جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
دبي "البيلاروسية" والدهاء الصيني

كتب محمد خير الوادي :
كشفت المظاهرات الصاخبة التي  تهز بيلاروسيا منذ شهرين، اسباب الانتفاخ الاقتصادي  والتنمر العسكري والتمرد السياسي  الذي ميز سياسة لوكاشينكو خلال السنوات  الاخيرة ازاء روسيا ، والتي حاولت عبثا ترويض وتطويع جارها وحليفها السلافي .
القصة وما فيها ،

ان الرئيس لوكاشينكو قد استند في مشاغبته لموسكو، على النفوذ الصيني المتزايد في بلاده . وفي الواقع ، فان حسابات الرئيس البيلاروسي لم تكن في فراغ . فقد عمدت بكين الى تكرار تجربة اقامة دبي جديدة في بيلاروسيا . ومن باب التذكير ، فقد حولت الشركات الصينية مدينة دبي الى مركز لتخزين وتوزيع البضائع الصينية المعفاة من الضرائب الجمركية في المنطقة كلها ، مستغلة ثغرات في قوانين ما يسمى بالمنطقة التجارية العربية الحرة . وقد وقع اختيار الصين على بيلاروسا لاقامة اكبر محطة تجارية على طريق الحرير البري خارج الصين للاسباب التالية : اولا ان بيلاروسيا ترتبط باتحاد سياسي وجمركي مع روسيا، ثم ان مينسك عضو في الاتحاد الاقتصادي الارو آسيوي الذي يضم خمس دول اعضاء، اضافة الى وجود عدد من الدول المراقبة والمرشحة للانضمام. وهناك ميزة جذبت الصين في هذا الاتحاد ،هي ان حركة السلع بين هذه الدول معفاة من الضرائب الجمركية . ثانيا : تشغل بيلا روسيا موقعا تجاريا مميزا بحكم قربها من من الدول الاوربية ، وهو امرييسرويسرع دخول البضائع الصينية الى الاسواق الاوربية . ثالثا توفر طبيعة النظام " الاشتراكي " المعادي شكلا لأمريكا في بيلاروسيا للصين ، فرصة نادرة للتملص من العقوبات الامريكة والاوربية . لهذه الاسباب ضخت بكين اموالا طائلة في بيلاروسيا لبناء اكبر محطة تجارية وصناعية ، تكون مرتكزا لتوزيع السلع الصينية في روسيا وآسيا الوسطى والقفقاس والاتحاد الاوربي .وقد بنت الصين هناك وصلات ضخمة من السكك الحديدية ، سيرت عليها نحو ستتة آلاف قطار سنويا تنقل ملايين الاطنان من البضائع الصينية الى اوربا كلها، ا . كما انشأت الصين منطقة تجارية حرة بمساحة 200 كم مربع ،تسمى الصخرة العظمى ، تضم مراكز انتاج وتوزيع ومختبرات لعمالقة الشركات الصينية مثل هواوي وزت اي في مجال الاتصالات ، وشركات للنسيج وصناعة الاحذية والمواد الغذائية والسيارات والآثاث. وانشطة هذه الشركات الصينية كلها معفاة من الضرائب. ولم تكتف الصين بذلك ، بل دخلت شريكا اساسيا في مجال تصنيع السلاح ، من صواريخ ومدفعية وعربات عسكرية واجهزة رادار. وقد تباهى لوكاشينكو خلال العرض العسكري الذي اقيم مؤخرا في مينسك بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين للانتصار على المانيا ، بعرض صواريخ استراتيجية وانظمة دفاع جوي واسلحة جديدة تضاهي – كما قال- نظيراتها الروسية .وكانت هذه الاسلحة تصدر بسهولة الى عدد كبير من الدول التي تعاني من العقوبات الامريكية .كما بنت الصين آلاف الوحدات السكنية لاسكان نحو مئتي الف صيني يعملون في بيلاروسيا . وبآن واحد ، شهدت روسيا ، "غزوا " سلعيا حقيقيا من جانب بيلاروسيا . ففي كل شارع في المدن الروسية ،افتتحت محلات تجارية تحمل يافطة: " منتجات بيلاروسية" ،تبيع المواد الغذائية والاحذية والملابس والاثاث والالكترونيات والتجهيزات الكهربائية .وباتت بيلاروسيا الشريك التجاري الثالث لروسيا بعد الاتحاد الاوربي والصين والصين ! وسيطرت حالة من الاندهاش والحيرة على الروس ، فكيف لدولة محدودة الموارد مثل بيلاروسيا ، لا يتجاوز عدد سكانها العشرة ملايين ، ان تضخ مثل هذه الكميات الهائلة من السلع في السوق الروسية كلها وباسعار معقولة ! واستمر المشروع الصيني في تحقيق نجاحات باهرة حتى شهر آب الماضي ، عندما انفجرت المظاهرات المنددة بنتائج الانتخابات الرئاسية في بيلاروسيا .وقد وجدت بكين نفسها في معضلة حقيقية : فالاتحاد الاوربي بدأ بتنفيذ عقوبات على نظام لوكاشينكو،وهو امر يمكن ان يهدد الانتقال السلس للبضائع الصينية المدموغة بجملة " صنع في بيلاروسيا " الى الاسواق الاوربية . وامريكا اعلنت عدم اعترافها بفوز الرئيس البلاروسي وتدرس الآن فرض عقوبات مالية على المتعاملين معه ، وهذا اكثر ما تخشاه الشركات الصينية الكبرى التي استثمرت مليارات الدولارات في بيلاروسيا . فهذه الشركات لا تريد ان ترى نفسها في القوائم السوداء الامريكية .حتى روسيا نفسها ، بدأت تتململ من طوفان السلع البيلوروسية التي تدخل السوق الروسية دون جمارك ، وتزاحم المنتجين الروس في عقر دارهم . ولذلك ، يمكن القول ، ان الصين يمكن ن تكون الخاسر الاكبر من الاضطرابات البلاروسية ، لان تلك الاحداث تهدد بتقويض الجهود الصينية لبناء "دبي " جديدة في اوربا . 15/10/2020


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة