جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
هل تريد الصين انتزاع زعامة العالم من أمريكا ؟

كتب محمد خير الوادي :
فتحت العقوبات التجارية المتبادلة بين كل من واشنطن وبكين شهية السياسيين والمحللين للحديث عن اعادة تشكيل عالم متعدد الاقطاب ، وعن أفول العصر الامريكي وبروز عهد التنين الصيني المنافس لتبوأ مركز قيادي في الحياة الدولية .

وهنا لا بد من التفريق بين الامنيات والحقائق ، وعدم الخلط بينهما وتقديم الرغبات على الوقائع عند صياغة الرؤية نحو المستقبل ،ورسم المنهاج السياسي .كثير من دول العالم وشعوبه يريد فعلا زوال امبراطورية الشر الامريكية التي اغرقت العالم بمزيد من الكوارث والحروب، لا سيما خلال ربع القرن الاخير ،ويتمنى ان تسهم تصرفات ترامب الحمقاء في تسريع هذا الانهيار .وانا شخصيا انتمي الى هؤلاء الراغبين في بناء عالم جديد خال من الهيمنة الامريكية والعدوان والحروب ، عالم تسوده فعلا قيم العدالة والمساواة والحرية والقانون .ولكن بآن واحد ، ينبغي ان لا نقع فريسة للأمنيات ، وان لاندع ضباب الرغبات يشوش بصرنا وبصيرتنا . وبحكم اطلاعي القريب على الاوضاع في الصين ، فانني اريد أن ادلو بدلوي في هذا المجال .هناك عدة اسئلة لا بد من طرحها عند الحديث عن دور قيادي للصين في العالم . السؤال الاول :هل الصين مهيئة تاريخيا وقادرة اقتصاديا على التغلب على امريكا والحلول مكانها ؟ والاهم من ذلك ، هل ترغب بكين فعلا في ممارسة دور القيادة هذه ؟ في معرض الاجابة على السؤال الاول ، أقول : ان استعراضا سريعا لتاريخ الصين القديم والحديث يظهر ان الصين لم تمارس عبر تاريخها المتواصل منذ خمسة آلاف عام ، سياسة توسعية استعمارية قائمة على القوة الفظة في تعاملها مع الدول الاخرى . بل كانت تفضل على الدوام ، اساليب التعاون التجاري والعلمي والثقافي ، اي ما يسمى اليوم بالقوة الناعمة .فعندما كانت الامبراطوربة الصينية في أوج قوتها وعظمتها وتملك اكبر اسطول بحري عالمي ، لم يستخدم امبراطور الصين هذه القوة الضاربة للتوسع والاحتلال ، بل ارسل في القرن الرابع عشر الميلادي اكبر بعثة بحرية مؤلفة من 100 سفينة حربية واكثر من ثلاثين الف جندي برئاسة الاميرال المسلم تشنغ خي ،الى المنطقة العربية وافريقيا والهند وشرقي آسيا ، لتمتين الروابط التجارية وتشجيع التبادل العلمي والثقافي وتوسيع دائرة اصدقاء الصين .ولم تبخل الصين –آنذاك - بنقل مكتشفاتها العلمية الاربع وهي البوصلة والبارود والورق والطباعة ،الى العالم كله .والصين اليوم تسير في الطريق نفسه ، وخير دليل على ذلك ،مبادرة طريق الحرير والحزام التي اطلقها الرئيس الصيني شي جبن بينغ عام 2013 ، ورصد لها مئات المليارات من الدولارات لاعادة احياء طريق الحرير البري والبحري كوسيلة للتعاون والشراكة والنقل المتبادل لانجازات العلم والتقانة ، واسلوبا للقوة الناعمة الصينية . اضافة لذلك ، لابد من الاشارة ،الى ان الصين كانت طيلة قرنين ضحية للاستعمار والغزو الغربيين والاحتلال الياباني . لقد ذاق الصينيون الطعم المر للاذلال والقتل والتشريد والنهب الاجنبي لثرواتهم ، ولذلك ، ليس غريبا ان يمقت الصينيون اليوم كل ما يمت الى سياسة الاستعمار القائمة على مصادرة الارادة والثروات الوطنية ، ويتضامنون مع ضحاياه وينادون بالسلام والتنمية في العالم .ولا اعتقد ابدا ان الصين – مهما بلغت من قوة – يمكن ان تتنكر لتاريخها وقيمها الكونفوشية المسالمة و تحل مكان امريكا في ممارسة سياسة الهيمنة والنهب ، ودعم الظلم ومصادرة حقوق الشعوب .ثم ان الايدولوجية الرسمية الشيوعية تختلف ، من حيث الجوهر ، عن تلك التي تمسٌك بها الاتحاد السوفياتي . فالصين لا ترمي الى المواجهة مع الرأسمالية الدولية وتدميرها ، او نشر الشيوعية في العالم و تحدي الدول الغربية ، بل هي تقول بالتعاون والسلام والتنمية ، وهي ضد سياسة الاحلاف والتكتلات العسكرية ، ولا تسعى نحو المواجهة العسكرية مع احد .وهذه المنطلقات تحدد مسارات السياسة الخارجية الصينية الحالية ،التي كلفتها مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني " بتأمين الفرص السلمية للتنمية في الصين " ، وليس لتغيير العالم وفرض نظام ما عليه . نعرج الان على موضوع: هل الصين قادرة اقتصاديا وعسكريا على ازاحة امريكا عن عرش العالم ؟ لا شك ، ان الصين قد حققت خلال الثلاثين عاما الماضية من سياسة الاصلاح والانفتاح ،نتائج باهرة في الاقتصاد ورفع مستوى معيشة الشعب . واثبتت التجربة الصينية ، ان الاشتراكية لا تعني الفقر او المساواة فيه ، وان بامكان شعوب آسيا النهوض والوصول الى مستوى تطور العالم المتقدم ، كما قدمت الصين خبرات ثرة لشعوب العالم ،عندما طرحت مقولة اقتصاد السوق الاشتراكي والاصلاح والانفتاح . وتمكنت الصين من تقليص عدد فقرائها من مئات الملايين الى عشرات الملايين ، وفرض نمط ديمقراطي على الاستهلاك العالمي، عندما اتاحت ببضائعها الرخيصة لفقراء العالم وذوي الدخل المحدود ، اقتناء سلع كانت حكرا على الاثرياء . وتطول قائمة الانجازات الصينية ، فهي قد ازاحت اليابان من المركز الثاني في اقتصاد العالم وبدأت تناطح امريكا على المركز الاول ورفعت ناتجها الوطني السنوي ليقترب كثيرا من الناتج الامريكي . هذا كله يستدعي الاعجاب والثناء . ولكن ، بالمقابل ، فان الطرف الاخر ، وأعني امريكا ، لم تتأثر كثير بتصرفات ترامب الحمقاء ، ولم تفقد مركز الصدارة . والاهم من ذلك كله ، ان امريكا قد تعلمت كيفية التعامل مع الازمات والتكيف معها . فالاقتصاد الامريكي لا يزال الاول عالميا ، وهو ينتج نحو 21 % من الانتاج العالمي، وامريكا تهيمن عمليا على التقدم العلمي والتقني في العالم ، و لا يزال الدولار والمؤسسات المالية الامريكية تسيطر على النظام المالي الدولي ، يضاف الى ذلك قوتها العسكرية الهائلة وانفاقها السنوي الذي يصل الان الى اكثر من 700 مليار دولار مقابل150 مليار للصين . وهناك نقطة اخرى يجب الوقوف عندها عند تقدير القوة الاقتصادية للدول ، وهي مستوى دخل الفرد .الصين تحتل الان الرقم 80 في مستوى دخل الفرد ، بينما أمريكا لا تزال بين الارقام الاولى في العالم. ولا ينبغي ان ننسى ان عدد سكان الصين اليوم هو مليار واربعمائة مليون ( بمن فيهم المكتومون )اي 20 % خمس سكان العالم ، وهناك مناطق شاسعة في الصين بحاجة الى تنمية ، وعشرات الملايين ينتظرون الخلاص من الفقر ، بينما عدد سكان امريكا 325 مليونا (اي نحو 4% من سكان المعمورة ) ، يعيشون في حياة مترفة ! وهذا يعني ان لدى امريكا فائض من المال والثروة يتيح لها الانفاق على مغامرات خارجية ، بينما لا تتوفر هذه الامكانية لدى الصين ،حتى لوفكرت بذلك ! .ولذلك لا يزال الصينيون يطلقون على بلادهم حتى اليوم صفة أكبر دولة نامية في العالم . ونعود الى السؤال الاخير : هل الصين ، بعد كل هذه المعطيات – ترغب اليوم في ممارسة دور فعال في قيادة العالم ؟ معروف ، ان الشرط الاساسي كي يتنطح اي طرف لقيادة العالم ، يكمن في توفر الامكانات الاقتصادية الكبيرة والفائض المالي والقدرات العسكرية الضرورية .فالزعامة مكلفة ماديا وسياسيا ، وثمنها مرتفع . واعتقد ان الصين ليست مستعدة لدفع تكاليف الزعامة العالمية الان ، وهي – اي بكين – تفضل ان تنفق فاض ثروتها على تحسين مستوى شعبها والنهوض ببلادها . ولذلك طرح شي جين بينغ شعار: الصين أولا ، وهو يترجمه الان من خلال خطط وبرامج ترمي الى النهوض بالصين،وتحقيق مستوى حياة متقدمة لشعبها خلال الخمسين عاما القادمة . ويفسر هذا الامر اسباب التصرفات الحذرة في السياسة الخارجية الصينية وعدم تهورها ، وتفضيلها النأي – قدر الامكان بالنفس – عن الانخراط المباشر في المشكلات الدولية ، وتفاديها الدخول في مواجها مفتوحة مع الدول الكبرى الاخرى .وهذه الامور تشكل منطلق السياسة الخارجية الصينية ، ولكن مع استثناء واحد : فعندما يتعلق الامر بالمسٌ بالسيادة الوطنية و الامن القومي ،او بالمصالح الحيوية للصين ، فان بكين تتخلى عن حذرها و لا تتردد في اتخاذ المواقف الحادة والمناسبة .وفي دائرة هذه القضايا يمكن ادراج المسألة التايوانية و الجزر المختلف عليها في بحر الصين الجنوبي ، وقضية التصدي للحركات الانفصالية في التيبت وفي شينجيانغ . خلاصة الامر ، اعتقد ان القيادة الصينية ترى ان مسألة الزعمة الدولية لا تشكل امرا ضاغطا وملحا عليها الان ، وان جهودها الاساسية يجب ان تتجه نحو توفير مقومات استكمال بناء الصين وتحقيق الخطط الطموحة للوصول بالشعب الصيني الى مستوى الحياة الرغيد بعد عدة عقود , والسعي الدائم لتغيير سياسة الهيمنة الاحادية في العالم ، مع الحفاظ على العولمة ، التي فتحت امام الصين مجالات كبيرة في التجارة والتعاون الدوليين . 18/4/2018


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة