جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
ترامب ومؤسسة الامن الامريكي

في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وفي اجتماع لمناقشة اقتراح الرئيس دونالد ترامب بسحب جزئي أو كلي للقوات الأميركية من أفغانستان، قال ترامب العبارة التالية: «السبب وراء وجود روسيا في أفغانستان عام 1979 كان لأن الارهابيين هناك أرادوا استهداف الداخل الروسي، وقد كان للروس الحق في الوجود هناك». أثارت تلك العبارة غضب «مؤسسة الأمن القومي الأميركية»، بجناحيها: 1- البنتاغون (وزارة الدفاع)، 2- مجمع الاستخبارات الوطني (تم تأسيسه عام 1981. ويضم 16 وكالة استخبارات بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA، مادام أن هذا أول خروج «عن النص» عند مسؤول أميركي تجاه حدث مفصلي في الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو حيث كان الغزو السوفياتي لأفغانستان (27 ديسمبر 1979) قد وصفه مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي بعد يومين من حصوله بالتالي: «الحلم القديم لموسكو في تحصيل ممر مباشر إلى المحيط الهندي»، في تلميح منه لما يهدد باكستان من ذلك الغزو، وقد استنفرت الإدارة الأميركية عند كارتر وريغان كل جهودها لهزيمة السوفيات هناك من حلف مع باكستان واستخدام للتنظيم العالمي لـ«الإخوان المسلمين» من أجل جلب عشرات الآلاف من «الأفغان العرب» ودعم المعارضة الأفغانية المسلحة التي كانت تسيطر على نصف البلاد في زمن حكم الشيوعيين الأفغان البادىء منذ 27 نيسان (إبريل) 1978. من أجل وضع ترامب في الزاوية الضيقة تم رفع الستار عن جزء من الأرشيف السري الاستخباراتي، وتسريبه للصحافة: البرقية السرية من القائم بالأعمال الأميركي في أفغانستان أرشر بلود، بعد اجتماعه السري في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1979 مع الرئيس الأفغاني حفيظ الله أمين، وتعبير الأخير، وهو الذي يرأس نظاماً شيوعياً موالياً لموسكو، عن استعداده لفتح صفحة جديدة مع واشنطن والابتعاد عن موسكو. من أجل ذلك أيضاً تم الكشف لأول مرة أميركياً عن معلومات سرية تملكها واشنطن عن أن انكشاف ذلك الاجتماع من قبل الكرملين، ومخاطر أن يتحول أمين إلى محاكاة تجربة أنور السادات الذي أفقد السوفيات نفوذهم في مصر، قد دفع المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي لاتخاذ قرار في 12 ديسمبر بالتخلص من أمين واستبداله بشيوعيين أفغان موالين لموسكو، وأنه من أجل ذلك جرت محاولتين لتسميم أمين عبر الشراب (13 ديسمبر)، وعبر الطعام (20 ديسمبر)، وعندما لم تنجحا جرى الغزو السوفياتي العسكري لأفغانستان (75 ألف جندي) في 27 ديسمبر وقتل أمين واستبداله ببابراك كارمال. تكرر هذا من ترامب في 29 كانون الثاني (يناير) عندما وصف التقرير الذي قدمه دان كوتس، مدير مجمع الاستخبارات الوطني، عن «التهديدات الماثلة أمام الأمن القومي الأميركي» بـ«الساذج»: عبر الحادثتين المذكورتين تم تظهير مدى الهوة العميقة القائمة الآن بين المؤسستين الرئيسيتين في الإدارة الأميركية، أي البيت الأبيض و«مؤسسة الأمن القومي الأميركية». لا يوجد سابقة في التاريخ الأميركي، لماهو موجود الآن في واشنطن، سوى الذي حصل عام 1951 عندما أقال الرئيس هاري ترومان الجنرال ماك أرثر من منصبه قائداً للقوات الأميركية في كوريا في ذروة الحرب الكورية (1950-1953)، لما خالف الجنرال في تصريحات علنية سياسة ترومان في عدم تصعيد المرقف عسكرياً وتجنب الصدام العسكري مع القوات الصينية التي تدخلت لصالح الكوريين الشماليين، وقد كانت حسابات ترومان منطلقة من واقع وجود معاهدة عسكرية صينية – سوفياتية، للتعاون المتبادل في حال هجوم على أحد الطرفين، عقدها ماوتسي تونغ مع ستالين عند زيارته موسكو في شباط (فبراير) 1950. لم يكن صدام ترومان مع ماك أرثر صداماً مع كامل المؤسسة العسكرية، وإن كان الجنرال يتمتع بشعبية كبيرة عند الأميركان وهو الذي قاد الحرب مع اليابان واستلم صكوك استسلام الأخيرة 1945، حيث وقف وزير الدفاع الجنرال جورج مارشال ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال عمر نلسون برادلي مع ترومان. في عهد أيزنهاور لم يحصل التباعد حيث كان عسكري سابق في البيت الأبيض، ولكن في عهد كينيدي (1961-1963) لم تكن وكالة الاستخبارات المركزية راضية عن اتفاقات كينيدي – خروتشوف، التي أعقبت أزمة الصواريخ السوفياتية في تشرين الأول 1962، التي كان سحب الصواريخ من كوبا في تلك الاتفاقات مقابل تعهد كينيدي عدم السعي لاسقاط حكم كاسترو على غرار ما جرى في نيسان (إبريل) 1961 عندما نظمت وكالة الاستخبارات الأميركية عملية «غزو خليج الخنازير» عند الساحل الكوبي عبر تعاونها مع المنفيين الكوبيين، والتي أدى فشلها لاستقالة مدير الوكالة ألان دالاس ولو بعد أشهر عدة. في الحرب الفييتنامية (1964-1975) كان البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية في انسجام كامل مع البيت الأبيض. ظهرت توترات واحتكاكات في زمن كارتر ولكن لم تكن صدامية، ثم ساد الانسجام في عهود ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وباراك أوباما. في عهد ترامب هناك سجل صدامي مع «مؤسسة الأمن القومي». بعد انتخابه وقبل دخوله البيت الأبيض في 20 كانون الثاني 2017، قال عنه جون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية (تقاعد من منصبه قبل ثلاثة أسابيع من تولي ترامب منصبه)، التالي: «لا أظن أنه يملك الإدراك الكافي للقدرات الروسية وللممارسات الروسية التي تجري في أماكن عدة من العالم». ظل برينان في وضع انتقادي هجومي على ترامب لدرجة اضطر الرئيس الأميركي كي يسحب منه التصريح الأمني في آب (أغسطس) 2018، وقد كان ملفتاً أن يتضامن مع برينان ضباط كبار، منهم الأدميرال المتقاعد ويليام ماكرافين القائد السابق للعمليات الخاصة المشتركة.في نيسان 2018، واثناء تحضير ترامب قراره بسحب التوقيع الأميركي على الاتفاق النووي مع إيران، تصادم مع مستشاره لشؤون الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر، الذي استقال لخلافه مع الرئيس في شأن ايران وتقارباته المزمعة من كوريا الشمالية. كان مكماستر من الجنرالات الذين خدموا في العراق وقد أعرب عن انتقاده لسياسة صدامية مع طهران يمكن أن تكون «باهظة التكاليف». كان الصدام الأكبر لترامب مع البنتاغون بسبب قرار 19 ديسمبر 2018 الذي أصدره الرئيس الأميركي بسحب القوات العسكرية الأميركية من سورية. في اليوم التالي استقال احتجاجاً وزير الدفاع جيمس ماتيس. في ذلك الاجتماع حول أفغانستان الذي جرى قبل قليل من قرار ترامب حول سورية كان هناك تنازع بين ترامب والبنتاغون حول نية ترامب سحب القوات الأميركية من أفغانستان. يمكن لتقرير دان كوتس أن يلخص الموقف. في ذلك التقرير هناك تحديد لخمس تهديدات ماثلة أمام أميركا وفق الترتيب التالي: الصين، روسيا، إيران، كوريا الشمالية، داعش. اختلف ترامب علناً مع التقرير بخصوص الموضوع الإيراني. هو، كما وضح من ميوله خلال السنتين الماضيتين أثناء وجوده في البيت الأبيض، لا يرى في روسيا عدواً، كما السائد في البنتاغون، بل شريكاً ممكناً لتطويق الصين، وهو متباين مع عسكريي البنتاغون في رؤيته لضرورة احتواء ومراضاة كوريا الشمالية، من أجل التفرغ لمجابهة طهران. لم يهاجم ترامب تقرير كوتس في الموضوع الروسي، بل اختار الموضوع الإيراني كـ«كعب أخيل» التقرير ليصفه بـ«الساذج»، داعياً أفراد الاستخبارات لـ«العودة للمدرسة»، عندما لم يروا ما يراه ترامب من حجم الخطر الإيراني. رؤية ترامب للخطر الإيراني تجعله يميل للوجود العسكري الأميركي في العراق حيث النفوذ الإيراني الأكثر أهمية لطهران، وهو يرى الوجود العسكري الأميركي في سورية وأفغانستان أقل أهمية من الوجود في بلاد الرافدين. الحياة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة