جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
سيهانوك وفطر الارهاب السام

كتب محمد خير الوادي:
جرت العادة هذه الايام  على لصق  تهمة الارهاب ببعض الحركات الدينية الاسلامية  ، وهناك بالتأكيد  ما يسوغ ذلك. لكنني تذكرت  بهذا الخصوص  مضمون لقاءات ضمتني والاميرالراحل نوردوم  سيهانوك حاكم كمبوديا ،والذي قال ،ان ارهابي الخمير الحمر كانوا علمانيين و شيوعيين وبعيدين عن الدين ،ومع ذلك  مارسوا  الاجرام والقتل .

كان الهاجس الذي شغلني في هذه اللقاءات هو العثور على تفسير لوحشية حركة الخمير الحمر الشيوعية الكمبودية ،التي تفوقت مرات ومرات على ما تقوم به داعش والقاعدة الان من جرائم. التقيت الامير سيهانوك عام 2004 في مأدبة اقامتها السفارة الروسية في بكين .كان الامير – او الملك – الذي اختار بكين مقرا لاقامته بعد ان تخلى عن العرش لابنه، يجيد اللغة الروسية . وفي اللقاء الاول تحدث سيهانوك عن زيارته الى دمشق عام 1975، وعن الانطباعات الجميلة التي اختزنها في ذاكرته عن هذه الزيارة . وفاجأني بالقول : اريد الاستمرار في الحديث عن هذه الذكريات ، ولذلك فانني ادعوك الى مقر اقامتي في بكين ،وبآن واحد، تتذوق اطايب المطبخ الكمبودي . شكرته على هذه البادرة الكريمة وتركت له تحديد الموعد .بعد عدة اسابيع ، رن جرس هاتفي وكان المتحدث سكرتير الامير الذي قال ،ان سموه بانتظاركم اليوم على العشاء في مقر اقامته، مضيفاً: يرجو سمو الامير عدم التقاط اي صور للقاء ، لان هذه شروط اللجوء الى الصين . كان مقر اقامة سيهانوك يقع بالقرب من ساحة تيان آن مين في بكين ، وكان عبارة عن قصر قديم بني على الطراز الصيني ، وكانت قاعة الاستقبال الفخمة تضم اثاثا صينية تقليدية مع بعض التحف الكمبودية ، اضافة الى هدايا تلقاها الامير، ومن بينها سيف دمشقي مرصع أُهدي له في دمشق . وقد امتلأ صدر القاعة بصور للامير مع قادة العالم ،ومنهم الرئيس حافظ الاسد وياسر عرفات ، ورؤوساء امريكا والصين والاتحاد السوفياتي وغيرهم ،فضلا عن صور للملك الكمبودي وهو يلعب كرة القدم ويعزف على الكمان . ومن بين الصور برزت لوحة اعلان لفيلم سينمائي كتب عليه باللغة الكمبودية ، وشرح الأمير بان هذا احد الافلام التي اخرجها . بادرته بالسؤال : كيف تفسرون تحول الخمير الحمر من حزب شيوعي الى عصابة للقتل والارهاب ؟علت وجه سيهانوك ملامح المرارة والالم ، وصمت قليلا متيحا لنفسه فرصة العودة بذاكرته الى وقائع تلك الفترة الصعبة ، وقال :انا نفسي مندهش لهذا التحول الدموي في مسيرة حركة الخمير .لقد تخرج قائدها بول بوت من جامعة السوربون الفرنسية ، وعُرف عنه التواضع والدماثة والحياء ، وانخرط بول في الحياة الفكرية والسياسية الفرنسية وبات عضوا ناشطا في الحزب الشيوعي الفرنسي .خلفيته الفرنسية هذه دفعتني للتحالف معه في النضال ضد المعتدين الامريكيين وعميلهم لون نول . ولما تم اسقاط نظام لون عام 1975 ( بالمناسبة لقد تلقيت هذا النبأ المفرح عندما كنت في سفارتكم السورية ببكين ) تم الاتفاق على ان أكون رئيسا للجمهورية. ولكنني اكتشفت فيما بعد ، ان حركة الخمير تستغل وجودي وشعبيتي من أجل تطبيق برنامجها الفظيع في اعادة هندسة المجتمع الكمبودي ، وتأسيس ما اسموه المجتمع الزراعي النموذجي .لقد لفتٌ انتباه قادة الخمير الى فظاعة برنامجهم ، ولكنهم لم يأخذوا بارائي ، وطبقوا مقولة تفريغ المدن من سكانها وارسال هؤلاء الذين اسموهم ( الجراثيم والميكروبات ) الى حقول العمل في الريف من أجل "تطهير " المجتمع منهم .واضاف الامير سيهانوك وقد اعتصره الالم : ان خير من وثق هذه المرحلة المظلمة هو المخرج الكمبودي ريثي بانه في الفيلم التسجيلي المشهور، "اس 21: آلة القتل عند الخمير الحمر"الذي أرخ لتحول مدينة بنوم بنه الى متحف للمذابح الجماعية. فقد تُركت المباني والبيوت والشقق والمكاتب والمدارس والفنادق قائمة، ولكنها خاوية من ساكنيها و مفتوحة الأبواب،. والقيت الممتلكات الشخصية على الطرقات وقد داستها الأقدام واستُخدمت القطع النقدية الكمبودية وسيلة للتدفئة بعد ان الغى الخمير النقود كلها،وتوقفت القطارات في المحطات وأشعلت النار في عرباتها التي كوموا فيها جثث القتلى . لقد اصبحت العاصمة مدينة خاوية تماما ، فقد قتل الخمير الحمر المثقفين والسياسيين ، ومن سلمَ منهم اجبر على الذهاب الى حقول الموت ،حيث نشروا ملايين الالغام هناك ، وكان من بين هؤلاء عدد من أولادي. وطفرت الدموع من عيني الامير ، وسكت طويلا، ثم اردف قائلا: ارجو المعذرة ،لا استطيع مواصلة الحديث عن الجرائم التي ارتكبت في تلك الفترة الحالكة .ساد صمت ثقيل ، ولم يجرؤ احد على كسره . فهول الوقائع التي ذكر الامير بعضا منها مرعب الى حد لا يطاق ، والادهى من ذلك ، ان حديث الامير عنها كان عاطفيا ومنفعلا ، ثم ان صوته المتهدج قد اضفى جوا ثقيلا كالرصاص المسكوب على النفوس . وشعرت بان مواصلة الحديث عن جرائم الخمير كان بمثابة طريق مفروش بالالام المبرحة ، لذا اردت الابتعاد قليلا عن الحديث عن جرائم الخمير وطرحت عليه السؤال التالي :لماذا انقلب الخمير الحمير من شيوعيين يرفعون يافطات العدالة والمساواة والنضال ضد الاستغلال ، الى وحوش ارهابية ضارية تكره البشر وتعادي الحياة ؟ قال الامير : دعونا نخرج الان في جولة قصيرة الى الحديقة . خرج الجميع - وكان بينهم عدد من السفراء الاجانب - من القاعة وراء الامير ، وفي الحديقة تقصٌد سيهانوك البدء بتقديم شروح عن نوعية الاشجاروالازهار والتماثيل المصنوعة من الجاد الاسود والابيض ، وكان يعرف تاريخ كل منحوتة وقصتها . أراحت هذه الجولة الاعصاب ونقلتنا من أجواء مجازر الخمير الرهيبة الى حضن الطبيعة الدافيء . وازدادت مشاعرنا انتعاشا عندما اعلن الامير : ايها السادة ادعوكم الى العشاء! كانت المأدبة فاخرة . فقد بذل الطهاة جهدهم من اجل تقديم الذٌ الاطعمة الكمبودية المؤلفة من الفاكهة الاستوائية المطبوخة ، وشوربة الشعيرية مع اعشاب الليمون ، والاسماك المشوية والمسلوقة مع الليمون والثوم والكاري ، والمحار المطبوخ مع صلصة الزنجبيل الطازج ، وحلويات حليب جوز الهند مع الاناناس . بعد العشاء ، قُدم الشاي الاخضر مع الياسمين ،واخذ الامير جرعة من فنجانه المذهب وقال موجها كلامه نحوي: لقد صورت حركة الخمير الحمرنفسها كحركة شيوعية . وقد كنت أنا على علاقات جيدة مع الاحزاب والقادة الشيوعيين في المنطقة . ربطتني علاقلت صداقة مع كيم ايل سونغ في كوريا الشمالية ومع هوشي منه في فيتنام ومع ماوتسي تونغ في الصين ، ومع القادة السوفيات . وقد تعلمت الروسية والصينة والكورية من اجل تعزيز العلاقات الشخصية مع هؤلاء القادة . واقول في هذا المجال ، بانهم جميعهم وقفوا معي عندما نظمت امريكا انقلاب لون نول الذي أطاح بي عام 1970. كيم قدم لي افضل قصوره في بيونغ يانغ ، وهوشي تضامن معي ، وماو استضافني في الصين .وكنت اكن الاحترام لكل الحركات الشيوعية بما فيها الخمير الحمير ،ولذلك تحالفت معهم ضد الامريكيين وعملائهم .ولكنني كنت مخطئا عندما وثقت بالخمير ومنحت السلطة لهم . وواصل الامير حديثه عن الخمير الحمر : لقد تأثر زعيمهم بول بوت بافكار ستالين حول المزارع الجماعية " السوفخوزات " واراد نقل التجربة وتطبيقها بالقوة والعنف في كمبوديا . كما استقى بول تطرفه من الثورة الثقافية الصينية التي دمرت ثقافة الصين ، واعجب بمزارع العمل الجماعية التي اشادها ماو ، واعتقد بول ان الريف هو عماد التقدم والازدهار ، وان المدينة وسكانها هي مركز الافكار الضارة والثورة المضادة ، ولذلك أكد على ضرورة التخلص من كل ساكنيها والقضاء عليهم .وتابع الامير :ا ن مشكلة الخمير الاساسية تجلت في نزوعهم نحو التطرف في كل شيء .فهم تطرفوا في تطبيق ما اعتقدوا انه مباديء الشيوعية ، وتطرفوا في معاداة سكان المدن والثأر منهم ، وتطرفوا في توجيه الاتهامات لكل فكر غير شيوعي .لقد قتلوا من الكمبوديين نحو ثلاثة ملايين انسان ، وبنوا متاحف لجماجم " البورجوازيين" الذين قتلوهم ،واوقفوا عجلة التاريخ ، وقضوا على الفئات الاجتماعية المتنورة ، والغوا التعامل بالنقود وإغلقوا المعابد البوذية، والمساجد، والكنائس، والمحال التجارية الخاصة، وحولوها الى صوامع للحبوب وسجون أو معسكرات لإعادة "تعليم " السكان، وفرضوا على الشعب الكمبودي ارتداء الملابس السوداء فقط، حيث كان هذا هو اللون الثوري من وجهة نظرهم . وعلى الصعيد الفكري اقروا نوعا جديد ا من التربية التي تدعٌي الغاء الأنانية، وذلك عبر جلسات يومية للنقد الذاتي ،ومجٌدوا روح الانضباط والتنظيم، وفصلوا الأطفال عن أهاليهم ، ومنعوا تداول كلمتي «أب» و«أم»، ووصل الامر الى حد ان المنظمات الحزبية الشيوعية هي التي كانت تقرر من يتزوج من. لقد حاولت – والكلام للأمير سيهانوك - ايقاف هذا المد الجارف من الجنون ، ولما اخفقت غادرت الى الخارج .وسألته:كيف كان موقف القيادة الصينية من سلوك الخمير ؟ اجاب هذا الامر في غاية الحساسية ، فقد اعتبر الحزب الشيوعي الصيني حركة الخمير امتدادا للفكر الماوي ، وبانها تطبق التجربة الماوية في كمبوديا ، اضافة الى عدائها لأمريكا. لقد حاولت شرح حقيقة الخمير وجرائمهم للقيادة الصينية عدة مرات ، ولكن التعاطف الايدولوجي الصيني معهم كان اقوى من الوقائع ، ولذلك قدمت بكين الدعم للخمير . وتفاقم الامر عندما هاجمت فيتنام كمبوديا واحتلت العاصمة بنوم بينه ، وقد ادى ذلك الى توتر العلاقات بين فيتنام والصين ، وهو امر دفع الصين لتقديم مزيد من العون للخمير . ومعروف ان تفاقم العلاقات بين الدولتين الشيوعتين افضى الى حرب شاملة بين الصين وفيتنام نهاية سبعينات القرن الماضي . لقد استثمر الخمير الخلافات بين هانوي وبكين ، وضللوا القيادة الصينية بشعاراتهم الثورية الكاذبة ، وقد اكتشفت بكين فيما بعد حقيقة الخمير ولكن هذا الاكتشاف جاء متأخرا جدا . فالجراح التي سببها الخمير للشعب الكمبودي كانت بليغة جدا جدا . قلت له : الان ، بعد ان انتهى عهد الخمير واحيل من تبقى من قادتهم الى المحاكم الدولية ، ما هي الدروس التي توصلتم انتم اليها ؟ اجاب الامير سيهانوك بعد ان فكر مليا : ان الركون الى الشعارات وتصديقها دون التأكد من امتداداتها على الارض هي عملية في غاية الخطورة .ثم ان التساهل مع الاصوليين المتطرفين -ايا كانوا علمانيين ام دينيين - لا يفضي الا الى الكوارث .فالفكر المتطرف مثل الفطر السام ، شكله جذاب وباطنه مميت ، وهو يتكاثر ويكبر حجمه بسرعة اثناء الازمات .والعبرة الاساسية التي ادركتها هي ان العنف لا يمثل السبيل الصحيح لاجتثاث التطرف ، فقطع رأس الفطر السا م ، يُبقى على جذوره التي سرعان ما تعود للتكاثر.ان التخلص من التطرف لا يتم الا عبر خنقه سياسيا وفكريا وثقافيا ومنع الاوكسجين الذي يمده بالحياة . ومحاصرة التطرف بالطرق اللينة هي الافضل والاصح والانجع والاقل ايلاما . هذا هو الدرس الاساسي الذي تعلمته من الكارثة الكمبودية .وهناك درس آخر احب ان يعرفه الجميع ، وهو ان التطرف يخلق التربة المناسبة للارهاب ، لا بل انه يمثل اساس الارهاب . وهناك انواع مختلفة من الارهاب اخطرها الارهاب الايدولوجي ، فخطر الاجرام او الارهاب العادي يصيب عدة اشخاص فقط ، في حين ان الارهاب الايديولوجي يلحق الضرر بفئات كاملة من الشعب ، والمشكلة ان انصار هذا النوع من الاجرام مستعدون لتكرار اجرامهم مرات عدة لانهم يملكون خزانا هائلا لا ينضب من ايدلوجية التطرف والثأر والعداء . وآخر سؤال وجهته للامير سيهانوك كان : لماذا يقيم في المهجر ، رغم ان ابنه بات ملكا لكمبوديا ، ثم ان الشعب الكمبودي قد صوت له واختاره ومنحه لقب الملك الاب طيلة الحياة ؟ قال سيهانوك : انا اعتز طبعا بالثقة الكبيرة التي منحني اياها الشعب الكمبودي ، لكنني اعتقد ان رأسين لا يحكمان في ارض واحدة . وقد اقتنعت ان وجودي في البلاد سيخلق عقبات امام الملك والحكومة لتأدية مهامها. ولذلك اخترت البقاء خارج البلاد . انتهى حديث الامير سيهانوك ،رجل الدولة الذي دخل موسوعة غينس للارقام القياسية كأول سياسي تقلد عددا لا يحصى من المناصب السياسية . فهو قد كان ملكا لكمبوديا ومن ثم اميرا ورئيسا للجمهورية ورئيس دولة ورئيسا للوزراء وزعيما لائتلاف الاحزاب الكمبودية لاستقلال البلاد ، اضافة الى عشرات المناصب الاخرى .وهو تولى العرش منذ العام 1941 ، وبقى فيه حتى عام 2004 ، حيث تنازل لابنه طواعية.وعلى الرغم من انه ملك ومن أسرة تتبنى الافكار الغربية الليبرالية ، الا انه عادى الولايات المتحدة الامريكية ،والف كتابا عن الامبريالية الامريكية ، وتحالف مع الشيوعيين في داخل البلاد وخارجها ، وساند نضال حركة الفييت كونغ الفيتنامية ضد امريكا ووقف مع فيتنام ، واختار الصين الشيوعية مقرا لاقامته الدائم على الرغم من عشرات العروض التي انهالت عليه من دول اخرى للاقامة فيها . وهو قد وقف بحزم مع القضايا العربية وهاجم اسرائيل وأيد بحماس القضية الفلسطينية الى حد انه عندما استعاد السلطة عام 1975 ، قطع العلاقات الدبلوماسية التي أقامها نظام لون نول مع اسرائيل ومنح السفارة الاسرائيلية في بنوم مينه للفلسطينيين . توفي الامير نوردوم سيهانوك عام 2012 في بكين ، وانتقل الملك الكمبودي الحالي وكل اعضاء الحكومة الى الصين لتنظيم نقله الى بلاده وتقبل العزاء هناك . لقد أكد حديث الامير سيهانوك ، ان التطرف ليس حكرا على فئة من الناس ، وان الارهاب لا ينتمي الى دين او قومية أو عرق محدد ، بل هو وباء ينتشر متى توفرت الظروف المناسبة له ، وأولها التطرف .24/1/2017


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة