جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
الصين بين "سارس " و"كورونا "

كتب محمد خير الوادي :
في عامي 2002-2003، انفجر في الصين مرض غامض اسموه السارس ، وكان عبارة عن التهاب حاد في المجاري التنفسية ، يفضي الى توقف التنفس لدى الانسان .شاءت الظروف ان اعايش بحكم عملي  تلك المحنة التي -المت  آنذاك - بالشعب الصيني  .

كان القلق هوسيد الموقف في بكين . وقد تجلى ذلك في ارتداء الاقنعة الطبية ،وفي خلو شوارع بكين من المارة ، وكذلك المحلات التجارية من زبائنها .وكان منظر مطار بكين الدولي يثير الرهبة فعلا ، فقاعات المسافرين شبه فارغة ، والمطار شبه مغلق ، وحركة الطيران تقريبا متوقفة.وقد التزم الصينيون بيوتهم الا عند الحاجة والضرورة . وتعطلت الحياة الرسمية وتوقفت الزيارات من الصين واليها. لكن تلك الازمة اظهرت في الوقت نفسه ، المعدن الحقيقي الوطني للصينيين – شعبا ومسؤوليين ، الذين قرروا الانتصار على هذا الوباء واستئصاله . لذلك اتخذوا اجراءات لمحاصرة السارس وعدم تمكينه من الانتشار . فقد تم اغلاق مدن الصين كلها، واحيطت بحلقات متراصة من موظفي الصحة والنظام ، الذين يفحصون كل مواطن يدخل اويخرج .واذكر انني سافرت بالسيارة في تلك الاوقات الى مدينة تبعد عن بكين اكثرمن مئتي كيلو مترأ من اجل الاطمئنان على صحة بعض المواطنين السوريين الذين كانوا هناك في دورات تدريبة . لكن الحواجز الصحية لم تسمح لي بالدخول خوفا من اصابتي بالعدوى المنتشرة في تلك المدينة وقفلت عائدا . اثناء عودتي ، لا حظت ان جميع الطرق المتفرعة من الطريق الرئيسي مغلقة وعليها حراس ، و كذلك الاستراحات والمطاعم والفنادق . وفي المدن الكبرى نفسها ، تم عزل كل بناية وكل حي وكل منطقة بحواجز صحية . وتكرر الامر في الريف .ولنتصور الحجم المهول لتلك الاجراءات التي طالت مليار ومئتي ملون نسمة ! وظهرت حركات المتطوعين من الشباب والشابات ، التي تحدت السارس ، والتي ساعدت في تأمين السلع للسكان ،ونقل المصابين ، وتنظيم حركة المرور بين المدن . وانتشرت الاف القصص عن بطولات هؤلاء المتطوعين ومآثرهم ، الهبت حماس الصينيين واججت مشاعرهم الوطنية . وبآن واحد، اظهر قادة الصين – انذاك – جرأة غير مسبوقة . فهم قد امضوا جل اوقاتهم في زيارات المعامل والمؤسسات والمستشفيات المخصصة لمرضى السارس . لم يخشى هؤلاء المسؤولون العدوى ولم يخافوا الموت ،وقدموا دروسا بليغة في الاقدام والتفاني وتحمل المسؤولية . وقد رفع حضورالقيادة الصينية الدائم بين الناس، الروح المعنوية للشعب الصيني ،وعزز ثقته بالقدرة على قهر السارس . وفي الوقت نفسه ، اتخذت الحكومة اجراءات تفوق الخيال . من حيث الدقة والتنظيم وسرعة الانجاز والتفاني .فقد انتجت مصانع السيارات خلال عدة ايام سيارات اسعاف مخصصة لنقل مصابي السارس ، وكان يشاد كل اسبوع مشفى من الف سرير لاستقبال ومعالجة مرض السارس ،وجند العلماء انفسهم لاختراع لقاحات ضد المرض ونجحوا في ذلك .وتم تدريب مئات آلاف الاطباء والممرضين للتعامل مع السارس.والشيء اللافت ، ان وسائل النقل العام داخل المدن كانت تعمل كالمعتاد ، ولكن دون ركاب . كانت ايام محنة للصينيين ، ولكنها كانت ،في الوقت نفسه، ايام مجد لهم ،عززت وحدتهم وتضامنهم ،ومكنتهم من قهر السارس . واليوم يعيد التاريخ نفسه . فقد داهم الصين فيروس مشابه اسمه كورونا،وهو ايضا على جانب كبير من الخطورة وينتقل عبر الهواء ويؤدي الى الوفاة . وقد ، بدأ هذا الوباء ينتشر في مدن الصين وقراها . وتسارع السلطات الصينية لاتخاذ اجراءات للحد من انتشار هذا الوباء والقضاء علية. وانا على ثقة مطلقة بقدرة الصين على التصدى لهذا الوباء وقهره ، كما فعلت مع وباء السارس قبل ثمانية عشر عاما .وثقتي هذه تستند الى كفائة السلطات الصينية الفائقة وغير المسبوقة في التنظيم ،وتوفر روح الوطنية العميقة، التي توحد الصينيين وتدفعهم الى اجتراح المعجزات في الملمات . 22/1/2020


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة