جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الاموال العربية والثقوب السوداء

نص المحاضرة التي القاها محمد خير الوادي عضو أكاديمية العلوم الروسية   بتاريخ29/9/2017 في المؤتمر العاشر للأكاديمية في  مدينة سانت بتربورغ
" المحاضرة القيت باللغة الروسية وفيما يلي ترجمتها الكاملة الى اللغة العربية" 

تملك الدول العربية ثروات كبيرة من النفط والغاز ومعادن اخرى ، كالحديد والالمينيوم والذهب والفوسفات ، فضلا عن نحو 14 مليونا كم مربع من الاراضي ، يقطنها اكثر من اربعمائة مليون من البشر . ورغم ان حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مجتمعة مرتفع وبلغ عام 2016نحو 2.54 تريليون دولار ، نصفه موجود في دول مجلس التعاون الخليجي الست (تصريح للأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح نشر في مجلة الاقتصاد بتاريخ 9/4/2016) ،الا ان الدول العربية ككل ،بقيت تندرج في قائمة الدول النامية التي تعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية كبيرة أهمها: - ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي الى 30 مليون نسمة عام 2016 ، - تدني مستوى التعليم والبحث العلمي والاختراعات العلمية . - وجود نحو سبعين مليونا من الفقراء الذين يعيشون على دولار واحد فقط في اليوم.وقد فاقم ما سمي الربيع العربي عدد هؤلاء الفقراء في كل من اليمن وسورية والصومال وليبيا ومصروتونس .(تقرير مجلس الوحدة الاقتصادية العربية نوفمبر 2016 قناة الجزيرة ). وهناك اربعة ثقوب سوداء تبتلع الاموال العربية ،وتعرقل الجهود الرامية للوصول الى التنمية الحقيقية في الدول العربية . الاول ، يتجلى في هروب جزء كبير من الاموال العربية - لا سيما دول الخليج – العربي - بالقطع الاجنبي الى البنوك الاوربية والامريكية . وحسب احصاءات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ( تقرير آذار 2015) فان القطاع الخاص في الدول العربية قد اخرج نحو اثنين ترليون دولار من الدولارات الى البنوك الاوربية وحدها ، وذلك بسبب عدم الاستقرار السياسي وانعدام فرص الاستثمار الآمن ، والتبدل المستمر في القوانين . وهناك نحو ترليون دولارآخر يملكها اثرياء عرب ،موجودة في البنوك الامريكية .يضاف الى ذلك ان معظم أموال الصناديق السيادية للحكومات الخليجية وُظفت في سندات الخزانة الامريكية او استخدمت لشراء شركات وفنادق وعقارات في الدول الغربية . وتقدر موجودات هذه الصناديق بما يلي : صندوق الامارات 750 ملياردولار ، الصندوق السعودي نحو 700 مليار ، قطر 350 مليار الكويت 300 مليار دولار وبذلك يكون مجموع الصناديق الخليجية الاساسية هو 2.1 تريليون دولار . ولم يقتصر هروب الاموال العربية على دول الخليج ، بل امتد الى بقية الدول العربية التي انفجرت فيها احداث الربيع العربي . فحسب تقرير منظمة الشفافية العربية( قناة سي ان بي سي باللغة العربية 14/7/ 2016)، فان رؤوس الاموال التي هربت من تونس بلغت نحو 90 مليار دولار، ثلثها سجلت في حسابات بنكية في الخارج لصالح الرئيس السابق زين العابدين بن علي . أما في مصر ووفق إحصاءات البنك الدولي ( قناة الجزيرة 19/10 /2012 ا) ،فيبلغ حجم الأموال المهربة أكثر من مئة وثلاثة وأربعين مليار دولار، وفي ليبيا يقدر المسؤولون حجم الأموال المهربة بأكثر من ثمانية وستين مليار دولار، ويتراوح حجم الأموال اليمنية المنهوبة بين خمسين إلى سبعين مليار دولار .اي ان مجموع ما هرب من أموال من هذه الدول الاربع بلغ 371 مليار دولار . هذا في الوقت التي يعاني ثلث سكان هذه الدول الاربع من البطالة والفقر وانعدام فرص العمل . بكلمات أوضح ، فان معظم العائدات المالية العربية خلال العقود الماضية ،لم توضع في خدمة التنمية في البلاد العربية ولم تستخدم لتحسين الوضع المعيشي وحل مشكلات الفقر والبطالة ، وانما هربت الى الدول الغربية . ويتحكم الغرب في هذه الاموال ، لا بل ان هذه الثروات الاسطورية باتت اسير ة لدى امريكا والدول الغربية ، لاتصرف أو تحرك ،الا بقرار من الحكومات الغربية ووفق مصالح الغرب . واضرب مثالا واحدا عن تحكم الغرب في هذه الاموال . فقد اقر الكونغرس الامريكي بتاريخ 17 نيسان 2016 قانونا يسمح للمواطنين الامريكيين برفع دعاوى قضائية ضد الحكومة السعودية لاجبارها على دفع تعويضا ت لمواطنين امريكيين تضرروا من احداث 11 ايلول عام 2001 في نيويورك . وقد استخدمت ادارة أوباما هذا القانون ، الذي اطلقت عليه تسمية جاستا ،من اجل ابتزاز الحكومة السعودية . وحاولت الرياض سحب اموالها من البنوك الامريكية وبيع سنداتها في الخزانة الامريكية ، ولكن الجهود السعودية لم تعط نتائج كبيرة .وبعد خروج أوباما من البيت الابيض ، توصلت السعودية الى صفقة هائلة مع الرئيس ترامب ( سنتحدث عنها لاحقا ) من اجل تجميد قانون جاستا ! والثقب الثاني ، يظهر في افراط الدول العربية في الانفاق على التسلح . في السابق كانت الذريعة لعقد صفقات شراء السلاح هي التصدي للخطر الاسرائيلي . على الرغم انه منذ العام 1973 لم تحدث مواجهة عسكرية جدية بين جيوش معظم الدول العربية واسرائيل . مع اسثناءات قليلة، (حرب عام 1982 بين سورية واسرائيل في لبنان ، وحرب تموز 2006 بين حزب الله واسرائيل ). ولم تتراجع صفقات السلاح بعد ان هدأت الامور السياسية وتم التوصل الى اتفاقات سلام بين بعض الدول العربية واسرائيل ، بل زادت وتائر التسلح وهذه المرة بحجة التصدي للخطر الايراني والارهاب.ومع انفجار احداث ما يسمى بالربيع العربي أواخر عام 2010، ازدادت وتائر شراء الاسلحة من جانب الدول العربية .ويفيد تقرير معهد ستوكهولم لبحوث السلام (22 شباط 2017)، أن استيراد السعودية للسلاح خلال السنوات الخمسة الماضية ازداد بنسبة 212%، وتسلح الكويت ارتفع بنسبة 175% وتسلح الإمارات العربية المتحدة ازداد بنسبة 75% عما كان عليه سابقا، وتصدرت قطر قائمة دول العالم في شراء الاسلحة لعامين متتالين . وبشكل عام ، انتعشت سوق الأسلحة في الشرق الأوسط مع بداية الربيع العربي، حيث ازدادت واردات السلاح بنسبة 61% خلال سنوات 2011-2016. كما عقد العراق – خلال تلك الفترة - صفقات أسلحة بقيمة قاربت 150 مليار دولار. و احتلت الجزائر الموقع الاول في افريقيا في شراء الاسلحة ، ورفعت المغرب ميزانية الدفاع بنسبة 50%. واللافت ،ان معظم هذه الصفقات عقدت مع الولايات المتحدة حيث حصلت أمريكا على 50% من صفقات السلاج مع البلدان العربية . ولا يمكن اغفال صفقات السلاح التي وقعها الرئيس ترامب اثناء زيارته الاخيرة الى السعودية في ايار 2017 . قال ترامب في اجتماع القمة العربية الاسلامية في الرياض : "وقعنا اتفاقيات تاريخية مع المملكة (السعودية ) تستثمر ما يقرب من 400 مليار دولار في بلدينا ، وتخلق آلافاً من فرص العمل في أمريكا والسعودية. وتشمل هذه الاتفاقية التاريخية الإعلان عن مبيعات دفاعية للسعودية بقيمة 110 مليار دولار، وسنتأكد من مساعدة أصدقائنا السعوديين للحصول على صفقة جيدة من شركات الدفاع الأمريكية الكبرى. وستساعد هذه الاتفاقية الجيش السعودي على القيام بدور أكبر في العمليات الأمنية." وفيما بعد ، اوضح مسؤولون امريكيون ، انه تم الاتفاق مع السعودية على توقيع صفقات اخرى خلال السنوات العشر القادمة بقيمة 300 مليار دولار ، وان هذه الصفقات ستكون الاكبر في التاريخ ! واثر زيارة ترامب هذه، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، في مايو/أيار 2017، أنّ الولايات المتحدة بصدد بيع الإمارات 160 صاروخ باتريوت، بقيمة إجمالية تقارب ملياري دولار.كما استطاعت شركات الدفاع الأمريكية تحقيق أرقام قياسية في العقود التي وقعتها مع الإمارات في معرض ومؤتمر «إيدكس» 2017؛ حيث استحوذت الشركات الأمريكية على الجزء الأكبر من العقود التي بلغت 90 عقدًا بقيمة إجمالية بلغت 5.6 مليار دولار. ولم تتأخر قطر ، التي وقعت قبل شهرين مع امريكا عقدا لشراء اسلحة بقيمة نحو عشرين مليار دولار من ضمنها شراء طائرات امريكية بقيمة 12 مليار دولار.كما سارعت البحرين، للحاق بسباق شراء الاسلحة الامريكية ، وأعلن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، السيناتور «بوب كوركر»، أنّه يتوقع أن يوافق «ترامب» على صفقة مقاتلات «إف-16» إلى البحرين كانت إدارة الرئيس السابق «باراك أوباما» تماطل في تمريرها قبل اقدامم البحرين على بعض التدابير لصالح حقوق الإنسان وتخفيف القمع ضد المعارضة. وأعلنت شركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية من جهتها ،أنّ توقيع هذه الصفقة التي تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار مقابل 19 طائرة «إف-16»، يعتبر أمرًا حيويًا لبقاء خط إنتاج هذه الطائرات. اما الثقب الثالث الذي ابتلع الاموال العربية والخليجيىة منها خاصة ، تجلى في تدخل هذه الدول في دول الربيع العربي واشعال حرب اليمن . والمشكلة ، ان بعضا من مسؤولي هذه الدول اعتقدوا انهم قادرون باموالهم على لعب دور المقرر للاحداث في المنطقة ، لا بل ان وهم العظمة قد ذهب ببعضهم الى الاعتقاد، بان ملياراتهم ستحولهم الى دول عظمى .لذلك انفقوا بسخاء منقطع النظير على تدخلات ومغامرات وحروب خارجية لا معنى لها . فقد افادت مجلة “فورين بوليسي” (23/7/ 2017) استنادا الى مصادر المخابرات الامريكية ،ان السعودية تنفق يوميا 300 مليون دولار على نفقات الحرب التي تخوضها في اليمن منذ 25 أذار 2015 تحت اسم عاصفة الحزم .وحساب بسيط يظهر ان الرياض قد انفقت خلال السنتين ونصف الماضيتين على حرب اليمن مبلغ 270 مليار دولار. كما كبدت هذه الحرب دولة الامارات خلال هذه الفترة 190 مليار دولار .يضاف الى ذلك ، ان الرياض قدمت الى مصر نحو 30 مليار دولار من اجل انهاء ما اسمي هناك بالربيع المصري، وان ابو ظبي دفعت كذلك نحو عشرين مليا ر، كما انفقت السعودية على المعارضة السورية ضد الرئيس بشار الاسد خلال السنوات السبع الماضي نحو 15 مليار دولار ، وقطر دفعت للغاية نفسه نحو 13 مليار . وبلغ انفاق الامارات في ليبيا 10 مليارات وصرفت قطر خلال الاحداث في تونس 8 مليار دولار . وبذلك تكون دول ثلاث من الخليج قد انفقت نحو ستمائة مليار دولار خلال احداث الربيع العربي ، ولا تزال هذه الاحداث مستمرة . اما الثقب الرابع اللذي يستزف الاموال العربية فهو الفساد المستشري في عدد من الدول العربية . وحسب رئيس منظمة العمل العربية أحمد لقمان، فان حجم تكلفة الفساد قد ارتفعت من 400 مليار دولار عام 2011 الى نحو 800 العام 2016.واضاف : ان استثمار هذا المبلغ كان سيساعد في توفير نحو 18 مليون فرصة عمل جديدة مما سيمكن سوق العمل العربية من استيعاب أفواج كبيرة من الراغبين في الشغل. (قناة سكاي نيوز عربية 23/ 2/ 2016). ويقف العراق في طليعة الدول العربية التي تعاني من الفساد .فقد اعترف رئيس أركان الجيش العراقي السابق الجنرال باباكر زيباري -الذي تقاعد العام الماضي- في حديث لصحيفة الغارديان ،أن الفساد ينخر الجيش العراقي ، فهناك قضية الجنود الوهميين، بالإضافة إلى مناقصات الأسلحة المضخّمة جدا. وقدّر عدد الجنود الوهميين بثلاثمئة ألف جندي.، اضافة الى عقد صفقات وهمية او التلاعب بعقود لشراء اسلحة (صحيفة غارديان 12 /3 /2016) كما أعلن رئيس هيئة النزاهة الأسبق في بغداد رحيم العكيلي، ان العراق قد خسر منذ عام 2003 وحتى الان مئات المليارات من الدولارات ،نتيجة الفساد الذي ظهر على شكل سرقات مباشرة ، واخفاء قيمة ثروات دون دخولها الموازنة، والتواطؤ في بيع اصول الدولة من مشاريع الدولة الزراعية والصناعية . وضرب امثلاعلى ذلك باكتشاف 1000 عقد وهمي . والطريف ، انه لم تتم محاسبة المتورطين بذلك لاسبابا سياسية ! ".( صحيفة روداو العراقية 28/4/2016). وهكذا يظهر ، ان الفساد يمثل احدى العقبات المهمة التي تقف في وجه تطور الدول العربية وتستنزف ثرواتها . ان استعراض الاوضاع المالية في الدول العربية خلال السنوات الماضية ، يؤكد ان الفقر والتخلف القائمان الان في عدد من الدول العربية الفقيرة ،لا يعودان الى انعدام الامكانات المادية والبشرية ، بل الى استشراء الفساد وغياب الادارة الحكيمة وتكديس الاسلحة عديمة الفائدة وعدم استقرار الانظمة السياسية في اغلب الدول العربية والاقدام على مغامرات عبثية . وتتقاسم الدول النفطية العربية جزءا من هذه الاسباب ، بالاضافة الى غياب رؤوية حقيقية وارادة سياسية في استثمار عائدات النفط والغاز العربيين في الدول العربية . بكلمات أوضح ، فان هروب الاموال العربية الخاصة والحكومية الى الغرب ، واشتداد وتيرة تكديس السلاح ، وانتشار وباء الفساد ، تمثل كلها ثقوبا سوداء هائلة ، تبتلع معظم عائدات الثروة العربية . ولنتصور للحظة ، ماذا كان يمكن ان يحصل في المنطقة العربية لو ان عائدات ثروات الطاقة العربية استثمرت في اقامة مشروعات عملاقة عربية ، وانفقت لبناء صناعات مستقبلية في المجالات كلها ، وخصصت هذه الاموال لاقامة تنمية عربية حقيقية . لو حصل ذلك ، لكانت الدول العربية كلها اليوم في مصاف الدول المتقدمة . ولتم دفن الفقر والتخلف، ولبات الاثرياء العرب اكثر اطمئنانا على اموالهم الهائمة على وجهها في اربع جهات الارض ، والتي تتعرض للنهب المنظم والابتزاز الدائمين من جانب الغرب،ومن مضاربي العالم كله.


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة