جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
قراءة هادئة للعقوبات الامريكية على روسيا .(2)

(التأثير والرد المعاكس)
كتب محمد خير الوادي :
سأخالف  آراء مجموعتين وازنتين من السياسيين والباحثين حول تأثير العقوبات على روسيا، وتصرٌف موسكو حيالها . تفترض المجموعة الاولى، ان الرد الروسي على العقوبات الامريكية سيكون كبيرا ومؤلما لأمريكا ، وانه سيتسمر بالتصعيد بشكل مشابه لقرار طرد اكثر من 700 دبلوماسي امريكي من روسيا دفعة واحدة ،ردا على ابعاد نحو ثلاثين من الدبلوماسيين الروس .بينما يمكن اجمال رأي  المجموعة الثانية ،في  ان العقوبات الامريكية ستؤدي في النهاية الى خضوع روسيا الكامل للمشيئة الامريكية،

وتخلي موسكو عن المواقف المستقلة و" المشاكسة " ،ونسيان الطموحات الامبراطورية التي وسمت السياسة الروسية خلال السنوات الاخيرة . بالنسبة للمجموعة الاولى ، اقول : كنت اتمنى ان تتمكن روسيا من وقف العربدة الامريكية ووضع حد لسياسة القرصنة التي تمارسها واشنطن على الصعيد الدولي ، والوقوف في وجه سياسة الهيمنة والاملاء الامريكية في العلاقات الدولية ،ولكن الواقع والوقائع تعطي صورة مغايرة . فالرد الروسي على العقوبات سيبقى محدودا ومسقوفا بعاملين اثنين ، اولهما ،عدم توفر القدرات الكافية لدى موسكو لمعاقبة واشنطن ، وثانيهما عدم الرغبة في حرق الجسور كلها مع ادارة الرئيس ترامب الراغب بتحسين العلاقات بين الدولتين .وفي التفصيلات ، روسيا لا تملك تأثيرا حاسما - كما أمريكا -على النظام المالي العالمي .فهذا النظام يبقى – للأسف – خاضعا لهيمنة الدولار، ورهينة بيد وزارة الخزانة الامريكية والمؤسسات المالية الدولية الاخرى التابعة لها . ثم ان حجم الاقتصاد الروسي الذي لم يتجاوز دخله القومي السنوي عام 2016 ترليون ومئتي مليار دولار (اسبانيا تملك المبلغ نفسه) ،لا يوازي الاقتصاد الامريكي الذي وصل ناتجه القومي اكثرمن 17 ترليونا في العام المنصرم . يضاف الى ذلك ، ان الاقتصاد الامريكي يسير نحو النمو ، بينما لا يزال الاقتصاد الروسي يعاني من أزمة عميقة وشامله بسبب العقوبات الاوربية وعوامل ذاتية اخرى .( في العام 2016 انخفضت قيمة صادرات النفط والغازالروسيين من 356 مليار عام 2013 الى 150 مليار دولار )، وتدهور سعر صرف الروبل . هذه الارقام وحدها تعفيني من الاسهاب في الجواب ،حول امكانية موسكو توجيه ضربات جوابية مؤلمة للاقتصاد الامريكي . ومع ذلك ، وهنا انتقل الى مناقشة آراء المجموعة الثانية ، فان محدودية القدرات الاقتصادية الروسية لا تعني ابدا ان موسكو ستمتثل للارادة الامريكية وتتخلى عن خطها الاستقلالي في سياستها الخارجية والدفاعية . و من اجل توضيح الصورة ، لا بد من أخذ العوامل التالية عند الحديث عن تأثير العقوبات على روسيا : العامل الاول ، ان روسيا دولة عظمى غنية وتملك قدرات عسكرية ونووية وفضائية هائلة ، وفيها نظام سياسي قوي وصلب . فاذا كانت العقوبات الامريكية والعالمية قد عجزت عن اخضاع دولة صغيرة مثل كوريا الشمالية ، فانني اعتقد ان نظام العقوبات لن يجد كثيرا مع دولة كبرى وشاسعة كروسيا .ومن الصعب جدا ترويض الدب الروسي وادخاله في الحظيرة الامريكية . ثانيا :لسوء حظ الغرب ، ان قيادة روسيا يتولاها الرئيس بوتين ، الذي عُرف عنه انه لا يخضع للضغوطات الخارجية ، ولا يتنازل امام سياسة الابتزاز ، ويسعى لتمييز السياسة الروسية عن مثيلاتها في الغرب .وقد وفر له منهاجه القائم على العمل لرد الاعتبار لروسيا وحماية مصالحها الخارجية ، دعما شعبيا وكنسيا كبيرين ، وفجر مشاعر العزة القومية الروسية . ثالثا : لقد اعتاد المواطن الروسي على العقوبات وحياة الضنك منذ عهد الاتحاد السوفياتي والحرب العالمية الثانية ، وهناك رأي شعبي سائد يقول : طالما يتوفر الخبز ، فكل شيء يهون ! كما ان الاقتصاد الروسي بدأ يتكيف مع العقوبات السابقة التي فرضتها اوربا وامريكا على روسيا اثر ضم القرم عام 2014. فلم تُفقد السلع الرئيسة من الاسواق ، ونما انتاج الحبوب والمواد التموينية الاخرى التي كانت تستورد من الخارج ، ورفعت الحكومة شعار : زيادة الانتاج المحلي لتعويض الاستيراد.ولذلك ، لن تتحقق امنيات من خططوا للعقوبات ، بان الشعب الروسي سينتفض ضد الرئيس بوتين ، وسينهار النظام هناك تحت وطأة الغضب الشعبي . ومع ذلك ،ولنكن موضوعيين ، فان العقوبات الامريكية ستزيد من مصاعب الاقتصاد الروسي ، خاصة لجهة عرقلة تدفق الاستثمارات الاجنبية ، وتوفير الاموال اللازمة لتطوير قطاعات الطاقة والصناعات الدقيقة .كما سيبرز مزيد من المشكلات امام المصارف الروسية في التحويلات المالية منها واليها ،ويمكن ان تُفاقم العقوبات امكانية حصول روسيا على التقانة المتقدمة ، والاستفادة من الاختراعات العلمية العالمية .لقد طرحت الحكومة الروسية خلال السنوات الماضية خططا طموحة لتطوير الشرق الاقصى الروسي ومد سكك حديدية جديدة ،واقامة مصانع عملاقة ، وتطوير منابع النفط والغاز في الشمال الروسي وفي المناطق القطبية ، وبناء مزيد من خطوط نقل الغازوالنفط الى الخارج .وستؤثر العقوبات الامريكية على تمويل جزء من هذه المشروعات .فهذه المشروعات تحتاج الى اموال هائلة وتقانة عالية ، وهذان العنصران – واعني المال والتقانة – متوفران في اوربا وامريكا واليابان ،وجزئيا في منطقة الخليج العربي، وكلها مناطق واقعة ضمن النفوذ الامريكي . وكما اشرت في مقالي السابق ، فانه سيصعب العثور على ممول اجنبي يغامر في الاستثمار في روسيا بمبالغ كبيرة تتجاوز ما حددته العقوبات الامريكية .ثم ان هناك مسألتين متعلقتين بهذا الامر لا بد من التوقف عندهما ، الاولى هي اموال الاثرياء الروس والتي تقدر بنحو تريلون دولار . ومشكلة هذه الاموال ،ان جُلها موجود خارج روسيا في مصارف غربية ، تقع تحت رحمة امريكا ،او مجمدة في عقارات واراض تقع كلها في دول اخرى . ثم ان اصحاب هذه الاموال قد اخرجوها اصلا من روسيا باساليب احيانا غير شرعية ، ولا أدري هل سيغامر هؤلاء باعادتها مرة اخرى الى روسيا ؟ علما ان الرئيس بوتين شخصيا قدم تسهيلات وضمانات كبيرة لاصحاب هذه الاموال، ومع ذلك كانت النتائج متواضعة جدا . والمسألة الاخرى هي امكانية الاستفادة من الاموال الصينية واستثمارها في المشروعات الروسية ،وتملك الصين احتياطيا كبيرا من العملات الاجنبية يقدر بنحو اربعة ترليونات دولار.ومسالة الاستثمار الصيني في روسيا بالاصل معقدة . واسوق مثالا واحدا على ذلك ،فقد اتفق الجانبان على تطوير حقول الغاز والنفط في سيبيريا ، ووقعا عام 2014اتفاقيات بنحو 400 مليار دولار ، لكن بكين لم تدفع حصتها في تطوير تلك الحقول حتى الآن ، متذرعة بانخفاض سعر النفط . ولنلاحظ انه لم تكن هناك عقوبات امريكية على روسيا في ذلك الوقت . واعتقد ، ان موضوع الاستثمار الصيني الان في روسيا بات اكثر تعقيدا . والعلاقات الصينية الامريكية متطورة جدا ، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين الجانبين نحو 500 مليار دولار جله لصالح بكين،مقابل 50 مليار مع روسيا ،اضافة الى ان بكين قد اشترت سندات من الحكومة الامريكية بمبلغ نحو تريليون دولار . لهذه الاسباب ، فانني لست واثقا ، ان الشركات والبنوك الصينية يمكن ان تغامر باغضاب امريكا عبر ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الروسي . والسؤال الذي ينهض الآن :ماذا يمكن ان تفعل الحكومة الروسية لمواجهة مستحقات هذه المرحلة ؟ اعتقد ان هناك طريقين امام القيادة الروسية : اما تأجيل المشروعات الكبيرة التي تتطلب تمويلا كبيرا بالقطع الاجنبي ، وهذا التوجه ينطوي على افرازات سلبية تتمثل في تخلف الاقتصاد الروسي ،وعزله عن تيارالتقدم و الابداع والمعرفة العالمي ، والخيار الثاني يكمن في ان تتخذ القيادة الروسية قرارا جريئا بالبدء في تنفيذ خطط الاصلاح الجذري في الاقتصاد ، والتي كانت مؤجلة لما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة .وكلا الامرين ليس سهلا . فالرئيس بوتين بحاجة الان الى استقرار الوضع الداخلي لمواجهة مرحلة طويلة من العقوبات الامريكية والاوربية واستحقاق الانتخابات الرئاسية العام القادم، بينما يتطلب الاصلاح اتخاذ خطوات غير شعبية ،قد تطال ايضا اصحاب رؤوس الاموال الروس،وهذا يمكن ان يولد سخطا شعبيا مؤقتا وهروب جديد لاموال الطغمة المالية .لقد وقف الصينيون قبل نحوثلاثة عقود ونصف أمام هذا الخيار ، وآثرواسياسة الاصلاح والانفتاح ، وقد برهن الزمن على صحة وسلامة قرارهم هذا .15/8/2017


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة