جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
القضاء التركي إلى أين؟

تقوم نهضة المجتمع على نظام سياسي متماسك وضمان حرية التعبير والرأي وحقوق المرأة، بجوار تسوية عادلة لحقوق الأقليات. ولا تقل أهمية استقلال القضاء عن ذلك، باعتباره الضمان لرقي المجتمع وترسيخ الديموقراطية. غير أن الوضع في تركيا يبدو مختلفاً بعض الشيء، فثمة قلق بين القضاء والسلطة التنفيذية، كشفته مؤشرات عدة منها إقرار نواب حزب «العدالة والتنمية» في البرلمان التركي مطلع تموز (يوليو) الجاري قانوناً يسمح بتعديل تركيبة عضوية بعض المؤسسات القضائية، في مقدمها محاكم الاستئناف الإدارية والجزائية والمالية، ويعطي رئيس الدولة وحكومته والهيئة العليا للقضاة التي تضم غالبية موالية للرئيس، حق عزل مئات من قضاتها وتعيين قضاة جدد، بعد اختصار مدة خدمة القاضي في المحاكم العليا إلى 12 سنة فقط. المؤشر الثاني الذي قد يؤجج التوتر السياسي والمجتمعي، برز في حزيران (يونيو) الماضي مع إعلان وزير العدل بكير بوزداغ إرسال ملفات 117 قضية إلى الادعاء العام، تطاول عدداً معتبراً من نواب المعارضة، بخاصة النواب الأكراد، بعد المصادقة على قانون يرفع الحصانة عن نواب مُتهمين بدعم الإرهاب وإهانة الرئيس. وبرز التدخل الرئاسي في الأحكام القضائية في رفض أردوغان الإفراج عن رئيس تحرير صحيفة «جمهورييت» المعارضة جان دوندار نهاية شباط (فبراير) الماضي بعدما نفت المحكمة عنه تهمة التجسس. غير أن الصدام وصل إلى الذروة مع وقوع الانقلاب الفاشل، فقد اعتقلت السلطات التركية 10 قضاة في المحكمة الإدارية العليا، فيما أعفي نحو 2745 قاضياً من مناصبهم بينهم خمسة قضاة من المحكمة العليا، وهم من أعضاء حركة «خدمة» التي يتزعمها فتح الله غولن. والأرجح أن سلوك السلطة التنفيذية تجاه القضاء بعد الانقلاب فتح الباب واسعاً حول استهداف الرئيس للقضاة، خصوصاً أن عزل هذا العدد الكبير من القضاة دفعة واحدة وفي توقيت واضح يكشف استهدافاً مسبقاً، وأن قوائم تيار الممانعة في القضاء كانت معدة سلفاً. وأثار سلوك أردوغان تجاه المؤسسة القضائية التي تضم نحو 15 ألف قاضٍ غضب نقابة القضاة في تركيا، وانتقد رئيسها مصطفى كارداغ مسلك الرئيس، وقال أن «السلطات لم تلق القبض على المتعاونين مع الانقلاب وحدهم، بل أيضاً على من لا علاقة لهم بالانقلاب». والواقع أن حكومة «العدالة والتنمية» تسعى منذ وقت طويل إلى هيكلة المؤسسة القضائية، ورغم أن قانون تعديل المحاكم الأخير يحمل شبهة عدم الدستورية، فإن الحكومة تحايلت من خلاله لتربح تغييراً سريعاً في صفوف القضاة المعارضين للنزعة السلطوية لأردوغان، وذلك قبل إصدار المحكمة حكمها الذي لا يطبَّق بأثر رجعي. وبضغط حكومي، فرض القضاء التركي وصايته على شبكة «آسيا بنك» القريبة من فتح الله غولن المتهم بتشكيل «دولة موازية»، وتمَّ تأميم شركة «كوزا- إيبك» التي تملك صحيفتين وشبكة تلفزيون. وكانت معاقبة القضاء قد تفاقمت مطلع العام 2015 عند اعتقال قاضيين (متين أوزشيليك ومصطفى يشار) بتهمة الانتماء إلى «تنظيم إرهابي»، بعدما حكما بتبرئة 74 متهماً على ذمة قضية «تشكيل إرهابي» يتزعمه غولن المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وعقب ذلك، نشر قضاة عبر موقع «adalet.org» رسائل عبّروا فيها عن غضبهم من الانتهاك الصارخ للقانون. وفي 14 كانون الثاني (يناير) 2015 أصدر المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، قراراً بفصل 5 مدعين من وظائفهم، على خلفية إصدارهم أوامر للشرطة بإيقاف شاحنات تحمل أسلحة، تابعة للاستخبارات التركية، كانت في طريقها إلى سورية. العنوان الأبرز للمشهد الريبة بين القضاء والسلطة التنفيذية، العنوان الأبرز للمشهد التركي، خصوصاً بعد تصعيد الثانية نبرتها. ودخل الصدام بين السلطة القضائية والرئيس مناخ الشحن بعد يوم واحد من الانقلاب، عندما اعتقلت الشرطة ألب أرسلان ألطان عضو المحكمة الدستورية، أعلى محكمة في البلاد، وهو كثيراً ما تسبَّب بإحراج أردوغان بتوجيهه انتقادات لاذعة إلى السياسات الرئاسية في شأن العلاقة مع القضاء. وكان أرسلان قد حذَّر من «خطورة التحكم في القضاء وجعله أداة لتحقيق أهداف سياسية»، وانتقد بشدة تصريحات أردوغان بحق المحكمة الدستورية عشية إخلاء سبيل رئيس تحرير صحيفة «جمهورييت» في آذار (مارس) الماضي، معتبراً أن «القرارات التي تتخذها المحكمة الدستورية ملزمة للجميع»، وأن «الدولة الديموقراطية هي تلك التي تُفرض فيها قرارات القضاء على القادة والمواطنين». والأرجح أن رئيس المحكمة الدستورية الحالي لم يكن وحده الذي دخل في صدام مع أردوغان، فقد سبقه سلفه هاشم كيليش قبل استقالته في آذار2014، إذ وجّه انتقادات شديدة إلى أردوغان وحكومة «العدالة والتنمية»، وحذَّر من خطورة أن يتحول القضاء إلى «أداة انتقام» بأيدي نخب الحكم. وكان قد اتهم أردوغان عشية الذكرى الـ52 لإنشاء المحكمة الدستورية، بممارسة سياسة إلقاء الرعب في قلوب موظفي القضاء بخصوص مصيرهم ومستقبلهم، ورأى في ذلك «فساداً أخلاقياً». والأرجح أن سلوك المحكمة الدستورية طوال السنوات التي خلت، نحو تعزيز حكم القانون وكبح جماح السلطة التنفيذية، عرّضها لحملات تشويه ممنهجة، خصوصاً من وسائل الإعلام الموالية لـ «العدالة والتنمية»، وآخرها اتهام عضو المحكمة أرسلان قبل اعتقاله بالانتماء إلى جماعة غولن المصنفة إرهابية، وهو ما دفعه إلى الرد على ذلك قائلاً أنها «اتهامات خيالية وملفَّقة لي وللمحكمة الدستورية». وأضاف: «أدين الأنباء والتعليقات التي تحاول أن تظهر المحكمة الدستورية وكأنها تتخذ قراراتها بتعليمات الآخرين وأرفضها». خلاصة القول أن عزل الآلاف من القضاة على أثر الانقلاب ولو في شكل موقت يؤشر في جوهره إلى تصاعد المعركة مع الرئيس وحكومته، خصوصاً أن أردوغان يصر على ترويض المؤسسة القضائية، خصوصاً المحكمة الدستورية التي تمكنت قبل نحو شهرين من توجيه ضربة قوية إليه، عندما ألغت جملة من القوانين التي أقرتها الحكومة ووافق عليها البرلمان، بما فيها توسيع صلاحيات وزارة العدل، وإخضاع المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين لرقابته. ولا شك في أن فشل الانقلاب وخروج أردوغان منه أكثر قوة سيؤديان إلى تصاعد التوتر مع القضاء، وهو ما سينعكس سلباً على الحياة الديموقراطية في تركيا. الحياة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة