جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
المواجهة الامريكية الصينية

كتب محمد خير الوادي :

لم تشهد العقود الاربعة الماضية من عمر العلاقات الصينية الامريكية، مثل هذا  التدهور الكبير، الذي بات الان سيد الموقف في علاقات العملاقين . ففي كل يوم تبرز مؤشرات جديدة على تراجع الثقة المتبادلة ، وتتصاعد الاتهامات المتبادلة  – لا سيما من الجانب الامريكي ، ويذوب  مصطلح الشراكه الذي طبع التعاون بين البلدين ويستبدل  بمصطلح الخصومة والمنافسة والعدواة .

والمشكلة الكبرى ، ان مشاعر العداء للصين في امريكا لا تسيطر على ترامب وفريقه السياسي فحسب ـ بل هي تتسرب بسرعة الى معسكر الديمقراطيين ايضا .وهذا يعني ان القوى الرئيسية في الولايات المتحدة باتت مجمعة على العداء للصين .ندخل الان في صلب الموضوع. هناك ثلاث قضايا تمثل جوهر الخلاف المستعررالان بين البلدين :
الاولى، وتتجلى في شعور الامريكيين ان الصين باتت تنافس امريكا اقتصاديا وعلميا على عرش العالم . وهذا كان سببا لاندلاع الحرب التجارية والعلمية بين البلدين. ورغم وجود هدنة الان في الحرب التجارية وفرتها الاتفاقية التجارية التي عقدت مؤخرا ، لكن نذر التوتر الاقتصادي لا تزال قوية . ، فالاتفاقية لم تطبق حتى الان ، بسبب انتشار فيروس كورونا . اضافة الى ذلك بدأت تظهر دعوات صينية تنادي باعادة النظر بهذه الاتفاقية ، يقابلها رفض امريكي . اما الشق العلمي لهذه الحرب ، فلا يزال في تصاعد ملحوظ .
ثانيا : السياسة الاقتحامية التي بدأها الرئيس الصيني شي منذ عدة سنوات ، والتي تجلت في فرض السيطرة الصينية على جزر مختلف عليها  مع دول عدة هناك  ، واقامة قواعد عسكرية في تلكالجزر، وتغيير العقيدة العسكرية الصينية بحيث باتت القوات المسلحة الصينية مكلفة الان بحماية المصالح الصينية في العالم ـ بعد ان كانت مهمة الجيش الصيني تبرز في الدفاع عن  حدودالصين فقط ، آضافة الى نهج الرئيس الصيني الهادف الى تحويل بلاده الى دولة عسكرية بحرية والتخلي عن الشعار القديم ، وهو ان الصيني دولة برية . وقد تجلى ذلك في الشروع ببناء مئات السفن الحربية، والبدء ببناء حاملة طائرات رابعة ، وتطوير القاذفات الصينية وانظمة الصواريخ الستراتيجية .هذا كله ضاعف من قلق امريكا ، التي دفعت بمعظم قواتها الى جنوب شرقي آسيا لمنع الصين من التمدد هناك . الصين بدورها ردت على هذه المواقف الامريكية ،عبر الاعلان عن  ان الجزر المتنازع عليها في بحر الصين هي اراضي صينية ، وان من حق بكين تطوير قدراتها العسكرية ، بما في ذلك زيادة انتشارها العسكري البحري ، وان هذا لا يهدد الملاحة الدولية في جنوب شرقي اسيا ، وان النفقات العسكرية الصينية لا تزال اقل من نظيرتها الامريكية .
المشكلة الثالثة والاخطر في العلاقات بين البلدين ، تتجلى في التفاعلات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا . فالادارة الامريكية تتهم الصيين بنشر هذا الفيروس الذي سبب خسائرتقدر بنحو خمسة ترليونات دولار للاقتصاد الامريكي ، واودى بحياة اكثر من ثمانين الفا من الامريكيين  واصاب مئات الالاف منهم . وقد وصلت الامور الى حد ، ان الرئيس ترامب اعتبر هذه الجائحة عدوانا صينيا على امريكا اخطر من عدوان بيرل هاربر ، الذي فجر حربا بين امريكا واليابان في الحرب العالمية الثانية ، انتهت باستسلام طوكيو . ولا تزال قضية كورونا في تصاعد مستمر . فقد بدأت في امريكا المطالبات بالتحقيق في تهاون الصيني بعدم اخبار العالم بخطورة كورونا ، وتم التقدم بدعاوى ضد الصين في المحاكم الامريكية ـ للمطالبة بتعويضات فلكية ،. اضافة الى ذلك تسعي واشنطن لتشكيل حلف عالمي ضد الصين . وقد نفت الصين الاتهامات الامريكية ورفضت اجراء تحقيق دولي ، لا بل ان بكين قالت ان الجيش الامريكي هو الذي زرع فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية ، وان ترامب يستخدم جائحة كورونا لتعزيز فرصه بالفوز بولاية رئاسية جديدية . والسؤال الذي يهم الجميع الان هو : الى اين تسير العلاقات الامريكية الصينية ، وهل يمكن ان يشهد العالم حربا عالمية بين البلدين ؟ قناعتي ، ان الشراكة الاستراتيجية التي وسمت العلاقات الصينية الامريكية خلال الاربعين سنة الماضية ، قد انتهت ، وان التوتر سيستمر مادام الرئيس شي بطموحاته الكبرى يقود الصين . ولكن، هل يمكن ان ينزلق هذا التوتر الى حرب بين البلدين ؟ لا اعتقد ذلك ، رغم ان امريكا لا تسقط من حسابها هذا الاحتمال . فالصين لا مصلحة لها للدخول في حرب شاملة مع امريكا، لان من شان ذلك ان يقوض كل الانجازات التي حققتها بكين خلال السبعين سنة الاخيرة .ثم ان ميزان القوى ماليا وعسكريا لا يزال مختلا . امريكا تتربع على خزائن العالم المالية ، وهذا يمنحها القدرة على الاستمرار في اية مواجهة ، بينما مصادر الثروة في بكين محدودة ، ومشكلاتها الاقتصادية كبيرة ، وفي طليعتها تأمين الحياة الميسورة لمليار ونصف من البشر ، وهذه ليست مهمة سهلة على الاطلاق . قناعتي ان التوتر بين البلدين سيأخذ اشكالا اخرى غير الصدام العسكري المباشر ، مثل استمرار الحروب التجارية والعلمية والاعلامية والنفسية ودفع بكين الى سباق عسكري محموم يستنزق طاقاتها الاقتصادية ، وتفجير مشكلات الصين الداخلية مثل هونغ كونغ وتايوان والتيبيت والويغور المسلمين، وتأليب دول جنوب شرقي آسيا على الصين ، وتضخيم الخطر الصيني في افريقيا وامريكا اللاتينية ، .ودفع اوربا وحلف الناتو والدول الغربية الى اعتماد الرواية الامريكية ، من ان الصين تهدد العالم ، وان الحزب الشيوعي الصيني بات خطرا على البشرية . والمشكلة ، الكبرى ، ان بكين قد تخلت عن مرونتها المعهودة في التعامل مع امريكا ، لصالح التشدد والمواجهة . لا بل ان هناك رأيا واسعا ينتشر بين الصينيين مفاده  ، ان امريكا باتت على منحى الانحدار ، وان الصين في طريق الصعود ، وان التغلب على امريكا بات حتمي .
انا لا اشاطر ذلك . فامريكا لا تزال تملك مقومات قوية ، ليست عسكرية فحسب ، بل و مالية ايضا. والدليل على ذلك ، ان امريكا هي البلد الوحيد في العالم الذي خصص خمسة ترليونات دولار للخروج من ازمة كورونا ، وان طباعة هذه التريليونات في مطابع النقود الامريكية لم تؤدي الى انهيار الدولار وزيادة التضخم ، بل على النقيض من ذلك ، فقد ارتفعت قيمة العملة الامريكية . هذا يعني ان لدى امريكا طاقة تحمٌل اكثر من الصين في حال- لا سمح الله - اندلعت المواجهة الشاملة. نحن نأمل ان لا تتطور نقاط التوتر هذه الى صراع بين البلدين . فمن مصلحة شعوب الارض كلها ، ان يسود التعاون والسلام ، لا سيما بين الصين وامريكا ،. لأن البشرية غير قادرة على تحمل مزيد من الكوارث بعد جائحة كورونا . 17 /5/2020


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة