جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
بلاد " العم لينين" ؟

كتب محمد خير الوادي :
قبل ايام كنت اتناول الطعام في مطعم  في موسكو يطل  على الساحة الحمراء . لفت انتباهي شخص  شبيه بلينين من حيث المظهر واللباس ، يجلس وحيدا  في احدى زوايا  المطعم . كان "لينين" هذا ، يجول  ببصره الى اليمين والشمال   متوسلا الزوار ،علٌ احدهم يقترب منه ويلتقط صورة مأجورة معه

.وفي وسط الساحة الحمراء ، حيث يرقد جثمان لينين المحنط ، كان يقف شخص آخر قلٌد مظهر لينين ، يدعو السائحين الاجانب الى الاقتراب منه لالتقاط اصور تذكارية لقاء مبلغ 200 روبل .اخذتني الذكريات الى سبعينات القرن الماضي ، حيث كانت رايات " زعيم الثورة البروليتارية العالمية "تخفق في الساحة الحمراء فوق جحافل الجيش الاحمرالذي كان يبث الرعب في العالم كله ، وحيث كان قادة الاتحاد السوفياتي يعتلون بفخر وخيلاء ،حافة ضريح " مؤسسس الدولة السوفياتية، وهم يحيوٌن المسيرات الشعبية التي كانت تخترق تلك الساحة في ذكرى ثورة اكتوبر التي قادها لينين .اليوم لم يبقى من لينين في روسيا "الجديدة " سوى الاسم .تبخر بسرعة عجيبة تأثير الرجل ، الذي كان مهيمنا على كل جوانب الحياة في دولة عظمى ،وانطفأ وهجه الثوري ،وانهار حزبه الشيوعي مع انهيار الاتحاد السوفياتي ، ولم يتبق من هذا الحزب الذي اسموه آنذاك : "ضمير وكرامة العصر " ،وحكم اقوى دولة عسكرية اشتراكية في العالم ، سوى كيان هزيل يصارع من اجل البقاء والاستمرار، اسمه الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية . لقد بدأ انحسار النفوذ الشيوعي في روسيا منذ بداية تسعينات القرن الماضي .واللافت ان اتجاه الهبوط في تأثير هذا الحزب لم يتوقف منذ ذلك التاريخ . وآخر مؤشر على ذلك كانت نتائج الانتخابات البرلمانية التي اجريت قبل نحو شهر في روسيا . فقد خسر شيوعيو روسيا الفيدرالية اكثر من نصف مقاعدهم السابقة ،وهبط عدد الاعضاء الشيوعيين في البرلمان ( الدوما ) من 92 الى 42 مقعدا ، اي الى نحو 9% فقط من عدد الاعضاء . أما ال 91% الباقية فيتقاسمها حزب الرئيس بوتين "روسيا الموحدة" (343 مقعدا) وحزبان آخران هما "الحزب الليبرالي الديموقراطي" و "حزب روسيا العادلة".وهما من انصار بوتين .ويدور الان نقاش في الاوساط السياسية الروسية حول اسباب النكسة الاخيرة لشيوعيي روسيا . برأي ، ان اسباب تراجع المدٌ الشيوعي في روسيا الاتحادية ،لا تعود فقط الى هيمنة اجهزة الدولة واحزابها على الاعلام الذي يقود حملة منظمة ضد الشيوعين، ويسعى لتسويد ماضي الاتحاد السوفياتي ، ولا الى سيطرة الطغم المالية على الاقتصاد ، وتغيير نظام الانتخابات الاخيروتزويرها - كما ،يقول الشيوعيون ، بل هناك اسباب ذاتية داخل الحزب الشيوعي ادت الى تراجع شعبيته .من هذه الاسباب ،ان حزب الرئيس بوتين – رغم توجهه الليبرالي – ابقى على معظم الميزات الاجتماعية المجانية التي كان يتمتع بها السكان في عهد الاتحاد السوفياتي ، بما فيها مجانية التعليم والخدمات الطبية ومساعدة المسنين ،ورعاية الاطفال ، وهو أمر افقد الشيوعيين كثيرا من اوراقهم الشعبية . اضافة الى ذلك ،فان معظم مواطني روسيا باتوا يعتبرون الحزب الشيوعي الروسي جزءا من نظام الدولة الرسمي، لا سيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الروسية . فالشيوعيون ساندوا مواقف الرئيس بوتين ضد امريكا والغرب ، ووقفوا معه في مسائل اوكرانيا والقرم وأوسيتيا الجنوبية وسورية وليبيا وغيرها . والحزب الشيوعي الروسي بارك توجه الرئيس بوتين في تعزيز القوات المسلحة واعادة امجاد روسيا . وقد برز انطباع بان سياسة الحزب الشيوعي الخارجية هي نفسها سياسة الرئيس بوتين . ولا بد من الاشارة كذلك ،الى التقارب الكبير بين الحزب الشيوعي الروسي" الملحد " والكنيسة . وقد وصلت الامور الى حد ان نشطاء شيوعيين كثر باتوا اعضاء مؤسسين في منظمات ترعاها الكنيسة الروسية .هذه الامور كلها اقنعت الناخب الروسي بان الحزب الشيوعي بات جزءا من النظام الرسمي ولم يعد حزب معارضة .ولا يغير شيئا من هذا الانطباع النقد الذي يمارسه الحزب الشيوعي للسياسة الاقتصادية الداخلية ، وفي هذه النقطة بالذات لا يختلف الحزب الشيوعي عن جيرينوفسكي الذي يتزعم "الحزب الليبرالي الديموقراطي" وعن ميرونوف قائد "حزب روسيا العادلة"، وهو كلهم يصبون جام غضبهم على سياسة حكومة ميدفيدف الاقتصادية لكنهم يمجدون الرئيس بوتين او يدعمون سياسته الخارجية ! وهناك عوامل آخرى اسهمت في تعثر خطوات الحزب الشيوعي الروسي ، وهو عدم تطعيم هياكل الحزب بالشباب وعدم تجديد هذه الهياكل ، واختفاء القدرة على طرح شعارات ومواقف تجذب الناس . وقد افضى هذا الامر الى انخراط الشباب الروسي في احزاب السلطة الحاكمة ، وبذلك فقد شيوعيو روسيا طاقة هائلة للتجديد والابداع هي طاقة الشباب وحيوتهم . لهذه الاسباب كلها تحول لينين في روسيا الى مجرد معلم سياحي ، وبات حزبه – الحزب الشيوعي الروسي – يصارع من أجل البقاء لا من أجل العودة الى السلطة .ومن المنطق والعدالة ان نطلق على روسيا الان تسمية بلاد " العم بوتين " لا " العم لينين" !.24/10/2016


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة