جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
سياسة الهيمنة : تحديات جديدة

كتب محمد خير الوادي :

شاركت قبل ايام في ندوة نظمتها اكاديمية العلوم في سانت بيتربورغ عن السياسة الامريكية .وقد طُرحت في الندوة التي حضرها مختصون رفيعو المستوى،  اراء تعالج  بعمق تقلبات السياسة الامريكية الحالية وافاق تطورها .وتعميما للفائدة ، فقد ارتأيت اطلاع القراء الاعزاء على محتويات تلك الاراء.

فقد اجمع المتحدثون ،بمن فيهم كاتب هذه السطور ، على ان الولايات المتحدة تواجه اليوم عالما يختلف ، بشكل جوهري عن عالم الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي ومعه المعسكر الاشتراكي . فاذا كانت امريكا قد تصرفت -آنذاك - كطرف منتصر يقود جبهة عالمية متماسكة ، فان ، القوة الأميركية تواجه اليوم مجموعة تحديات جديدة اهمها : أولا : صعود خصوم ألداء طامحين في استعادة امجاد تاريخية كروسيا والصين وايران ، وهؤلاء الخصوم يراكمون بسرعة مواطن القوة لديهم ، وهم لم يعودوا يقبلون بهيمنة امريكا على مقدرات العالم . واللافت للانتباه ، ان هذه الدول الصاعدة تمارس- حتى الآن - مع امريكا لعبة جس النبض بانتظار لحظة الحقيقة. ثانيا : الوهن الذي اصاب حلفاء امريكا الغارقين اليوم في بحور من المشكلات .فاوربا باتت مهددة في وحدتها بعد الخروج المزمع لبريطانيا منها ، والمشكلات السياسية والاجتماعية تتفاقم فيها . واليابان- الحليف المهم الآخرلأمريكا في آسيا - تعاني اليوم من خطر فقدان القوة الدافعة لاقتصادها بسبب الشيخوخة التي المت بمجتمعها وتمخضت عن ارتفاع معدل أعمار سكانها ، كما ان الاقتصاد الياباني اليوم ليس في افضل حالاته ، فهو أسير ركود مزمن ،يضاؤل قدراته التنافسية . يضاف الى ذلك كله - ، بروز تباينات جدية في المواقف بين واشنطن وحلفائها التقليديين ،فيما يتعلق بمسائل النووي الايراني والامن في أوربا ،والتجارة والعولمة والمناخ وغيرها . ثالثا : ظهور تيار امريكي قوى يعبر عنه جزئيا الرئيس ترامب ، يدعو الى تقوقع امريكا على نفسها – كما حدث في ثلاثينات القرن الماضي- ، والتحلل من الاتفاقات والالتزامات االدولية التي اخذتها امريكا على عاتقها كدولة كبرى .ويمكن القول ، ان هذا التيارلم يعد مجرد تكهنات نظرية ، بل بدأت ملامحه العملية تتجسد في تراجع امريكا أمام الصين في افريقيا ،وامام روسيا في الشرق الاوسط . وأحد الاسباب التي تغذي الانعزالية ،وتعزز نزعة الغرور لدى يعض قادة امريكا ، يكمن في الوهم الذي يداعب مخيلة الامريكيين ، حول امتلاكهم عوامل قوية تصون تفوقهم وتغنيهم عن وجود حلفاء ، هي البعد الجغرافي عن اماكن التوتر في العالم، والريادة التقنية ، وتفوق الانموذج الامريكي في التنمية والحياة. رابعا : استهانة امريكا - التي وصلت الى حد الاذلال- بحلفائها، والترويج لامكانية الاستغناء عنهم بسهولة ، تعزيزا لمقولة " أمريكا أولا " .ونسمع  الشتائم التي يوجهها ترامب لقادة أوربا وكندا واستراليا وحتى اليابان ، ونقده المتكرر للحلف الاطلسي . ورغم تباين اراء المشاركين في الندوة حول الافاق المستقبلية للسياسة الامريكية ، لكن الاغلبية – وانا منهم - اجمعت على ان تعدد المشكلات الآنفة الذكر والتي تجتاح السياسة الامريكية ، يجب ان لا يعطي الانطباع ان امريكا باتت في حالة ضعف ، وان الفرصة التاريخية قد حانت للانقضاض عليها. فامريكا اليوم لا تزال في حالة تحول ، وهناك صراع داخلي عنيف بين التوجهات التي يعبر عنها ترامب وداعموه ، مع معظم المؤسسات الامنية والعسكرية والحزبية والاقتصادية الامريكية .فضلا عن ذلك ، فان الاقتصاد الامريكي لم يدخل طور الركود والازمات ، لا بل انه شهد العام المنصرم بعض التحسن ، ثم ان أمريكا لا تزال تهيمن على المؤسسات المالية العالمية .كما ازداد بقوة نفوذ المؤسسة العسكرية الامريكية في صناعة السياسة الداخلية والخارجية ، وقد تجلى ذلك في حصولها على اموال اضافية قياسية لتجديد بنيتها التقنية ، وفي خروج أمريكا من معاهدة الصواريخ المتوسطة والاقل مدى التي كبلت قدرات امريكا الصاروخية ، وفي الضغط الامريكي الذي يمارس على الحلفاء في الناتو لزيادة انفاقهم العسكري ، وفي الصفقات الاسطورية التي ارغمت واشنطن كلا من السعودية والامارات وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان على عقدها مع المجمع العسكري الصناعي الامريكي . اضافة الى ذلك كله ، فان حلفاء امريكا التقليديين مثل اوربا واليابان ودول أخرى ،لم يغادروا الفلك الامريكي. ولا تزال مواقف تلك الدول خاضعة للهيمنة الامريكية . وينبغي الاشارة كذلك الى ان امريكا لا تزال تملك وسائل عملية لعرقة تقدم الدول الصاعدة ،عبر العقوبات وسباق التسلح ، واللجوء الى التكتيك القديم الجديد ،والمتمثل في اشعال مزيد من الصراعات الاقليمية ، وتشجيع المنظمات الارهابية ورعايتها والدفع بها الى مسارح قتال تختارها واشنطن من اجل استزاف الاطراف المعادية لأمريكا واشغال القوى الصاعدة . ومع ذلك ، فقد كان هناك اجماع في الندوة ،على ان التفاعلات الحالية التي تمر بها السياسة الامريكية تشير ، الى ان اغلبية دول العالم ، بمن فيهم حلفاء كثر للولايات المتحدة ، باتت ترفض سياسة القطب الواحد والهيمنة الامريكية . وهذا بحد ذاته انجاز كبير لقوى السلام والحرية في العالم . اضافة لذلك ، فان ازدياد نفوذ كل من الصين وروسيا والهند وقوى اقليمية أخرى ، يغذي الامل بامكانية حدوث تغييرات جوهرية ، تجعل العالم اكثر عدلا وتحفظ السلام والامن فيه .19/2/2019


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة