جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
كتاب: التحالف الأوروبي الإسرائيلي

المؤلف: ديفيد كرونين

-1-

يقدم الاتحاد الأوروبي نفسه في العديد من التصريحات على أنه الوسيط الأمين والمخلص في الشرق الأوسط. وفي الحقيقة تسهم حكومات الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في دعم الاحتلال الإسرائيلي في التوغل أكثر في الأقاليم الفلسطينية، وارتكاب أفعال شنعاء بحق الفلسطينيين.

نجد هنا الصحافي الإيرلندي ديفيد كرونين المتخصص في السياسة الأوروبية في كتابه "التحالف الأوروبي الإسرائيلي: دعم الاحتلال"، يسأل عن هذه العلاقة المشبوهة ونتائجها، حيث يرى أنه في الآونة الأخيرة حدث الكثير من التعاون المثمر والمؤثر والكثيف بين "إسرائيل" والاتحاد الأوروبي، وكل هذا التعاون يعني أن "إسرائيل" تعد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على جميع الصعد، ما عدا انتماءها الاسمي فقط. ويشجب كرونين هذه العلاقة التي لا تدعو "إسرائيل" إلى التحلي بضبط النفس وعدم اللجوء إلى سياستها العدوانية بحق الفلسطينيين، بل يرى أن دول الاتحاد الأوروبي تشرعن بعض الأفعال مثل حصار غزة ومعاملة السجناء بشكل قاس.

ديفيد كرونين في كتابه هذا يكشف الكثير عن هذه العلاقات "الإسرائيلية" الأوروبية بشكل مفصّل ودقيق وواقعي، ويدعو إلى استمرار وتعميق النشاط والاحتجاج الدولي لوقف هذا التواطؤ من الجانب الأوروبي تجاه ما تقوم به "إسرائيل" من انتهاكات لا تقبلها القوانين الدولية.


يتحدث كرونين في المقدمة عن الخلاف الدبلوماسي الذي حدث بين السويد و"إسرائيل"، على إثر نشر إحدى الصحف السويدية "أفتونبلاديت" في 2009 تقريراً عن التجارة المحظورة للأعضاء البشرية في "إسرائيل"، وركز التقرير على قضيتين، الأولى هي أن رجلاً من نيويورك واجه اتهامات بترتيب بيع كلية من متبرع في "إسرائيل"، والقضية الثانية والأخطر كانت تشير إلى أن الجنود "الإسرائيليين" قاموا باستئصال بعض الأعضاء البشرية من جثث الشبان الفلسطينيين، والاستفادة منها في المجالات الطبية، ويشير إلى أنه رغم التراصف الأخرق وغير الملائم للقضيتين، لكن تستحق الصحيفة بعض التقدير لأنها سلطت الضوء على قضية، ظلت الدول الغربية تتجاهلها فترة طويلة.

كما يشير إلى ما قالته العائلات الفلسطينية في سنوات الانتفاضة وترجمنا منها التالي: "خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية بين عامي 1987 و1993 اشتكت العديد من العائلات الفلسطينية حول ما يحدث من تمثيل بجثث أبنائهم وإخوتهم، حيث تعود جثثهم وقد انتزعت منها بعض الأعضاء".

ويتحدث الكاتب عما قاله خافيير سولانا المسؤول عن الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي عندما زار "إسرائيل" في 2009 حيث اعتبرها أقرب إلى الاتحاد الأوروبي من كرواتيا حتى يوغوسلافيا السابقة، ومما قاله سولانا ترجمنا التالي: "ليس هناك دولة خارج القارة الأوروبية مثل "إسرائيل" لها هذا الشكل من العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبي.

واسمحوا لي أن أقول إن "إسرائيل" هي من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لكن من دون أن تكون عضويتها في المؤسسات. إن "إسرائيل" عضو في برامج الاتحاد الأوروبي، وهي تشارك في كل البرامج". ويشير الكاتب إلى أن سولانا لم يقر بأن تعميق هذه العلاقة مع "إسرائيل" هي على حساب حقوق الإنسان، ومما قاله الكاتب حول ذلك: "بينما يتحدث ممثلو الاتحاد الأوروبي بشكل روتيني عن تمسكهم بالقيم الأساسية مثل حقوق الإنسان والديمقراطية، فإن تحالفهم مع "إسرائيل" هو خالٍ من التلاحم الأخلاقي بشكل كبير، وكان هذا واضحاً من خلال الاستجابة الخانعة لما قامت به "إسرائيل" من ذبح 1400 شخص من الغزيين خلال ديسمبر/ كانون الأول 2008 ويناير/ كانون الثاني 2009".


"يوروبول" و"إسرائيل"

يذكر الكاتب أن التحالف الأوروبي الآثم مع "إسرائيل" تكوّن إلى حد ما نتيجة هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على برجي التجارة والبنتاغون، ويقول حول ذلك: "عرفت كل من أوروبا و"إسرائيل" أن التعصب الإسلامي هو عدو مشترك، واعتزما معالجة أعراضه، لكنهما في نفس الوقت يسمحان للأسباب بالتفاقم (احتلال فلسطين بشكل بارز)".

ويرى الكاتب أن حكومات الاتحاد الأوروبي خولت "يوروبول" مكتب شرطة الاتحاد الأوروبي لبدء محادثات للوصول إلى اتفاقيات التعاون مع "إسرائيل" في عام 2005 وهذه الاتفاقيات تسهم في نقض وعود صناع السياسة من الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن حقوق الإنسان، حيث يشكل هذا التخويل من الاتحاد الأوروبي تجاهلاً صارخاً لروح دستور 1995 الذي أنشأ شرطة الاتحاد الأوروبي، والدستور ينص على أن "يوروبول" لا يجوز أن تحصل على بيانات يجري الحصول عليها بطرق تتضمن انتهاكات لحقوق الإنسان.

ويشير كرونين إلى التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية التي تبين انتهاكات "إسرائيل" لحقوق الفلسطينيين، وتعذيبهم طوال أربعة عقود من الزمن، حيث يشير إلى تقنيات التعذيب التي استخدمها المحققون "الإسرائيليون" معهم منها: "البرم الكامل للرأس إلى الخلف، والحرمان من النوم، والسحب المفاجئ للجسم، والضرب، وتشديد الأصفاد بإحكام على الجسم إلى حد تتأثر فيه الدورة الدموية للسجين، والإذلال والتهديدات بالقتل والسجن الانفرادي، حتى إنه في بعض الأحيان كانوا يجبرون أقرباء المعتقل للمثول أمامه في ثياب السجن، وذلك لنقل انطباع أنهم احتجزوا وتعرضوا للضرب والتعذيب".

ويجد الكاتب أن تعاون الشرطة الأوروبية مع "إسرائيل" سيضعف القوانين الأوروبية المتعلقة بحماية المعلومات والبيانات، وأن رفض "إسرائيل" احترام حقوق الإنسان لم يمنع "يوروبول" من العمل عن قرب مع "إسرائيل".

يتحدث الكاتب أيضاً عن قضية اغتيال المبحوح على أيدي الموساد في 2010 ويجد أن الردود الأوروبية على تزوير جوازات السفر لم تكن بتلك القوة، ولو أن دولاً أخرى مثل إيران أو كوريا الشمالية وغيرهما قامت بعمل مشابه؛ لوضعت الدول الأوروبية أنظمتها موضع التساؤل. ومما قاله الكاتب في نهاية مقدمته المطوّلة والغنية بالأحداث ما يلي: "لا نبالغ إذا قلنا إن أوروبا تحرّض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الشرق الأوسط، وإنهاء هذا التواطؤ ليس بالأمر السهل، لكن ليس مستحيلاً إذا ما كرّس ما يكفي من الناس أنفسهم لهذه المهمّة، والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هي أن نخبر أنفسنا عن كيفية بناء هذا التحالف المشترك".

بناء التحالف الآثم

يتحدث الكاتب في الفصل الأول بعنوان "بناء التحالف الآثم" عن بعض من أحداث غزة في مايو/ أيار 2009 والتأثيرات السلبية السيكولوجية في سكان غزة، كبارها وصغارها، ويتحدث عن بعض اللقاءات التي أجراها مع بعض من ضحايا غزة المتضررين على الصعيد النفسي، وممن منوا بفقدان أحد المقربين إليهم، ويبدأ الفصل بسرد يوصف فيه الحالة المأساوية التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي على غزة بعد أربعة أشهر من عملية الرصاص المصبوب، وبشكل خاص في منطقة عزبة عبدربه الواقعة شمال قطاع غزة، والتي وصفها "الإسرائيليون" بأنها معقل لحركة حماس، ومن وصفه التالي: "يظهر وسط أكوام الأنقاض والعوارض الخشبية المتراكمة قطيع من الماعز الهزيل، لبضع لحظات أحسست بأن هذه الحيوانات المسكينة من علامات الحياة الوحيدة. رغم أنني الآن على أرض من أكثر المناطق المأهولة بالسكان، لكن الدمار من حولي يضفي شعوراً بالوحشة والقفر". ويضيف: "عبر الزجاجة المتصدعة من سيارة المرسيدس المتحطمة، أحدق في اندهاش إلى بقايا الأبنية المهدمة، حيث كانت العائلات تعيش فيها". ويقول أيضاً: "أشار سائقي بيده إلى منزل محترق وقال: هناك طائرات من نوع F-16 هجمت على المنزل وشطرته إلى نصفين".

ثم يستشهد ببعض الأقوال الموجعة حول الأحداث المأساوية التي تعرض لها أطفال في إحدى مدارس غزة عند القصف الإسرائيلي، حيث كانت المدرسة قريبة من قوات الأمن الفلسطينية، وعلى لسان أحد الآباء حول ما حدث كتب كرونين: "للمرة الأولى طفليّ -الأصغر في السادسة والنصف والأكبر في التاسعة والنصف- كانا يسألانني: ماذا يعني أن تموت؟ في الوقت الذي أكافح فيه بكل جهدي لتأمين حياة أفضل لهما، أراهما يتحدثان لي عن الموت". وعن أب آخر يتحدث عن أطفاله: "لا زال أبنائي وبناتي خائفين من الحرب، بعضهم يستيقظون في الليل ويصرخون قائلين: أبي، خذنا بعيداً عن هنا، إن الحرب دائمة هنا، لن تنتهي".

ويشير الكاتب إلى بحث أجراه برنامج الصحة الذهنية لمجتمع غزة، الذي يشير إلى أن التأثيرات النفسية للهجوم على غزة تركت أثراً عميقاً فيهم من خلال استطلاع على 374 طفلاً، اعتقد أكثر من 73 في المئة منهم أنه سيموت خلال العنف، وما يقارب 68 في المئة من الأطفال بين 6 إلى 16 سنة يخافون من حدوث هجوم مشابه في المستقبل، و41 في المئة عبّروا عن رغبتهم الكبيرة في الانتقام. كما يشير إلى ما قاله حسام النونو المتحدث باسم البرنامج: "إن الجميع فقد شيئاً في هذه الحرب، منهم من فقد أصدقاء أو أقرباء، أو أعضاء من جسده، والبعض فقد ماله وعقاراته، والبعض فقد الشعور بالأمن والحماية، إنه كان شعوراً قاسياً جداً، لم أشعر في حياتي بالدنو من الموت إلا في تلك الفترة، ولم يكن هناك من مكان للهروب إليه".


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة