة السرور ، فذاك هو حال الاعتدال : وإذا تبدت أمارات تلك الأحوال علي نحو ملائم ومعقول . فذلك هو ما يطلق عليه المواءمة : فالاعتدال هو أصل كل الموجودات(.. التي تحت السماء) والمواءمة هي المبدأ النافذ في أنحاء الكون كله، وحينما تبلغ الأمور جميعا حد الاعتدال والاتفاق ، وينبسط بساط الأرض وتسمو أقطار السماء ،(..تلزم الأرض موضعها والسماء قباءها ) ويفيض الوجود علي الكائنات حياة ونماء وفيرا .
(ذلك هو الباب الأول ، وقد ذكر فيه زيس أحد رواد الكونفوشية بعض أقوال وآراء كونفوشيوس ، علي سبيل الاستدلال بالحجة والبرهان ، زاعما أن للطريق صفات سماوية ، أولية لاتتبدل ، وأن جوهرمعناه قائم في نفوس الناس مرتبط بها أشد الارتباط ،ثم يتطرق من هذه النقطة إلي مسألة تهذيب النفس وترويض الذات وصولا إلي تبيان حدود الرياضة الذاتية المقدسة التي تهدف إلي محاسبة الذات بغرض التعرف علي اتجاهات الطريق الصحيحة والكامنة في دفائن النفس ، وكشفا وتمكينا لما هو فطري وأصيل من التحقق والتبدي ونبذا لكل مكتسب أو زائف أو مشحون بالغواية والتضليل . فهذا الباب علي حد تعبير السيد يانغ هو المبدأ الأساسي الذي يلخص الأفكار الأساسية التي ستدور حولها الأبواب العشرة التالية ، والتي تمثل ، في الحقيقة استطرادا من المؤلف زيس في التعليق والشرح والتوضيح .

2
قال جوني(كونفوشيوس) : العاقل يلزم حد الاعتدال وذو الجهالة يتناءي عنه، فالعاقل يهتدي بما قد تحقق (في طبعه المعهود ) من طلب أوسط المسالك وأنسب الغايات ، وما كان الجاهل ليصد عن الاعتدال إلا بما اقترف من البطش والتغافل وقلة الاحتراز .

3
قال كونفوشيوس : قد بلغ الاعتدال من البهاء مبلغا،عزت به جنباته ،وارتفعت به فوق سامق المجد عروشه ، حتي صارالنفر القليل من الناس هم فقط الذين يخلصون لمبادئه ويثابرون علي الاسترشاد بمنهاجه .

4
قال كونفوشيوس: لئن شق المسير علي طريق الاعتدال ، فلأن الأذكياء النابهين يتجاوزون فيه المدي ، في حين ينكص الحمقي عند بلوغ غاية الشوط . ولئن تحول عنه جل السائرين ، فلأن الحكماء قد سبقوا به كل الخطي ، ولما يزل الجهلاء في بدء الارتحال إليه . ليس في البشر إلا من قد طعم الطعام ، وشرب الشراب ، لكن قليلين جدا أولئك الذين ساغت لهم النكهة وطاب لهم المذاق .

5
قال كونفوشيوس : لاأجد لمذهب الاعتدال بين الناس أتباعا ، ولاأتوقع أن يجد هذا المذهب نصيبا من الذيوع والانتشار .

6
قال كونفوشيوس : ألم يكن الإمبرطور الأعظم شون فطنا ذكيا ؟ .. بلي قد كان ، وبرغم هذا فقد اشتهر بأنه كثيرا ما ) كان مولعا بالاستفهام والسؤال عما كان يعٌن له من أشياء ، ولم يكتف بأن يتلقي الإجابات بل كان يمحص ويدقق ويستوثق ،حتي في أبسط ما يتفوه به عثرة المخطئ أو يثني به علي مروءة الماجد . وعندما اجتمع في قبضته أقصي طرفي الخير والشر ، نبذهما كلاهما ، واختار الحد الأوسط ، والمأخذ الأوفق وسيلة لتحقيق النفع للناس والنهوض بما فيه مصلحتهم : فمن ثم كان جديرا بما حفظه له التاريخ من مجد باق علي طول الزمان

7
قال كونفوشيوس : الجميع يزعمون بأنهم نابهون أذكياء ، ومع ذلك تجد من يقودهم (بأيديهم !) للوقوع في شراك ماكرة، لايستطيعون تفاديها، ولا التبصر بمكامن أغوارها ، الكل يرددون أنهم فاهمون ونجباء ، وبرغم ذلك فإنهم لايكادون يثابرون علي المضي قدما في طريق الاعتدال شهرا واحدا ،حتي بعد أن تتبين أمامهم ملامح الطريق ويشاهدون بأعينهم أوضح معالمه .

8
قال كونفوشيوس : كان يا تهوي أحد الأتباع من ذلك الصنف من الناس الذي إذا رسخت خطاه علي طريق الاعتدال ، وثق قلبه بعهد المسير وتوطدت في نفسه مشاهد اليقين ، فحفظ الإيمان به مثل خصلة كريمة أو طبع راسخ في جوهر الصفات لايضيع ولايتبدل .

9
قال كونفوشيوس : قد تنصاع الممالك للحكم العادل ، ويعم النظام ربوع الدويلات والأقاليم ، وقد تعف النفوس النبيلة عن قبول المنح والأوسمة والترقيات ويتواضع الأكفاء ويشيح الفضلاء بأنظارهم عما يبسط لهم من موائد التكريم ، وربما يقتحم الشجعان أبواب الردي ويطأ البواسل أسنة الرماح في مشاهد من الشجاعة النادرة ، لكن هيهات أن تقوم شواهد الاعتدال .

10
أقبل زيلو علي كونفوشيوس ، وسأله عن معني القوة ، فأجابه : أي قوة تقصد ومن أية ناحية : أهي القوة الجنوبية أم الشمالية .

أو القوة التي تضبط بها نفسك وتزكي بها إرادتك ؟ (علي أية حال فاعلم أن..) رجاحة العقل والحلم ، والهداية بالحسني ، والصبر علي من أساء إليك :كل ذلك من سمات القوة الجنوبية : فالعاقل من وطن نفسه علي الأخذ بمفهوم تلك القوة ، فإذا اخترت لنفسك أن ترقد علي فراش من درع وسيف ووسائد من رماح ونصال مشرعة ، فتبيت بعتاد المقاتل وتموت ، إذا مت غير آسف ولانادم علي شيء : فتلك هي القوة الشمالية ، وهي ما يبتغيه كل قوي جريء غير هياب ، فمن ثم كان الماجد الفاضل ،لين الجانب في غير ضعف ، متسامحا دون خوف .

وما أنبل القوة حين يكون التوسط بغير ميل،والاعتدال دون شطط ،وما أكرمه من عزم حين يكون هذا العزم سندا للحق والأحوال رخاء ، ما أبقاها من صلابة عندما تثبت إرادتك وتصمد في وجه الموت نفسه ، حينما تعم الفوضي وتضل الأهواء ، وتختلط الجهات ويفقد الطريق الاتجاه ، فتتفرق السبل في كل طريق .

11
قال كونفوشيوس : إن التفقه في الأمور الباطنية (.. السحر ، التنجيم ، ..) والإتيان بالغرائب والخوارق صنع العجائب ، يمكن أن يلقي الانبهار والإعجاب في قادم الأيام ،عند أجيال المستقبل لكنني لن أشغل نفسي بشيء من ذلك .

إن العاقل من سار علي هدي الطريق ، والتزام جادة الصواب (..وسأضع هذا الأمر نصب عيني) فلن ألتفت إلي من يتوقفون أو يتراجعون في منتصف الرحلة ، ولن أتوقف ،بل سأكمل وأواصل المسير .
إن الفاضل من راض نفسه علي نهج الاعتدال فقبع في بيته ، اعتزل الدنيا فلم يصب مغنما ولاجاها ، وهذه درجة لايبلغها إلا القديسون .

12
طريق العاقل واضح المسالك ،واصل إلي المنتهي ،لكنه وبرغم ما اكتنف جنباته من أسرار ، لاتخفي أدق دروبه عن كل السائرين من رجال ونساء (من العامة ) إلا موضعا ، شريف الخطي ، لايهتدي إليه سوي القديسين الحكماء .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة