جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الزعيم الاخضر

كتب محمد خير الوادي :
لم اقصد بهذه التسمية المرحوم معمر القذافي وكتابه الاخضر الذي قاد الى خراب ليبيا، وانما اردت الحديث عن شخص آخر  من كوريا الجنوبيه ، أكن له كل الاعجاب والاحترام . انه لي ميونغ باك ، الزعيم الكوري الجنوبي الذي التقيته عدة مرات :

الاولى عندما جاء الى الصين عام 2004 لتدشين أكبر معمل لشركة هونداي التي كان يرأسها ، والمرة الثانية في بكين عام 2006 عندما شارك في مؤتمر دولي للمدن الخضراء بصفته عمدة مدينة سيؤول ، وكنت حاضرا فيه ، والمرة الاخيرة في روسيا عام 2014 حيث جاء محاضرا في منتدى الاقتصاد الاسيوي ، بعد ان انهى فترة رئاسته لكوريا الجنوبية التي امتدت خمس سنوات ما بين اعوام 2008-2013. مثٌل ميونج باك - بالنسبة لي شخصيا – أنموذج الانسان المكافح والطموح ، الذي تمكُن بارادته القوية وتصميمه الفولاذي ،من الانتصار على الفقر والتخلف والعزل السياسي ، ليصل الى مصاف الشخصيات العالمية التي حكمت كوريا الجنوبية ،وتركت اثارا كبيرة على تطورها ونهضتها الحالية . اريد من هذه المقالة ، ان اشارك القراء الاعزاء مضمون هذه اللقاءات ، وان انقل اليهم حصيلة التجارب الغنية لهذه الشخصية الفذة ، في الحياة والادارة والحكم ، علٌ ذلك يكون مفيدا للنهوض ببلادنا وبنائها . تم اللقاء الاول بدعوة من لي ميونغ باك نفسه لحضور حفل افتتاح معمل تصنيع سيارات هيونداي في الصين .وجلست مع عدد من السفراء الاجانب على الطاولة الرئيسية . القى باك – باعتباره رئيسا لمجلس ادارة الشركة – كلمة ترحيبية تحدث فيها عن الشركة وعن اسهامه مع زملائه في تطويرها .ولفت انتباه الجميع تركيزه على قيم الطموح والعمل الجاد واحترام العمل وشرفه ، وتأكيده ان التصميم وارادة التغيير والتخلص من الفقر والتخلف ، كلها كانت المحرك الاساسي لنجاح العمل .جلس باك بعد القاء كلمته على الطاولة الرئيسية لتناول وجبة الغداء ، ولحسن الحظ انني كنت بجانبه . قلت له : اعجبتني اشارتكم الى ان ارادة التخلص من الفقر ، مثلت حافزا قويا لنجاحكم . نظر الى باك بتأمل وقال : يعتقد الاجانب اننا في كوريا لم نعاني من الفقر والجوع . وهذا ليس صحيحا .لقد كانت كوريا بلدا متخلفا يكابد سكانه الجوع والامراض ، لا سيما في الريف الذي نزح سكانه الى المدينة بحثا عن العمل . لقد انتقل مؤسس شركة هونداي شونج جو يونغ - مثل غيره - الى المدينة هربا من الجوع ، وانا نفسي لا زالت ذكرياتي الأولى عن الجوع والفقر تؤلمني حتى اليوم . لقد غرس الفقر مخالبه الموجعة بعائلتنا كما يغرس العلق خرطومه بالجسم ، ولا زالت الرائحة الكريهة النفاذة لأحشاء السمك واكداس القمامة المكومة والمتعفنة في سوق قريتنا ،تزكم انفي حتى الان . ومضى الرجل سارحا في ذكرياته المؤلمة عن تلك الفترة قائلا : لم أكن أجد ما يسد رمقي من الطعام ، واضطررت للعمل من أجل مساعدة والدتي في اعالة الاسرة , عملت جامعا للقمامة ، ونظفت المراحيض وبعت الصحف في النهار، وكنت ادرس في المساء . لم يكن لدي ثمن الكتب ، وقد ساعدني صاحب احد محلات الكتب القديمة في الحصول مجانا على كتب جامعية مستعملة . كنت مصرا على تغيير واقعي المؤلم هذا وكسر طوق الفقروالاوساخ الذي احاط بنا في القرية . وقد حاولت ذلك عندما شاركت في مظاهرات الطلبة احتجاجا على الفقر والفساد ، لكن السلطات العسكرية اعتقلتني واودعتني السجن ، ومنعتني من التوظف بعد ان تخرجت من الجامعة . بحثت طويلا عن عمل ،الى ان ساعدني مؤسس هونداي في توظيفي محاسبا في فرع الشركة في تايلاند ، لانني كنت ممنوعا من العمل في كوريا . انتهى حديث باك. وعرفت فيما بعد ، ان لي ميونغ باك قد عمل سبعة وعشرين عاماً في شركة هونداي ،وانه بفضل كدٌهه واخلاصه وحزمه الاداري وتفانيه في العمل ، ترقى بسرعة في سُلمها الوظيفي حتى اصبح مديراً عاماً للشركة العملاقة عام 1977 ،وكان عمره آنذاك اقل من 35 عاما .وقد تمكن باك من قيادة الشركة التي كان عدد عمالها عندما استلم ادارتها 90 موظفا ،الى النجاح الباهر، وبات عدد موظفيها – عندما ترك الشركة - 160 ألفا ، وقام بفتح اسواق جديدة لها في في العراق والسعودية والكويت، وفي ماليزيا و روسيا وامريكا،والصين وأمريكا اللاتينية . والشي المهم الذي ذكره باك في حديثه آنذاك ، هو تركيزه كذلك على تنظيف البيئة وعدم تلويثها ، وقال : لقد اتخذنا اجراءات جذرية من أجل بيئة خضراء ،اهمها انتاج سيارات وآليات صديقة للبيئة ، والتركيز على انتاج اجهزة الطاقة البديلة . ولقائي الثاني مع لي ميونغ باك تم – كما ذكرت – عام 2007 في مؤتمر نظمته الامم المتحدة في بكين حول مكافحة التلوث في المدن .تحدث باك عن تجربته في الحفاظ على البيئة في عاصمة كوريا ، وقال : ان الشرط الاساسي لمكافحة التلوث هو القضاء على الفقر ونشر ثقافة البيئة الصديقة . ولذلك – والكلام لباك -أوليت اهتماما كبيرا لتحسين مستوى الحياة في الاحياء الفقيرة في سيؤول والتي كانت مشهورة باحزمة بؤسها ، وتمكنت من اعادة تنظيم هذه الاحياء وتحويلها الى مناطق نظيفة وعصرية متطورة وخضراء ،يقصدها الناس للراحة والاصطياف . وأضاف : لقد تجلت احدى اكبر المشكلات البيئية في العاصمة في وجود نهر كبير تم تجفيف مياهه واستخدام حوضه مكبا للقمامة ،واراض لبناء المناطق العشوائية المخالفة . لقد ناضلت طويلا ضد المافيا المستفيدة من بيع اراضي النهر ، وتحركت باتجاه خلق مساندة شعبية لمشروع احياء النهر . وقد نجحت في ذلك وبات هذا النهر الان بعد اعادة المياه النظيفة الى مجراه ، من أجمل مناطق سيؤول الخضراء ومتنفسا للمدينة ذات الملايين العشرة . لكن اللقاء الاهم الذي جمعني مع باك، كان في منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي والذي جرى في روسيا عام 2014.وخلال تلك الفترة التي لم نجتمع فيها ، تم انتخاب لي ميونغ باك رئيسا لكوريا الجنوبية عام 2008 تقديرا لنجاحاته في شركة هونداى وكمحافظ للعاصمة .وبقي في منصبه حتى العام 2013 . في المنتدى ، تحدث باك عن تجربته في تطبيق "الاقتصاد الاخضر " و تخليص بلاده من التلوث الذي بات – كما قال – خطرا كبيرا يهدد الحياة فيها . واضاف باك : بعد ان استلمت مهامي رئيسا لكوريا الجنوبية في 25 شباط فبراير 2008 ، بادرتُ الى طرح سياسة النمو الاخضر واتخذتُ الاجراءات الكفيلة بتنفيذ هذه السياسة . ففي كانون الثاني (يناير) 2009 ، تم انشاء اللجنة الرئاسية للنمو الأخضر كأعلى هيئة استشارية وتنسيقية بين الوزارات ومع القطاعين العام والخاص. وتم تخصيص الاموال اللازمة للسير قدما في برنامج التنمية الخضراء .وفي كانون الأول (ديسمبر) 2009 ، أقرت الجمعية الوطنية بالاجماع القانون الاطاري للنمو الأخضر المنخفض الكربون ، لتوفير الدعم القانوني لجميع الأعمال الحكومية المتعلقة بالنمو الأخضر. واعتمدت اللجنة الرئاسية للنمو الأخضـر استراتيجية وطنية طويلة الأجل، إضافة إلى خطة خمسيـة (لخمس سنوات). ووفق مقتضيات القانون الإطـاري، أعـدت 16 حكومـة محلية خططهـا الخمسية للنمو الأخضر. كما اعتمدنا الخطة الوطنية للتكيف مع تغير المناخ عام 2010 , وتم تأسيس المركز الوطني للتكيف مع تغير المناخ.وادركت – والكلام لباك - ، انه لا بد من نشر الثقافة الخضراء بين الشعب ،وتعميم قيم العيش الأخضر. ولذلك ادخلنا مادة النمو الاخضر في الكتب المدرسية ، وشجعنا المؤسسات المتخصصة على تقديم دروس ومحاضرات حول الثقافة الخضراء، واعتمدنا برامج خاصة لطلاب الجامعات، مثل برنامجي «الحرم الجامعي الأخضر» و»الكلية الخضراء». وقد تحسن فهم الناس لمشكلة تغير المناخ. والزمنا المتاجر الكبيرة بالتوقف عن تقديم أكياس البلاستيك، وتناقص حجم النفايات المنزلية سريعاً. وتم إصدار أربعة ملايين «بطاقة خضراء» للمؤسسات والافراد المنتجين للسلع النظيفة بيئيا ، وازداد استهلاك المنتجات الصديقة للبيئة. ووضعنا خطة لرفع عدد السيارات الهجينة والكهربائية في البلاد إلى 3,65 مليون سيارة بحلول سنة 2020. وتوسعت ممارسة النشاطات والهوايات الخضراء، مثل ركوب الدراجة الهوائية والزراعة في المدن، وتنمية صناعات التدوير اي اعادة الاستخدام . واضاف – باك - لقد نظمت اللجنة الرئاسية للنمو الأخضر كل سنة مسابقة "المدينة الغنية بيئياً" التي شاركت فيها أكثر من 250 حكومة محلية ،تعرض رؤياتها واقتراحاتها المستقبلية. وقد حصلت 37 مدينة على هـذا اللقب، إذ أظهـرت قدرة مذهلة على التنويع والإبداع والالتزام الحماسي بالنمو الأخضر. وبعد اربع سنوات ،انخفض استهلاك النفط في كوريا الجنوبية بمعدل 5%، و ازداد استغلال الطاقة الشمسية وطاقة امواج البحر والرياح 11 ضعفاً ، كما نما حجم الوظائف المتوفرة في قطاع الطاقة الجديدة والمتجددة أربعة أضعاف. ونما حجم المبيعات والصادرات النظيفة بيئيا نحو سبعة أضعاف، والاستثمارات الخاصة خمسة أضعاف،ووصل عدد المحميات الطبيعية في البلاد الى 244 محمية .ووا صل باك : لاول مرة منذ سنوات طويلة ، بات سكان كوريا الجنوبية يتمتعون بسماء زرقاء وماء نقي وهواء غير ملوث ، ويأكلون مواد غذائية صحية نظيفة . بعد انتهاء الجلسة ، تقدمت من السيد لي كيوان باك وهنأته على حديثه ، وذكرته بلقاءاتنا في بكين ، ورجوته ان نواصل الحديث عن تجربته في التنمية الخضراء وفي الحكم .وافق لي ، وجلسنا في طرف بعيد من قاعة المؤتمر. سألته : ما هي الاسس التي قامت عليها سياسة التنمية الخضراء في كوريا الجنوبية ؟ اجاب باك : منذ البداية كنت مدركا ، ان الشرط الاساسي لاحداث ثورة بيئية في كوريا هو القضاء على الفقر . فالفقر هو عدو الانسان وعدو الطبيعة بآن واحد . فالشخص الفقير لا يمكن ان يكون مساهما نشطا في التطور الاخضر . لذلك ، سرنا في طريقين بآن واحد ، الاول السعي لتحسين مستوى الحياة في الاحياء والمناطق الفقيرة وتوفير متطلبات نموها وتقدمها ، والطريق الثاني تجلى في تطوير البنية الخضراء في كوريا .وهناك أمر مهم كذلك وهو انه دون دعم شعبي كبير ، فانه يستحيل تنفيذ برامج التطور الاخضر . وحتى تحصل على هذا الدعم الشعبي لابد من ان يشعر الناس بفوائد الاقتصاد الاخضر وانعكاساته الايجابية على حياتهم . وآنذاك فقط سيدعمك الشعب . وسألته : ما هي اهم الدروس التي استخلصها من تجربته في الحكم والادارة ؟ أجاب : بالنسبة لي شخصيا ، فانني انصح جميع المسؤوليين بان يكونوا قريبين من الفئات الفقيرة في الشعب ، فهذه الفئات تمثل الحلقات الاضعف في السلسلة الاجتماعية ، واذا ما كُسرت هذه الحلقات ، فان العقد الاجتماعي كله سيتعرض للخطر . وهذا القرب من الفئات الفقيرة يمكٌنك من معرفة الواقع واصدار القرارت الصحيحة وكسب ثقة الناس ، وضمان الامن الاجتماعي للبلد . لقد سعيت بكل جهدي لمد الجسور مع الفقراء من أجل الارتفاع بهم الى مستوى حياة اعلى . وربطت القول بالفعل ، فقد تبرعت بكل أموالي للفقراء، ولم اترك لاولادي شيئا . لقد اسست باموالي الخاصة التي جمعتها من خلال حياتي المهنية ، صندوقا لتقديم المساعدات للطلاب الفقراء وتقديم الرعاية الصحية لمن لا يملك ، ومساعدة المدارس في المناطق الفقيرة . هذه الخطوة وثقت العلاقات بيني وبين اغلبية الشعب الكوري الجنوبي .والنصيحة الثانية التي اقدمها ،هي التركيز على المعرفة وتأهيل الكادر لنجاح التنمية . انت تعرف ان كوريا الجنوبية فقيرة في مواردها الطبيعية ، نحن نستورد الحديد من اوستراليا والبرازيل ، والطاقة من الشرق الاوسط والاخشاب من افريقيا وروسيا . وفقرنا في الموارد الطبيعية دفعنا الى الاهتمام بالمعرفة والتقدم العلمي التقني وتأهيل الكوادر ذات المستوى العالي . لقد استبدلنا اقتصاد المواد الاولية والصناعات المفرطة في استهلاك الطاقة والمواد الخام ،باقتصاد المعرفة والبرمجة والروبوتات ( الاشخاص الآليين)والصناعات الالكترونية .واعتقد ، بان كوريا حققت تقدما مذهلا في هذه المجالات . فهي رائدة في تصنيع الهواتف النقالة والالكترونيات الاخرى والسفن العملاقة والسيارات والمفاعلات النووية والصناعات الخضراء . وكوريا اليوم في مقدمة الدول في انتاج اجهزة الطاقة البديلة الشمسية وتلك التي تعمل على امواج البحر والرياح .لقد عوضنا فقرنا في الثروات باقتصاد المعرفة .ونصيحتي الاخيرة لكل المهتمين هي الاهتمام بالطبيعة . فالصداقة مع البيئة توفر لك طبيعة خلابة وشعبا قويا لا يعاني من الامراض ،وتخلص ملايين الناس من البطالة ،وتوفر سبل العيش المتقدم والمريح . وكان آخر سؤال طرحته عليه هو: ما هي اخطر المشكلات الى واجهها كرئيس ، وكيف تغلب عليها ؟ نظر باك الى ساعته ، وقال : الوقت محدود جدا لدي ، فانا سالتقي بعد قليل مع الرئيس بوتين .الجواب باختصار ، نحن لا زلنا في حالة حرب مع النظام القائم في الشطر الشمالي لكوريا . لقد اخفقت كل مبادرات السلام التي طرحناها . نحن نريد الوحدة ، لكننا غير مستعدين لنضحي بتقدمنا الاقتصادي وبديمقراطيتنا ثمنا للوحدة مع الشمال . النظام هناك شمولي ووراثي ، وهو يرفض اي تغير في بنيته ، ويطلق التهديات العسكرية تجاهنا .وهذا فرض علينا ان نخصص جزءا من دخلنا للاغراض العسكرية لحماية امنا . ومع ذلك ، لقد اتخذنا قرارا استراتيجيا ،هو ان تعزيز قدراتنا الدفاعية يجب الا يكون على حساب رفاهية الشعب ، لا بل ان التحسين المستمر في مستوى حياة الناس وتعميق الديمقراطية ، يحفزان الشعب اكثر على الدفاع عن وطنه وحماية مكتسباته . الحروب وعسكرة المجتمع لا تحل المشكلات . لقد جربنا طويلا الديكتاتورية العسكرية التي حكمتنا وقضت على الديمقراطية في كوريا الجنوبية بذريعة التصدي لنظام كوريا الشمالية . لكن الشعب اسقط هذه الديكتاتورية وبنى نظاما تعدديا ديمقراطيا خاضعا بالكامل لرقابة الشعب ومشيئته . ولا يستطيع الآن اي رئيس ان يستبد بالحكم ، لان الشعب قد فرض دستورا منع فيه الرؤوساء من تمديد حكمهم اكثر من فترة خمسة سنوات . وانت ترى ان الرؤوساء في كوريا الجنوبية يُحاسبون على اخطائهم وليس لهم حصانة. حتى انا لم اسلم من النقد والمحاسبة عندما اُتهم اخي الاكبر بالفساد واعتقل وطُبق عليه القانون . لقد اثبتت الديمقراطية انها افضل بكثير من الحكم الشمولي ، فهي تمنع الاستبداد وتوفر الظروف المناسبة للتطور والتقدم .( انتهت اقوال الرئيس الكوري الجنوبي ) لم التقي لي ميونغ باك بعد ذلك ، لكن سيرة هذا الرجل وكفاحه لتغيير واقعه الشخصي، والانجازات التي تركها ، بقيت شواهد في ذاكرتي على عظمة الارادة البشرية ، وقوة الطموح والتصميم وحب الشعب . وظل باك صادقا مع نفسه طيلة حياته . فهو قد اعلن بانه قد خدم كوريا عندما قاد الشركة الى ترأسها من الحضيض الى قمة التطور في العالم ، وكان يردد دائما ان منتجاته هي خير سفراء لبلاده . وهو قد غيٌرَ واقع الفقراء في عاصمة بلاده - عندما صار محافظا - ورفع مستوى معيشتهم وحسٌن حياتهم وخلصهم من براثن التخلف والبؤس .وهو قد انقذ بلاده كلها من خطر التلوث عندما تبنى ونفذ السياسة الخضراء . لقد اشار باك في مذكراته التي اسماها "الطريق الوعر" ، الى ان هدف اي سياسي يجب ان يكون خدمة الوطن وليس الحزب التي ينتمي اليه أو يمثله ، فحب الوطن وخدمة الشعب ينبغي ان يكونا فوق كل الانتماءات الحزبية والايدولوجية والطبقية. لقد كان كان باك ليبراليا بل ورأسماليا، ومع ذلك فان ما فعله للطبقات الفقيرة والكادحة ،يفوق ما فعله اي يساري في العالم يرفع شعارات اشتراكية أو شيوعية . ثم ان وجود الاحتلال الامريكي الفعلي لبلاده ،والتوتر مع الشمال ومخلفات الاستعمار الياباني البشعة والذي استمر حتى عام 1948،ووطأة الانظمة العسكرية الثقيلة ،لم يمنعه هذا كله من تحقيق اكثر الانجازات الشعبية والبيئية والاقتصادية في تاريخ بلاده ، والاسهام مع غيره ، في نقل اسم بلاده من آخر قائمة البلدان المتخلفة في العالم ، الى مقدمة الاقتصادات المتطورة على كوكبنا . كان باك يدرك ان بلاده فقيرة بالثروات ، وان تَركة التخلف ثقيلة ، ومع ذلك كان مؤمنا بمقولة، ان التقدم يصنعه البشر من خلال اعتمادهم على العلم ، وان الموارد البشرية المؤهلة وذات المهارات العالية هي اساس النمو , وان الرأس المال البشري يعوض انعدام الثروات المالية والطبيعية ويبني اقتصاد المعرفة . ان سيرة باك تروي فعليا قصة نجاح أمة تمكنت من اختراق طوق الفقروشقائه والوصول إلى نعيم الثراء، والخروج من بؤس الجهل والتخلف ،إلى نعمة العلم والتقدم التكنولوجي، والتخلص من ظلام الانقلابات العسكرية والانتقال الى نور الديمقراطية وظلالها الوارفة 10/2/2017  .


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة