جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصين وصواريخ امريكا في كوريا

إن الولايات المتحدة التي تبعد عشرات الآلاف من الأميال عن شمال شرق آسيا، هي "المبادر والمتحكم والرابح الأكبر" في مسألة نشر منظومة الدفاع الصاروخي "ثاد" على أراضي كوريا الجنوبية. وإذا نجحت في عملية النشر هذه، فستجلب كوارث عديدة لمنطقة شمال شرق آسيا عبر "الهيمنة المضادة للصواريخ" التي ترنو إلى تحقيقها من خلال نشر منظومات مضادة للصواريخ. في الواقع، لم تتوان الولايات المتحدة عن اتخاذ خطوات باتجاه السعى إلى "الهيمنة المضادة للصواريخ" منذ أن أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان "مبادرة الدفاع الإستراتيجية" عام 1983. وصار تطوير الأسلحة المضادة للصواريخ والنشر العالمي للمنظومات المضادة للصواريخ يمثلان وسيلة هامة لضمان تفوقها العسكري المطلق وحماية هيمنتها العالمية. وقد كشفت الحقائق أن تصرفات الولايات المتحدة الأحادية الجانب والمتمثلة في نسج شبكة مضادة للصواريخ حول العالم، تعد من أساسها محاولة للتضحية بمصالح الدول الأخرى لتحقيق مصالح أمنها الذاتي تحت ذرائع الدفاع، وهو ما يهدد ويؤذى على نحو خطير التوازن الإستراتيجي والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم بأسره. فدفع الولايات المتحدة المتعمد لنشر ثاد على أراضي كوريا الجنوبية، لا ينبثق عن رغبتها في مساعدة كوريا الجنوبية على التصدى للتهديدات النووية والصاروخية من كوريا الديمقراطية،وإنما عن أنانية ومصالح خاصة لم تتكشف بعد أمام شعوب العالم وتتمثل في دفع بناء نظام مضاد للصواريخ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في مارس 2012 أن بلادها ستنشئ نظاما مضادا للصواريخ في هذه المنطقة وتخطط لتحقيق ذلك عبر تحالفين ثلاثيين ألا وهما: الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية. ورأى وو رى تشيانغ الأستاذ المساعد بمعهد الدراسات الدولية في جامعة الشعب الصينية أن أحد أوجه نقص النظام الأمريكي المضاد للصواريخ في آسيا والمحيط الهادئ تتمثل الآن في ضعف قدرته على المعرفة والتمييز، ولهذا فإن تحالف واشنطن مع سول يهدف إلى نشر هذا الرادار المتطور في كوريا الجنوبية لما يحمله ذلك من معنى كبير بالنسبة لإنشاء الولايات المتحدة لنظامها المضاد للصواريخ في المنطقة. وأشار الخبير إلى أن رادار ثاد، الذي سيتم نشره في كوريا الجنوبية وبما يمتلكه من مقومات، يمكن استخدامه لمراقبة تجارب الصين المتعلقة بإطلاق صواريخ إستراتيجية في وقت السلم، كما يمكن استخدامه في الاستكشاف والمراقبة المسبقين للصواريخ الإستراتيجية التي قد تطلقها الصين باتجاه الولايات المتحدة في وقت الحرب. وكل ذلك يسهم في تعزيز قدرة النظام المضاد للصواريخ على تمييز الأهداف ومعرفتها لإحتواء "التهديدات النووية الصينية" المزعومة على الولايات المتحدة. ولا بد هنا من ذكر أن نشر ثاد في كوريا الجنوبية ليس سوى خطوة مهمة تتخذها الولايات المتحدة في مخططها الرامي إلى إقامة نظام مضاد للصواريخ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهو مخطط يمضى إلى ما لا نهاية. فمن غير المستبعد أن تنشر الولايات المتحدة فيما بعد منظومة ثاد وغيرها من الأسلحة المضادة للصواريخ في اليابان وبلدان أخرى، إذ كشفت وزارة الدفاع اليابانية مؤخرا لوسائل الإعلام أنها تفكر في جلب منظومة ثاد وضمها إلى نظامها الحالي المضاد للصواريخ الذي تم تحديثه مؤخرا لتشكل بذلك نظاما ثلاثي المستويات مضاد للصواريخ ليتحدى التهديد المزعوم من كوريا الديمقراطية. فنشر ثاد في كوريا الجنوبية لا يتعلق فقط ببناء الولايات المتحدة لنظامها المضاد للصواريخ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإنما أيضا بدفعها لمنظوماتها المضادة للصواريخ حول العالم. فقبل شهرين، بدأ تشغيل القاعدة الأمريكية المضادة للصواريخ في جنوب رومانيا في الركن الآخر من البر الأورآسيوي، كما وضعت الولايات المتحدة في نفس الوقت تقريبا حجر الأساس لقاعدة أخرى في شمال بولندا. وفي هذا الصدد، قال وو تشن الباحث بمعهد المخابرات والمعلومات الفضائية في بكين إنه بعد بضعة عشر عاما من التطوير، شكلت الولايات المتحدة منظومة عالمية مضادة للصواريخ تتخذ من نظامها المحلي مركزا ومن النظامين في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ جناحين، وتمتلك قدرة نسبية على رصد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى. ولا تزال المنظومة تشهد مزيدا من التحسين والتطوير، ومن المقرر أن تقوم بأول اختبار لرصد الصواريخ العابرة للقارات من إحدى القواعد البرية في نهاية العام الجاري. وعند إجراء مقارنة بين بناء الولايات المتحدة لمنظومتيها المضادتين للصواريخ في ركني البر الأورآسيوي، نجد أن تصرفاتها وخطواتها تسير على نفس المسار الذي يبدأ أولا بخلق الذرائع وترويج التهديدات، فالولايات المتحدة تسعى إلى إقامة نظام مضاد للصواريخ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تحت ذريعة تهديدات تشكلها كوريا الديمقراطية، فيما سعت إلى ذلك في أوروبا في ضوء اتخاذها من إيران عدوا افتراضيا لها. وثانيا بالصيد في الماء العكر وإقامة تحالفات مع الدول الإقليمية، فعلى سبيل المثال، استغلت الولايات المتحدة مخاوف رومانيا وبولندا وغيرهما من دول شرق أوروبا من روسيا لنشر المنظومة وتوفير ما تزعم بأنه الأمن. وثالثا بإتباع أسلوب البدء من بعيد ثم الاقتراب رويدا رويدا وبخطوات متتالية، فعادة ما تنشر الولايات المتحدة النظام في المحيط ثم دفعه ليتقدم بخطوات متتالية. ومن المعروف في مجال الأمن العالمي أن السلام ينبع من توازن القوى. وإذا ما انكسر التوازن القائم، ستقع الاضطرابات بل وستندلع الاحتكاكات والاشتباكات. ونسج الولايات المتحدة لشبكة المنظومة المضادة للصواريخ في العالم بشكل أحادي الجانب يزعزع التوازن الإستراتيجي في العالم ويلحق أضرارا بالغة بالمصالح الأمنية والإستراتيجية للصين وروسيا وغيرهما من الدول الرئيسية بالمنطقة ويقابل برفض شديد من قبل هذه الدول. وفي أوروبا، ظهرت النتائج السلبية للدفع بقوة من أجل نشر النظام المضاد للصواريخ: وتمثلت في حدوث خلل في التوازن الإستراتيجي الأوروبي وإجبار روسيا على اتخاذ إجراءات مضادة. وتعد مشكلة المنظومة المضادة للصواريخ سببا مهما يقف وراء الخلافات الطويلة وانعدام الثقة المتبادلة بين روسيا والدول الغربية، ما يعزز من حدة التوترات الجيوسياسية الأوروبية ويساعد في تصعيد مناخ "حرب باردة جديدة". وفي إطار هذه العملية، أصبحت الولايات المتحدة الرابح الحقيقي، إذ تسيطر على أوروبا عبر المشكلة الأمنية من ناحية وتستغل بعض الدول الأوروبية لمساعدتها في إحتواء روسيا من ناحية أخرى. وقد عكست الدروس الأوروبية السابقة النوايا الحقيقية للولايات المتحدة من وراء نشر منظومة ثاد على أراضي كوريا الجنوبية، وهي نوايا تكمن في عدم السعى إلى حماية كوريا الجنوبية من التهديد الكوري الديمقراطي المزعوم، بل إلى ربط كوريا الجنوبية بعربتها الحربية بدافع مصالحها الخاصة وإنطلاقا من سعيها إلى تحقيق الهيمنة. ومن ثم، لابد لسول من التزام اليقظة، والعمل بحكمة على تقدير التداعيات الخطيرة والنوايا الأمريكية الشريرة لنشر ثاد، وإدراك خطورة "الهيمنة المضادة للصواريخ"، وتجنب إدخال "الذئاب" لمنزلها تجنبا تاما.شينخهوا


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة