جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصين تغير العالم

كتب محمد خير الوادي:

في الوقت الذي تنشغل كل من واشنطن وموسكو في حملات  مكافحة الارهاب ، تنشط الصين بهدء ودون ضجة في مسار آخر سيغير وجه الشرق الاوسط والعالم ، وهو العمل عل تنفيذ  خطة  طريق الحرير الجديد والحزام ، والتي أعلن عنها الرّئيس الصِّينِيّ

شي جين بينغ عام 2013 . لم يأخذ كثير من دول العالم –آنذاك - تلك الخطة على محمل الجد ، ولذلك تم تجاهلها او اعتبارها مجرد واحدة من الاساطير الصينية الخيالية لا أكثر. لكن السنوات الاربع الماضية ، اظهرت ان هذه " الاسطورة " باتت واقعا على الارض ، وتمكنت بكين من تذليل عقبات المسافة الجغرافية وربط نفسها مع أوربا والشرق الاوسط . فقد وصل أول قطار صيني محمل بالبضائع الصينية الى لندن مخترقا كل اوربا وقاطعا نحو 13 الف كيلو مترا ، كما وصل قطار صيني آخر الى طهران عبر آسيا الوسطى .وفي الوقت نفسه ، تم تكثيف العمل في مشروع " خيالي " آخر بتكلفة 47 مليار دولار ، وتجلى في انشاء ممر بري عبر الباكستان ، يربط الصين ببحر العرب . وهذا المشروع سيقلب كل المعادلات التجارية والسياسية التي كانت سائدة في المنطقة حتى الآن .وقد دشنت المرحلة الاولى من هذا المشروع عام 2016،عندما وصل أول قطار صيني يحمل البضائع الصينية الى ميناء جوادر الباكستاني ، والذي استأجرته بكين من الباكستان لمدة 43 عاما . وهذا الميناء مهم ، نظرا لانه يطلّ على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز الذي تعبر منه ثلث تجارة النفط العالمية، والذي تسيطر  على جزء منه حاليًا الإمارات من خلال اشرافها على أغلب الجزر اليمنية الواقعة على بوابة المضيق.كما يقلص الميناء الى الثلث تقريبا ،الوقت والمال المخصص للرحلات التجارية التي تحمل البضائع من الصين واليها ، وينهي اخطار السيطرة الامريكية على مضيق ملقا . كما يمثل جزءًا هامًا من طريق الحرير القديم الذي يوصل الصين بآسيا وبإفريقيا.وستربط الصين بالميناء شبكة هائلة من الطرق البرية والسكك الحديدة ،كما بوشر العمل باقامة مطار دولي في جوادر .وستكون دولة الامارات وخاصة دبي ، اول الخاسرين من مرفأ جوادر . وللتذكير فقط ، فان دبي كانت تشغل المركز الاول في تخزين واعادة تصدير البضائع الصينية الى دول الشرق الاوسط وأفريقيا . ومن أجل ذلك ، تم بناء سوق التنين الذهبي الصيني الضخم هناك ،والذي يضم خمسة آلاف شركة صينية . ومن المتوقع ان تنقل الشركات الصينية انشطتها من دبي الى منطقة مرفا جوادر .، كما ستصبح اسعار البضائع الصينية المخزنة في الباكستان ارخص بكثير من دبي ،لان تكلفة نقل تلك البضائع ستنخفض كثيرا ، الامر الذي سيزيد من منافسة السلع الصينية للانتاج المحلي في دول الشرق الاوسط كلها . وفي الجانب السياسي ، سيعزز هذا الممر التحالف الصيني الباكستاني ، وسيحول الباكستان النووية الى احدى النمور الآسيوية اقتصاديا ، وسيبدل كثيرا من التحالفات التي كانت قائمة في المنطقة .ومفهوم لماذا وقفت دولة الامارات ضد هذا المشروع منذ البداية .وتتهم صحف باكستانية ابو ظبي بتسريب وثائق ادت الى اقالة نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني الاسبق ، والذي وقع على اتفاقات الممرالصيني .وتشعر الهند بقلق من زيادة قدرات الباكستان وتعزيز الوجودالاستراتيجي الصيني في بحر العرب ، ولذلك قام رئيس وزراء الهند باول زيارة منذ اربعة عقود الى الامارات لتنسيق الجهود ضد هذا المشروع ،كما اعلنت امريكا قلقها من الممر الصيني . ورغم هذه التحركات المعادية كلها ، فان مشروع الممر الصيني عبر الباكستان ، بات واقعا يفرض نفسه على الجميع .وللتذكير فقط ، فان هذا الميناء الذي يمكن ان يغير وجه المنطقة ، كانت تملكه سلطنة عمان ، وقد باعته الى الباكستان عام 1958 لقاء مبلغ اربعة ملايين جنيه استرليني ! ومن أجل تعزيز وجودها في العالم ، انشأت الصين ما بات يعرف الآن بطريق الحرير الالكتروني ، والذي يستخدم سوق الانترنت من أجل بيع السلع الصينية في كل بقاع العالم .ويعتبر موقع علي بابا الالكتروني الذراع الصينية الاساسية لتسويق البضائع الصينية عبر الانترنت .وتبلغ حجم مبيعاته السنوية مئات المليارات من الدولارات .وتشجع الحكومة الصينية هذا الموقع ،ويرافق صاحبه الرئيس الصيني في جولاته الخارجية وخاصة الى الولايات المتحدة – السوق الرئيسية للسلع الصينية . خلاصة القول ، لم تبدد الصين جهودها وثرواتها على مغامرات عسكرية عبثية ، ولم تنجرف عسكريا في تيار الحرب العالمية على الارهاب المكلفة ، وانما آثرت ان تعمل بهدوء ، ومن خلال القوة الناعمة الاقتصادية ،على تعزيز دورها العالمي ، وتغيير قواعد اللعبة الدولية لصالحها وتحقيق مكاسب هائلة في العالم كله ، دون ان تطلق رصاصة واحدة . 25/11/2017


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة