جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
قراءة هادئة للعقوبات الامريكية على روسيا .(1)

كتب محمد خير الوادي :

بعد هدوء حدة الغضب الروسي على العقوبات الامريكية ، بدأت تنتشرفي روسيا بعض الاراء المُطمٌئنة  ، والتي تعوٌل على ادارة ترامب في عدم الالتزام الكامل بتلك  العقوبات ، لا بل ان  البعض اعتبر قرارات الكونغرس  مجرد فورة سخط ، فرضتها اعتبارات داخلية امريكية ، ستزول مع الزمن ! كما تحاول تلك الاصوات تحييد الرئيس ترامب  وايجاد الاعذار له لتوقيعه  قانون العقوبات 

،وتتهم اطرافا معادية لروسيا بالوقوف وراء ذلك . واضح ان اصحاب تلك الآراء ، يحاولون انقاذ العلاقات الامريكية – الروسية ، عبرالايحاء ان عوامل التفاهم اكبر وأكثر من اسباب القطيعة بين الدولتين . وانا – بدوري – اتمنى الانضمام الى معسكر المتفائلين هذا ، لان التفاهم بين روسيا وأمريكا ، كان دائما افضل من الخصام والحروب الباردة .لكن القراءة الهادئة لنصوص العقوبات تجرنا بعيدا عن حقول التفاؤل ازاء مستقبل التعاون الروسي الامريكي . اولا : هذه العقوبات التي رفعت الى مستوى قانون ، ليست كالعقوبات الاوربية مرتبطة بفترة زمنية تتجدد كل ستتة اشهر ،وانما هي مفتوحة لن تزول الا بزوال اسبابها. وثانيا : ان قائمة الاتهامات التي تستند اليه هذه العقوبات واسعة الطيف ،فهي تتراوح بين التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية وفي أوكرانيا وضم القرم والتجسس الالكتروني ،وحقوق الانسان والفساد في روسيا ودعمها لسورية ،وبث انشطة معلوماتية خبيثة وتهديد الدول المجاورة . ويكفي بقاء اتهام واحد ، لاستمرار تلك العقوبات . ثالثا : قرر الكونغرس الامريكي معاقبة الرئيس ترامب سلفا ودون انتظار ظهور نتائج لجان التحقيق التي تتقصى علاقات حملته الانتخابية بروسيا . وجاءت العقوبة بشقين : ضد روسيا- كما بينا - عبر حظرالتعامل معها ، وبحق ترامب من خلال سحب صلاحياته في امكانية تجميد أو الغاء العقوبات . وقد حشرت هذه الاجراءات الرئيس ترامب في زاوية ضيقة ،وادخلته في حقل الشبهات ،ان هو حاول الاقدام على اية خطوة لتحسين العلاقات مع موسكو .وهذه سابقة في التاريخ الامريكي ، ان يُتهم رئيس امريكي بالتعامل مع دولة "عدوة " ويوضع قيد الاختباروالتدقيق . انتقل الان الى مضمون العقوبات الامريكية الجديدة على روسيا . اعتقد ان استعراض تفصيلات تلك العقوبات ،يشير الى توجه خبيث لدى الكونغرس ، يتجلى في السعي الى عزل روسيا عن النظام المالي الدولي وانهاكها اقتصاديا و" تجفيف" مصادر تمويلها ،وتهويل اخطارها على العالم .ولا يوجد تفسير آخر لتلك العقوبات .وسنصنف العقوبات في المجالات التالية : في القطاع المالي : تُلزم العقوبات الشركات والافراد الاميريكيين بعدم الاستثمار في الاقتصاد الروسي بمبالغ اكثر من مليون الى عشرة ملايين دولار ، كما تمنع شراء اسهم الشركات الخاصة وتلك التي تصدرها الحكومة الروسية . كما حظرت التعامل مع البنوك الروسية الاساسية مثل زبير بانك ،ف ت ب و غازبروم وغيرها ، وخفضت مدة الائتمانات البنكية الى ادنى فترة وهي 15 يوما. والاخطر من ذلك كله ، ان العقوبات الامريكية تعرقل منح الشركات الروسية الحكومية وحتى الخاصة اية قروض دولية بالدولار ، حتى لو كانت المؤسسات والبنوك المانحة غير امريكية ، ولكنها تتعامل بالدولار الامريكي . وسيكون من الصعب العثور على رجل اعمال او مصرف يغامر مسؤولوه بدخول السجن في امريكا لمدة عشرين عاما او دفع غرامات هائلة تصل المليارات بتهمة "خرق العقوبات".وأكرر، حتى لو كان هذا المسؤول غير أمريكي ولا يعيش في أمريكا ! كما يطالب قرار الكونغرس الذي وقعه ترامب وبات قانونا، باعداد تقرير مستقل لتحديد ووقف التدفقات المالية غير المشروعة المرتبطة بروسيا، وبيان "انعكاساتها على النظام المالي في الولايات المتحدة اوعلى حلفائها الرئيسيين". كما يلزم قانون العقوبات الادارة الاميركية ،اعداد تقرير آخر في غضون 180 يوما عن ممتلكات الشخصيات السياسية والمسؤولين الروس المقربين من النظام. وستكون هذه اللائحة اساسا لعقوبات مستقبلية على الافراد المقربين من الرئيس بوتين . وقد استهدفت العقوبات الامريكية قطاعا آخرحساسا يشكل مصدر تمويل اساسي للاقتصاد الروسي ، وهو قطاع الطاقة .فبموجب العقوبات الجديدة ، يحظر على الشركات الامريكية بيع تجهيزات للتنقيب على النفط والغاز في اعالي البحار والمحيطات ، ( وهذا يهدف الى عرقلة الخطط الروسية للتنقيب عن النفط والغاز في المحيط المتجمد الشمالي )والبحث عن النفط الصخري داخل روسيا وخارجها ، ومعاقبة مجموعات أوروبية شريكة في مشروع انابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي يفترض ان يسرع نقل الغاز الروسي الى المانيا اعتبارا من 2019. وحاول البيت الابيض طمأنة الاوروبيين من خلال عرض "صياغة جديدة" من شأنها أخذ مخاوفهم في الاعتبار.باضافة عبارة "وستُأخذ مصالح حلفاء امريكا بالاعتبار عند تطبيق العقوبات ". وتمنع العقوبات الامريكية تقديم قروض الى شركات الطاقة الروسية . ويشير قانون العقوبات الى ضرورة العمل على تقليص الهيمنة الروسية على سوق الطاقة الاوربي ، ومساعدة أوكرانيا في العثور على بديل لعائدات مرور الغاز الروسي ،وتقليص العائدات المالية من الطاقة الى روسيا . ولم توفر العقوبات الامريكية المجالين الامني والعسكري في روسيا ، حيث تم ادراج نحو ثلاثمائة شخصية روسية اغلبهم عسكريون وامنيون في قوائم المقاطعة ،اضافة الى ادخال مؤسسات للصناعات العسكرية وجهاز المخابرات وقيادة الاركان الروسية في القائمة الامريكية السوداء . كا تمنع العقوبات تصدير اية معدات عسكرية لروسيا ومواد واجهزة ثنائية الاستخدام .وفي مجال آخر ،يدعو قانون العقوبات الادارة الاميركية الى انفاق 250 مليون دولار في موازنة 2018-2019 لمواجهة الحملة الدعائية الروسية في الخارج ، والتصدي للهجمات الالكترونية الروسية ومعاقبة الاشخاص الروس المسؤولين عن هذه الهجمات . ماذا يعني هذا كله ؟ انه ببساطة يعني اعلانا لحرب تجارية امريكية مفتوحة ضد روسيا ، وتصعيدا لاوار حرب باردة ضدها . وليس عبثا ، ان يشير المسؤولون الروس الى التدهور الشديد في علاقات البلدين ، والذي بلغ ادنى مستوى له منذ انتهاء الحرب الباردة . وكي تكتمل الصورة ، تجدر الاشارة الى حمى العداء لروسيا ، والتي تجتاح أمريكا الان . وهناك مؤسسات واجهزة اعلام في امريكا بات لا عمل لها سوى شيطنة روسيا وتصويرها على انها "دولة مارقة تهدد أمن الولايات المتحدة ". وقد حققت هذه الحملات نجاحا كبيرا ،والدليل على ذلك اجماع الحزبين الامريكيين الجمهوري والديمقراطي ،على العداء لروسيا ، وشل ادراة ترامب بتهمة التواطؤ مع موسكو ،وتخويف اوربا ودول الاتحاد السوفياتي السابقة من " أخطار التمدد الروسي " . باختصار يسعى المجمع العسكري والامني الاميركي واوساط قوية في مجمعي الطاقة والاعلام وكبرى الاحزاب الى العمل على خلق " عدو خارجي " جديد يصرف الامريكيين عن مشكلاتهم الداخلية الحقيقية ويسوٌغ نشوء مكارثية جديدة ، تعمل هذه المرة تحت شعار العداء لروسيا! في ظل هذه الاجواء المشحومة بالكراهية وحب الانتقام ، فانه من الصعب الافتراض بتحسن قريب للعلاقات الامريكية الروسية ،لا بل ان هناك آراء وازنة صدرت في كل من موسكو وواشنطن تقول ان اجراءات الكونغرس هذه عطلت فرص التقارب بين الدولتين لعشرات السنين . في المقالة القادمة سنتحدث عن تأثير العقوبات الامريكية على روسيا وسياستها الداخلية والخارجية .


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة