جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
روسيا وبريطانيا والحرب الباردة

كتب محمد خير الوادي :

لن  ادخل اليوم في دقائق الخلاف البريطاني الروسي ، والاتهامات المتبادلة بين كل من موسكو ولندن حول عملية تسميم الجاسوس سكريبال وابنته ، وانما سأتوقف عند سؤالين مهمين هما : لماذ ا يحدث كل هذا الصخب الدبلوماسي ؟ ومن المستفيد من ذلك ؟

لا بد من القول ، ان العلاقات البريطانية الروسية تاريخيا لم تكن على افضل حال . فكان الشك المتبادل وعدم الثقة هما - على الدوام - سيدا الموقف بين الدولتين . وقد اتخذت لندن لنفسها دور محراك الشر فيما يتعلق بتأليب العالم على روسيا ، بغض النظر عن النظام الحاكم فيها . ولذلك ليست مصادفة ،ان رئيس وزراء بريطانيا المحافظ ونستون تشرشل هو الذي اشعل ، في خطاب القاه في آذار عام 1946 ، فتيل الحرب الباردة التي استمرت خمسين عاما وانتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي ، وان تكرر تيريز ماي ، زعيمة حزب المحافظين نفسه ورئيسة وزراء بريطانيا، بعد اثنتين وسبعين سنة ، المحاولة ذاتها لاشعال حرب باردة جديدة ، هذه المرة ،ضد روسيا ! وفي واقع الحال ،تضيق بريطانيا -التي تتزعم اليوم معسكر القوى المحافظة ذات النزعة العدوانية في الغرب – ذرعا بنهوض روسيا من جديد وتزايد نفوذ ها في العالم .ولذلك تلجأ لندن الى وصفات الحرب الباردة الاولى لاستخدامها من أجل تسعير العداء ضد موسكو وتخويف الغرب منها ، عبر الحديث المتكرر عن خطط الروس لغزو الغرب وتخريب التقدم والديمقراطية فيه.وقد استخدمت الحكومة البريطانية حادثة الجاسوس سكريبال وضخٌمتها لتأمين اكبر حشد غربي ضد موسكو .والعامل الآخر الذي يدفع ماي لافتعال مشكلة حادة مع روسيا ، يتجلى في الازمة الداخلية التي يعاني منها حزب المحافظين البريطاني ورئيسته . لقد خسر هذا الحزب شعبيته ، وتجلى ذلك في الانتخابات التي جرت في حزيرات عام 2017 ، حيث فقد الاغلبية المطلقة في البرلمان . كما امتلأت شوارع بريطانيا بالمتظاهرين المنادين برحيل رئيسة الوزراء. وقد جاءت حادثة تسميم سكريبال كالبلسم الشافي بالنسبة لماي، التي استغلتها من أجل صرف النظر عن الازمة الداخلية في البلاد ، عبر النفخ في بالون العدو الروسي الخارجي ! وبات الآن واضحا ، أن الحكومة البريطانية تقف على رأس قائمة المستفيدين من تسعير أوار حرب باردة جديدة ضد موسكو .وزعيمة حزب المحافظين البريطاني ليست الوحيدة في هذه القائمة ، فهناك الكونغرس الامريكي بمجلسيه ، والذي يصفي حساباته مع الروس ويشل اية حركة لترامب بالتقارب معهم ، وهناك المجمع العسكري الامريكي الذي يبالغ في الحديث عن اخطار عسكرة روسيا من أجل حلب مزيد من الاموال من الاقتصاد الامريكي .ونضيف كذلك حلف الناتو ،الذي سارع لالتقاط الفرصة من أجل دفع اعضائه لتشكيل فرق عسكرية جديدة ودفعها للمرابطة على حدود روسيا وزيادة ميزانية التسلح .وهناك الاحزاب الامريكية والاوربية التي تتهم الروس بالتدخل بالانتخابات ، وهناك جماعات الضغط المختلفة ،والتي تعتبر ان الحروب الباردة والساخنة هي الوسط المناسب لها ، وهناك بولونيا وعدة دول من البلطيق وشرقي اوربا وأوكرانيا ،والتي سارعت الى الانضمام الى جهود الغرب هذه .لقد انتظم هؤلاء كلهم في حشد العداء هذا وبث الكراهية ضد روسيا والتخويف منها . بقي ان نقول ،من الصعب التنبؤ بالفترة الزمنية التي ستسغرقها هذه الحملة ومدى توسعها ،ولكن هناك امر ثابت هو، أن العالم يشهد أول مرة منذ عدة عقود ،مثل هذا التوتر والاستقطاب والتشرذم والحروب بالوكالة ، وان محركي هذه الحرب الباردة الجديدة ،جادون في الضغط على روسيا ،لا سيما بعد الانتخابات الرئاسية الاخيرة والتي فاز بها بوتين بنسبة عالية ، ودفعها للانزلاق الى جولة جديدة من سباق التسلح ،يمتص كل ثرواتها وينهك قواها ويفاقم الازمة الاقتصادية فيها . لقد كشر الغرب عن انيابه ،واظهر نياته الحقيقية ازاء روسيا . وبات واضحا انه لا يريد روسيا قوية ومزدهرة . واعتقد ان الرئيس بوتين يدرك ذلك كله ،ويعي المخاطر التي تحيق ببلاده . وبالرغم من ان بوتين قد انجز الكثير في اعادة بناء قوات روسيا العسكرية ، فان عليه الان الالتفات بجدية الى الوضع الداخلي والعمل على تحسينه ، واتخاذ الاجراءات والبرامج لمعالجة الوضع الاقتصادي ،وتنويع مصادردخل البلاد واجتثاث الفساد ،والحد من نزوح الاموال ومن تأثير الطغمة المالية . ان روسيا تخوض الآن ما يشبه بمعركة كسر عظم مع قوى الهيمنة التقليدية في العالم ، والتي لا تريد التسليم بتراجعها. ولا يمكن الفوز في هذه المعركة ،الا بتصليب الجهة الداخلية الروسية وتمتين وحدتها .2/4/2018


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة