جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
الصين في عهد شي جين بينغ


كتب محمد خير الوادي :

عدت من زيارة الى بكين استمرت عدة اسابيع ، انطباعي الاولي هو ان الصين قد تغيرت فعلا عما كانت عليه قبل سنة او اثنتين او ثلاث . تغيرت نبرتها في السياسة الخارجية  ، فلم تعد مضطرة الى مهادنة أمريكا والغرب .

قبل اربعين عاما ، كانت بكين مضطرة للتراجع تكتيكيا امام امريكا ، لان السوق الامريكية كانت مصدرا للمال والتقانة التي كان الاقتصاد الصين بامس الحاجة لهما. استفادت الصين ،كما لم تسنفد دولة اخرى في التاريخ ، من العلاقة مع امريكا .خرٌجت الجامعات الامريكية خلال تلك الفترة 15 مليونا من الطلاب والمختصين والعلماء الصينيين ، وصلت العلاقات التجارية الصينية مع امريكا الى اعلى رقم يمكن ان تصله علاقات دولتين في التاريخ ، استثمرت بكين ترليون ومائتي مليار دور في سندات الخزانة الامريكية ، ونقلت الشركات الامريكية الى الاقتصاد الصينية احدث المبتكرات التقنية الامريكية . هذا كله حدث خلال السنوات الاربعين من عمر العلاقات الديبلوماسية بين البلدين . اليوم تغيرت الامور . باتت الصين تنافس امريكا في كل المجالات ، وتناطحها على عرش العالم الاقتصادي. لم تعد بكين مستكينة امام امريكا ،التي استفاقت على هول المنافسة مع التنين الصيني ، وقررت احتوائه . كثفت امريكا قواتها في جنوب شرقي آسيا ، فجاء الرد الصيني بالسيطرة على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي مع دول تلك المنطقة الحليفة لامريكا ، واستعرضت بكين عضلاتها الصاروخية في الاحتفالات التي اقيمت قبل ايام بمناسبة الذكر السبعين لتاسيس جمهورية الصين الشعبية ، وصرح شي جين بينغ – الرئيس الصين ، انه لا توجد قوة في العالم قادرة على منع الصين من تحقيق نهوضها . وعلى الصعيد الداخلي ، بدات القيادة الصينية تتخلى تدريجيا عن الجوانب الليبرالية الغربية في نهج الاصلاح والانفتاح الذي ارساه دينغ شياو بينغ عام 1978 .صار للحزب الشيوعي وجودا اقوى في كل مناحي الحياة ، وعاد التثقيف السياسي الشيوعي وجبة يومية للصينيين ، وطرحت القيادة الصينية مبدأ العدالة في توزيع الثروة بعد غياب استمر لعقود ، وتنشط القطاع العام وصار قائدا فعليا للاقتصاد الصيني ، واقرت الحكومة الصينية خطة صنع في الصين ، التي ينبغي ان تنفذ حتى عام 2025 ، وهدف الخطة تحويل الصين من مصنع العالم – كما كانت ، الى مخترع العالم . وطرح الرئيس شي مبادرة طريق الحرير والحزام ، التي باتت التوجه السائد في السياسة والاقتصاد الصينيين نحو الخارج ، ورصدت مئات المليارات من الدولارات لتنفيذ هذه المبادرة ،التي تهدف الى زيادة الحضور الصيني في كل قارات العالم .ا اليوم استفاق التنين الصيني حقيقة .وكل زائر الى بكين يشعر بذلك في كل مكان . وفي الجانب الاخر ، يستشيط الغرب وامريكا – على وجه الخصوص- غضبا وقلقا من نهوض الصين ، ويبذلون كل الجهود لعرقلة تقدمها الى الامام . اشتعلت الحرب التجارية ، وسباق التسلح واحياء الاحلاف القديمة ، وتأججت مشاعر العداء للصين والخوف منها في الغرب وفي امريكا ، بشكل يذكرنا بهوس العداء للشيوعية ،وبايام المكارثية البغيضة . تخلت امريكا عن العولمة بعد ان ادركت ان الصين كانت المستفيد الاول منها ، وتخلت عن اتفاقات منع الصوريخ مع روسيا ، لان واشنطن تعرف ان ميزان القوى بدأ يختل مع استمرار الصين في انتاج هذه الانواع من الصواريخ . انها المواجهة الاشمل والاكبر في التاريخ بين عملاقين . انها نسخة مطورة من الحرب الباردة السابقة ، لكنها ستكون اكثر كلفة . قناعتي ، ان العالم لن ينشطر الى معسكرين متواجهين ، امريكا تريد ذلك وتسعى اليه لاستخدام الخطر الصيني من اجل التخلص من الترهل الذي اصابها خلال ربع القرن الاخير . الصين لا تريد المواجهة وترفض الاحلاف وتسعى للحوار المتكافيء مع امريكا ، الحوار الذي يتيح لها المشاركة الفعلية في مجلس ادارة العالم . وامريكا ترفض النظر على قدم المساوة مع الصين . وهنا العقدة وهنا تكمن مخاطر هذه المواجهة . 15/10/2019


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة