جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
نزار باييف والقنبلة النووية الاسلامية


 كتب محمد خير الوادي :
عام 2001 التقيت السيد  ياسر عرفات على هامش  اجتماع  في بكين. تحدث عرفا ت في اللقاء واسهب  عن انجازاته . ولما انتهى سألته عن الاخفاقات التي تعرض لها والتي تركت مرارة في نفسه . تنهد عرفات طويلا وصمت  واغمض عينيه وقال : القائمة تطول ، لكن على رأسها ، تأتي اخفاق زيارتي  الى كازاخستان عام 1992.

وأضاف : لقد علمَ القادة العرب ،ان رئيس كازاخستان المسلم سلطان نزار باييف ،كان يريد التخلص من ترسانة الاسلحة النووية الهائلة التي تركها الاتحاد السوفياتي بعد انهياره على الاراضي الكازاخية ، وان السلطات الجديدة في هذه الجمهورية الوليدة ،لا تملك المال الكافي حتى لتدمير هذه الاسلحة . وتشاورنا – والكلام لعرفات – مع عدد من الزعماء العرب حول امكانية تقديم عرض لسلطان نزار باييف يتضمن تقديم مساعدة مالية فورية له ومساندته في التخلص من هذه الاسلحة . ذهبت الى هناك بطائرة ليبية ومعي وفد عسكري رفيع المستوى مؤلف من مختصين في المجال النووي . وقلت لرئيس كازاخستان الذي استقبلني بحفاوة ورحب بي: طالمت انكم تريدون اتلاف ما تملكونه من اسلحة نووية ، فان العرب جاهزون لتقديم خمسة وعشرين مليار دولار لكم كمساعدة لتخفيف هذا العبءعنكم ،وتأسيس درع نووي اسلامي يحمي العرب والمسلمين في كل مكان .وان الدول العربية ستتحمل فوق ذلك كله نفقات نقل هذه الاسلحة من الاراضي الكازاخية .اجابني سلطان : اريد هذا العرض الهام مكتوبا حتى اناقشه مع بقية المسؤولين . فعلت ذلك ،وقدمت له عرضا من صفحتين ، يفيد بان الدول العربية ستحترم كل الاتفاقات النافذة والالتزامات التي ورثتها كازاخستان عن الاتحاد السوفياتي ازاء الاسلحة النووية ، وان العرب لن يكونوا البادئين ابدا باستخدام هذه الاسلحة ، وانهم سيلتزمون بالدفاع عن أمن واستقلال كل الدول الاسلامية –بما في ذلك كازاخستان - . واضاف عرفات : كانت الاموال جاهزة للتحويل .لكنني – والقول له – فوجئت في اليوم التالي برفض هذا العرض ، وعدت من هناك – كما يقال – بخفي حنين . واضاف عرفات ، انا لم افهم لماذا تصرف الرئيس سلطان نزار باييف كذلك معنا ، علما انه تخلى عن ترسانته النووية بعد عدة سنوات دون مقابل تقريبا . انتهى كلام عر فات. بقي السؤال معلقا ، وبحثت عن جواب شافي له سنوات طويلة . وفي عام 2008 ، جاءني الفرج ممثلا بدعوة من سفير كازاخستان في بكين لحضور حفل افتتاح مهرجان الثفافة الكازاخي في الصين ، وان حفل الافتتاح سيحضره الرئيس سلطان نزار باييف . والاهم من ذلك كله ، انه سيعقب حفل الافتتاح لقاء الرئيس الكازاخي مع مجموعة السفراء الناطقين باللغة الروسية .كانت هذه فرصة ثمينة لن تتكرر لمعرفة ما جرى عام 1992 حول الاسلحة النووية الكازاخية من الشخص المسؤول عن ذلك . في اللقاء ، تحدث الرئيس سلطان نزار باييف عن نتائج زيارته الهامة الى بكين، والتوقيع على اتفاقات تاريخية حول خطوط نقل النفط من بلاده الى الصين .بعد ذلك طرحت عليه السؤال الذي شغل بالي سنوات طويلة حول رفضه لعرض الدول الدول العربية بخصوص الاسلحة النووية . قال الرئيس سلطان : يبدو ان سفيرنا في الصين مقصر في شرح موقفنا من الاسلحة النووية ، ولذلك سأفعل ذلك بنفسي لتفسير هذا الامر الهام ، الذي يعتبر مكونا اساسيا من سياستنا الخارجية . امتقع وجه السفير الكازاخي من هول الصدمة ، وجمدت ابتسامة الثقة التي علت وجهه اثر نجاح الزيارة . كانت صدمته كبيره بفعل هذا التوبيخ العلني غير المتوقع من رئيسه . رمقني السفير بنظرة عتاب جعلتني اشعر بحالة الارتباك المقرونة بالحزن .فالسفير صديقي ، وانا لم اقصد احراجه ،ولم أكن اتوقع تطور الاحداث على هذه الصورة . ادرك الرئيس سلطان حالة الارتباك هذه ، واراد التخفيف من وطأة كلامه بقوله : بالتأكيد سفيرنا لم يكن موجودا اثناء تلك الحادثة ( اللقاء مع عرفات )عام 1992، ولذلك لم يكن على اطلاع بكل تفصيلاتها .صحيح ، الرئيس المرحوم عرفات – الذي احترمه – قدم مجموعة من الاقتراحات حول مصير الاسلحة النووية التي كانت لدينا ، وشعرت بجدية هذه الاقتراحات . ولكنني شعرت ان السيد عرفات لم يكن ملما بحجم الاعباء الناتجة عن امتلاك الاسلحة النووية ، اضافة الى انني اختلفت مع رؤيته عندما قال، ان الاسلحة النووية هي الدرع الذي يحمي الامة الاسلامية . قلت له ، ان هذه الاسلحة لا تحمي احدا ، وأن الصواريخ لا تجلب الامن لاحد ، وان الاسلوب الوحيد الذي يمكن ان يوفر الامن والسلام للدول الاسلامية هو، التسلح بدرع العلم والتفاهم مع الآخرين، والسعي الى تحسين مستوى المعيشة للشعب ، وليس التمترس خلف ترسانات الاسلحة . وتابع نزار باييف قائلا: اريدكم جميعا ان تعرفوا ، ان الاتحاد السوفياتي كان يملك أكبر ترسانة في التاريخ من الرؤوس النووية والصوارخ الاستراتيجية . ومع ذلك انهار .ونحن في كازاخستان قررنا الاستفادة من هذا الدرس التاريخي وعدم تكراره . لقد كانت كازاخستان تملك رابع مخزون في العالم ( بعد امريكا وروسيا والصين ) من الاسلحة النووية . فالقيادة السوفياتية خزنت جزءا كبيرا من اسلحتها الذرية في بلادنا . واتذكر ان مخازن هذه الأسلحة كانت تحتوي على 104 صواريخ من طراز إس إس-18 ذاتية الإطلاق وتحمل 1216 من الرؤس النووية وهي جاهزة للاطلاق وكافية لتدمير العالم كله ، إلى جانب قاعدة ضخمة لإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ، ومصانع تدوير اليورانيوم وتصنيع الوقود لمختلف المنشآت النووية، ومفاعلات نووية صناعية وقاعدة بحثية و علمية وتقنية كبيرة. كانت كازاخستان في الواقع دولة نووية عظمى ، ولكنها لم تكن تملك شيئا من مقومات العظمة سوى الترسانة النووية . ومضى نزار باييف في شرحه قائلا: وعندما ناقشت مسألة تصفية هذه الاسلحة مع مسؤولينا ، شعرت ان جزءا كبيرا ونافذا منهم كان يؤيد الاحتفاظ بالسلاح النووي لأنه يضع كازاخستان في مصاف الدول الكبرى ، ويشكل ضمانا للأمن ورادعا لمطامع الخصوم في ظل الثغرات في الأسلحة التقليدية، إضافة إلى أهميته العلمية والتقنية المتطورة. ولكنني – كرئيس للدولة - كنت انظر بشمولية أكبر الى الموضوع . فامتلاك الاسلحة النووية له ثمن باهظ دفعه شعبنا من حياته ، اضافة الى تلويث التربة والماء والهواء بسبب التجارب النووية التي كانت تتم في موقع سيمبالاتينسك .فعلى مدى أربعين عامًا تم إجراء 459 تجربة نووية و 23 تفجيرا نوويا سلميا تحت .الارض وقد شوهت هذه التجارب حياة وأجسام نحو مليون ونصف المليون نسمة من شعبنا ، وهو عدد أكبر من ضحايا القنابل النووية التي أُلقيت على كل من هيروشيما وناغازاكي في اليابان اثناء الحرب العالمية الثانية . وحتى اليوم ، تشاهدون في شوارعنا بشرا شوهت هذه التجارب اجسامهم .ثم ان مواردنا المالية والاقتصادية كانت غير كافية لخدمة بقاء هذه الاسلحة جاهزة للاستخدام .ولذلك ، قررت الانضمام الى التيار المعاكس في قيادتنا ، والذي يدعو إلى التخلي عن الاسلحة النووية واخلاء كازاخستان من الاسلحة النووية ذات الطبيعة العسكرية . وواصل الرئيس حديثه : وخلال اجتماع تاريخي لمجلس الامن القومي عندنا ، عددت الاسباب التي تدعوني لذلك ، منها تلويث البيئة والانسان والنفقات المادية الضخمة التي كانت ستتحملها كازاخستان ،إضافة إلى التبعات الجيوسياسية المعقدة في محيط آسيا المركزية ومنظومة الأمن الشامل. وقلت هذا كله للسيد عرفات اثناء لقائي معه. ،وأعلمته انه لهذه الاسباب كلها لا استطيع الموافقة على اقتراحه بنقل ترساتنا من الاسلحة النووية الى بلد آخر – رغم حاجتنا الماسة آنذاك لكل دولار -. واضاف الرئيس الكازاخي : لقد باتت اليوم بلادنا في طليعة الدول المناضلة لاخلاء العالم من خطر الاسلحة النووية ، ونحن اتخذنا اجراءات عملية في هذا الاتجاه . ففي مايو/أيار 1995، تم تدمير آخر رأس حربي نووي في موقع سيمبالاتينسك، ويوم 29 يوليو/تموز 2000عام تم تفجير النفق الأخير للتجارب النووية، واغلقنا نهائيا موقع سيمبالاتينسك للتجارب النووية ، ومنذ ذلك التاريخ بدأت حقبة كازاخستان الخالية من الأسلحة النووية.واستطيع ان أوكد لكم بان اصدقاء كازاخستان ، منذ ان اصبحت غير نووية ، باتوا أكثر، رغم اننا نجاور دولتين نووتين هما روسيا والصين ،ومستوى حياة شعبها بات احسن. وختم الرئيس سلطان نزار باييف حديثه بالقول : بعد أكثر من عقد ونصف من الزمن على قرارنا التاريخي ، بازالة اسلحتنا النووية ، اثبتت الوقائع صحة موقفنا وسلامته . انتهى اللقاء مع نزارباييف . ولي عدة تعقيبات على حديثه . رغم كل الشرح المنطقي الذي قدمه الرئيس الكازاخي حول قراره ازاء الاسلحة النووية ، لكن هناك عدة اسئلة هامة بخصوص الموضوع بقيت معلقة في الهواء منها : ماهي الاسباب الحقيقية لرفض نزار باييف المساعدات العربية ؟ وما الثمن الذي قبضه فيما بعد لقاء تصفية اسلحته النووية ؟ بالعودة الى استعراض متأني لتاريخ تلك الحقبة ، نجد ان مضمون محادثات عرفات مع   الحكومة الكازاخية قد سُرب الى واشنطن وعبرها الى اسرائيل . وقد استنفر البلدان –آنذاك- لمنع هذه الصفقة ، ومارسا ضغوطا هائلة على الرئيس الكازاخي للحيلولة دون نقل اي سلاح نووي الى البلدان العربية . وهذا الموقف الامريكي – الاسرائيلي المشترك ، ينسجم مع النهج الاسرائيلي الثابت بمنع العرب من التسلح نوويا . ومن المفيد التذكير ،بهذا المجال، بما قامت به المخابرات الاسرئيلية ضد علماء الذرة المصريين في القرن الماضي ، وكذلك بالهجوم الجوي الاسرائيلي على مفاعل تموز النووي العراقي في7 حزيران عام 1981 .وتشير الوقائع كذلك ، الى ان الولايات المتحدة قد ارسلت عددا من مسؤوليها الى كازاخستان لمناقشة سبل تصفية الاسلحة النووية وعدم نقلها الى بلد ثالث . وقد صرح سلطان نزار باييف في احدى كلماته ، بانه اجرى في احدى المنتجعات بكازاخستان ،مباحثات صعبة مع وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر ،تم التوصل بنتيجتها الى اتفاق اولي حول تصفية الاسلحة النووية الموجودة على الاراضي الكازاخية . وبموجب هذا الاتفاق تضمن الولايات المتحدة أمن كازاخستان في وجه اي تهديد نووي خارجي ، كما تتكفل واشنطن بنفقات نقل وتدمير الرسانة النووية هناك . وفيما بعد صيغت مباديء هذا الاتفاق في خمسة وثائق، وُقعت اثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي البرت جور في الثالث عشر من ديسمبر عام 1993 الى مدينة المآتة، وتضمنت هذه الوثائق تعهدا امريكيا بتقديم الوسائل المادية و الفنية إلى كازاخستان لتدمير محطات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات و المعدات و المكونات المرتبطة بهذه المحطات، وكذلك الرؤوس النووية ، ووضع نظام للرقابة على الصادرات والمواد النووية بهدف منع أسلحة الدمار الشامل. لقد اردت التأكيد من خلال الحديث عن واقعة تدمير الاسلحة النووية الكازاخستانية ، على ان التصريحات التي تدٌعي ،ان امتلاك دولة اسلامية ما للقتبلة النووية يمكن ان يوفر مظلة امان للمسلمين كلهم ، هي مجرد وهم لا أكثر . فالباكستان تمتلك الاسلحة النووية منذ عشرات السنين ، ولم نسمع مرة واحدة بانه تم التلويح بها لردع اعداء المسلمين ، وكازاخستان رفضت نقل اسلحتها النووية الى البلاد العربية الاسلامية ، وآثرت تدميرها . ان الحقيقة الساطعة الوحيدة تكمن في ان اعتماد الدول العربية على الآخرين في توفير امنها ، انما ينطوي على خطورة كبيرة . ان السبيل الوحيد للحفاظ على الامن القومي العربي يكمن في تطوير القدرات الرادعة العربية وتوفير المستلزمات العلمية والمالية لذلك . وقد اثبت التاريخ ان الامن المستعار والمستورد لا يحمي احدا .1/1/2017


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة