جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
رسائل يابانية إلى موسكو

على خلفية التفاهمات الروسية الأميركية بشأن تسوية الأزمة السورية وربما بشأن أوكرانيا مستقبلاً، نلاحظ في الفترة الأخيرة محاولات «خجولة» من دول حليفة للولايات المتحدة لتقريب المسافات مع موسكو في قضايا أخرى مهمة تتعلق بعلاقاتها مع روسيا. وفي هذا السياق، تأتي الدعوة الأخيرة لرئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، الى الحوار مع موسكو بشأن المسائل الدولية ومشاكل الشرق الأوسط. ففي تصريحات صحافية، أعلن آبي عن استعداده لزيارة روسيا أو دعوة الرئيس بوتين لزيارة طوكيو لبحث مشكلة الحدود العالقة بين البلدين منذ سبعين عاماً تقريباً. ولأن اليابان تترأس هذا العام مجموعة السبعة الكبار، فإن تصريحات آبي لها أهمية خاصة في هذا التوقيت بشكل خاص. فقد نظر إليها البعض في موسكو على أنها قد تكون محاولة لاستعراض طوكيو بعض الاستقلالية عن واشنطن في ما يتعلق بالعلاقة مع روسيا. علماً بأن مبعوثاً يابانياً كان قد حمل رسالة من شينزو آبي، وصُفت بالمهمة، إلى الرئيس الروسي في شهر كانون الثاني الجاري. وبرغم التكتم على مضمون هذه الرسالة، إلا أن تكهنات حولها تشير إلى تعلُقها بزيارة فلاديمير بوتين المحتملة لليابان هذا العام، وبرغبة طوكيو في تحريك المياه الراكدة في مشكلة الجُزر المتنازع عليها. لقد انضمّت اليابان، من دون تردد، الى العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية. ومع ذلك، كان آبي، ولا يزال، يُعلن بوضوح أنه يريد العمل مع الرئيس بوتين لحل مشكلة الجُزر مع روسيا. ويُعدّ الخلاف على أربع جُزر حدودية بين روسيا واليابان أحد كوابح تطوير العلاقات بين البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ويُعرف هذا الخلاف في روسيا بجُزر الكوريل، وفي اليابان بمشكلة الأراضي الشمالية. وظهرت هذه المشكلة عندما استولى «الجيش الأحمر» السوفياتي على هذه الجُزر (شيكوتان وهابوماي وكوناشير وإيتوروفو)، معتبراً أنها تعود تاريخياً إلى روسيا. وهو ما اعتبرته اليابان، ولا تزال، احتلالاً لجزء من أراضيها. وفي العام 1956، توصّل الاتحاد السوفياتي واليابان إلى إعلان مشترك استأنفت الدولتان بموجبه العلاقات الديبلوماسية بينهما، ولكن هذا الإعلان لم يحل المشكلة. واقترح الزعيم السوفياتي، نيكتا خروشوف، في الخمسينيات من القرن الماضي تسليم اليابانيين جزيرتين من جزر الكوريل، هما شيكوتان وهابوماي، بشرط أن توقع طوكيو اتفاقية سلام مع موسكو تُنهي حالة الحرب بينهما، وبشرط إخراج الولايات المتحدة من جزيرة اوكيناوا. غير أن الأميركيين رفضوا الخروج من اوكيناوا، ومن ثم رفض اليابانيون مبادرة خرشوف. وتعقدت الأمور بعد توقيع اتفاقية أمنية بين واشنطن وطوكيو في العام 1960، حيث اعتبرت موسكو أن تقديم أي تنازلات إلى اليابان من شأنه توسيع مساحة الأراضي، التي تستخدمها الولايات المتحدة في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفياتي. وفي حقيقة الأمر، استغلت الولايات المتحدة مشكلة الكوريل أو الأراضي الشمالية لربط اليابان بالاستراتيجية الأميركية، وإبعاد مشاعر القوميين اليابانيين العدائية عن نفسها وتوجيهها إلى الاتحاد السوفياتي. وخلال زيارة قام بها ميخائيل غورباتشوف إلى اليابان قبل انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرة، أصدر الجانبان بياناً مشتركاً، أُشير فيه إلى أن معاهدة السلام اللاحقة بين البلدين ينبغي أن تصبح وثيقة للتسوية النهائية لمرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك حل قضية الأراضي المتنازع عليها. وفي تشرين الأول 1993، قام الرئيس الروسي الأسبق، بوريس يلتسين، بزيارة اليابان، وأكد على ضرورة متابعة المفاوضات بهدف تسريع التوقيع على معاهدة السلام وحل مسألة الجُزر. وبعد وصوله إلى سُدة الحكم، أعلن فلاديمير بوتين أن بلاده تعترف بوجود المشكلة، ولكن الحديث «لا يمكن أن يدور حول إعادة الجُزر إلى اليابان». غير أنه عاد بعد ذلك وألمح إلى استعداده للعودة إلى مبادرة خرشوف، مراهناً على جذب استثمارات يابانية إلى روسيا. ووصل الغضب الياباني من روسيا ذروته حينما زار دميتري ميدفيديف، أثناء ولايته الرئاسية، إحدى تلك الجُزر في العام 2010، وعندما قام بزيارة أخرى إلى جُزر الكوريل في العام 2012. وتتمتع جزر الكوريل بموارد وخامات طبيعية كبيرة من نفط وغاز ومعادن نادرة، كما أنها مهمة للغاية للأمن القومي الروسي في أقصى شرق روسيا. غير أن معظم الثروات الطبيعية تقع تقريباً في جزيرتي كوناشير وإيتوروفو الكبيرتين مقارنة بالجزيرتين المقترح منحهما لليابان. ويتمحور التصور الروسي لحل مشكلة الجُزر مع اليابان حول دعوة الأخيرة للدخول في استثمارات مشتركة في منطقة الشرق الأقصى الروسي قبل الدخول في مفاوضات سياسية حول هذه الجُزر. وكانت اليابان قد استجابت نوعاً ما لهذا الأمر قبل الأزمة الأوكرانية والعقوبات على روسيا. ويعود ذلك لأسباب عدة، لعل أهمها، حاجة اليابان بقوة إلى موارد الطاقة الروسية من نفط وغاز، والتطور اللافت للعلاقات بين روسيا والصين في مجال الطاقة والتسليح، وحاجة طوكيو للتأثير الروسي على كوريا الشمالية، التي تُزعج تهديداتها النووية اليابانيين كثيراً. لكن التصور الروسي لحل المشكلة والاستجابة اليابانية النسبية له، لم يُسفرا عن نتائج ملموسة حيث لم تزد الاستثمارات اليابانية عن 3 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في روسيا. ويعتقد فاليري كيستانوف، مدير «مركز الدراسات اليابانية» في «معهد الشرق الأقصى الروسي»، أن رسائل آبي الأخيرة للكرملين يمكن اعتبارها محاولة للتقارب مع روسيا من دون تغيير جذري في الموقف الياباني من مشكلة الجُزر. وهذا صحيح بدرجة كبيرة، لأن طوكيو آبي لا تزال تُصر على استعادة الجُزر الأربع المتنازع عليها كشرط لتوقيع معاهدة السلام وفتح صفحة جديدة في العلاقات مع روسيا. ولكن موسكو لا تعتبر إبرام معاهدة السلام مع اليابان بمثابة تسوية لقضية جزر الكوريل، بل تعتبرها خطوة ضرورية لتطبيع العلاقات بين البلدين. ومن ثم يظل البلدان، من الناحية الشكلية، في حالة حرب برغم انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتتعقد المشكلة الروسية اليابانية أكثر بسبب العقوبات الغربية المشاركة فيها اليابان على روسيا، ولعدم قدرة طوكيو على الخروج تماماً عن دائرة النفوذ الأميركية.السفير


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة