جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
فيتنام : الشعلة النضالية الخافتة

كتب محمد خير الوادي :

عندما وصلت اول مرة الى هانوي في عام 2002 ، كانت تحوم في ذاكرتي وقائع النضال البطولي الذي خاضه الشعب الفيتنامي ضد الغزاة الاجانب ، وصور الانتصارات الباهرة التي حققها على اعتى قوى الشر آنذاك :الاستعمار الفرنسي والعسكرية اليابانية والمعتدين الامريكيين ،ولم يكن يخطر ببالي ان وهج النضال التحرري الفيتنامي الذي ألهم شعوب العالم ، قد خمد وتلاشى ليفسح المجال لواقع جديد يهيمن اليوم على البلاد

،وهو لغة المصالح . لم تغادرني تلك الافكار وانا في طريقي الى القصر الجمهوري لتقديم اوراق اعتمادي سفيرا لسورية في فيتنام .بعد المراسم المعتادة ، التقيت مع الرئيس الفيتنامي نجوين مينه تريت ، الذي رحب بي وابدى الاستعداد لتقديم المساعدة في مهمتي لتطويرالعلاقات مع سورية ،وصمت الرجل مفسحا المجال لي للحديث، وقلت له ، ان بطولات شعبكم كانت على الدوام منارة للمناضلين العرب ضد المستعمرين والمعتدين ، وان المقاومة العربية التي تنشط الان ضد الغزاة الاسرائيليين ، قد تعلمت الكثير من الدروس من معارككم البطولية ضد الفرنسيين والامريكيين ،واننا نقدر عاليا الموقف الفيتنامي الداعم للحقوق والقضايا العربية .صدمني الرئيس الفيتنامي عندما غير موضوع الحديث وسألني :هل هذه أول مرة ازور فيها فيتنام ؟ ، واسترسل في الكلام عن التحديات الاقتصادية التي تشخص الان أمام الحكومة الفيتنامية التي تتطلع الى زيادة الاستثمارات الاجنبية – بما فيها العربية- في البلاد، واسهب في تعداد مزايا الاستثمار في الاقتصاد الفيتنامي . وتقدم مدير المراسم مؤذنا بانتهاء اللقاء . قبيل خروجي ، سألت الرئيس : هل يمكن ان أقابل شخصيات قيادية أخرى مثل ألامين العام للحزب والجنرال جياب ؟ أجاب سندرس الامر .خرجت وانا أحمل معي كومة من الاسئلة لم احصل على جواب عليها اثناء اللقاء مع الرئيس الفيتنامي.وجاءني الفرج مساء ، عندما اقام السفير الفلسطيني في فيتنام مأدبة عشاء تكريما لي، دعا اليها السفراء العرب هناك كلهمِ .كانت مناسبة للحديث بصراحة وعمق ، بعيدا عن المصطلحات الدبلوماسية المنمقة عن الوقائع الجديدة في الساحة الفيتنامية .علمت ان الحكومة الفيتنامية تبذل كل جهد ممكن لتحسين العلاقات مع عدوها السابق – امريكا ، وان الاستثمارات الامريكية باتت -آنذاك – تحتل المركز الاول في الاقتصاد الفيتنامي ، ومقابل ذلك ، فقد غيرت القيادات الفيتنامي لهجتها ازاء واشنطن واعتمدت لغة تصالحية ، وأوعزت الى أجهزة الاعلام الرسمية بعدم " نبش الماضي " مع أمريكا، والامر نفسه حدث تجاه العلاقات مع اسرائيل ، التي اصبحت المورٌد الاساسي للتقانة العسكرية للجيش الفيتنامي . ومع تطور التعاون مع اسرائيل ، تغيرت اللهجة الرسمية الفيتنامية تجاهها ، واختفت من صفحات الجرائد الاخبار عن اعتداءات اسرائيل وقمعها للمواطنيين الفلسطينيين .واصبحت وقائع التعاون الاقتصادي مع الغرب تحتل العناوين البارزة في الاعلام الفيتنامي .الان فهمت ، لماذ ا لم يعلق الرئيس الفيتنامي على كلامي حول نضال الشعب الفيتنامي ضد الامريكيين وغيرهم . في صباح اليوم التالي خرجت للنزهة في شوارع هانوي المزدحمة والضيقة ،ولفتت انتباهي ظاهرتان : الاولى، السمة الفرنسية للطعام ولأغلب الابنية –لا سيما الحكومية ، ففرنسا احتلت فيتنام لمدة ثمانية عقود. والظاهرة الثانية ،كثرة الدراجات النارية ( العاصمة الفيتنامية اكثر مدن العالم ازدحاما بالدراجات النارية) ،الى حد اصبح قطع الشوارع الرئيسية مهمة خطرة . استوقفني بناء قديم على الطراز الصيني مكتوب عليه : مركز كونفيوشيوس للثقافة، وقررت الدخول الى المركز . اعتقدت في البداية ان هذا مركز ثقافي صيني ، فالحكومة الصينية تطلق اسم الفيلسوف الصيني كونفوشيوس على كل مراكزها الثقافية في العالم ، ولما سألت المشرف عن الامر ، اجاب بامتعاض وجلافة ،بان لا علاقة للصين بهذا المركز ، وبان الكونفوشية هي من التراث الشعبي الفيتنامي . ادركت آنذاك – حساسية الحديث عن الصين في فيتنام .فالتاريخ يعج بوقائع جارحة بين البلدين ، فاالصينيون يعتقدون ان فيتنام كانت جزءا من الامبراطورية الصينية ، والفيتناميون يقولون انهم تحرروا من النير الصيني . هذا في بطون التاريخ القديم ، وحتى التاريخ المعاصر لا يحمل الينا انباء سارة عن العلاقة بين البلدين الجارين . ولا يخفف وجود حزبين شيوعين حاكمين من حدة التاقضات بينهما التي تحولت عام 1979 الى حرب حدودية ضروس بينهما.(ساعود الى هذا الامر لاحقا ) . اخبرتني مراسم الخارجية ، ان الامين للحزب الشيوعي الفيتنامي نجوين فو ترونج ( وهو الشخصية الاولى في البلاد) سيستقبلني مساء اليوم . وبالمناسبة ،فان الحزب الشيوعي الفيتنامي اتخذ قرارا بعد وفاة زعيم الاستقلال هوشي منه ، والذي اطلق اسمه على العاصمة واقيم له ضريح فخم في وسطها ، بتحديد فترتين فقط لاي مسؤول قيادي في منصبه، وهذا يعني انه لم يعد مطروحا وجود قادة تاريخيين على غرار هوشي منه وقائد حروب التحرير الجنرال جياب . سألت الامين العام عن الامر فأجاب : لقد انتهت مرحلة انجاز الاستقلال والتحرير والوحدة ، وجاءت فترة البناء والتطوير الاقتصادي . وهناك فرق كبير بين المرحلتين : الاولى تتطلب وجود زعماء قادرين على حشد الجماهير وتجييش المشاعر الوطنية والقدرة على العيش في الخنادق ، وعدم مهادنة الاعداء ،اما الثانية – ويقصد البناء الاقتصادي- فهي ترتكز على الحسابات الاقتصادية الباردة والتعاون مع الجميع – بما في ذلك الاعداء - ، وتحكيم قوانين السوق ، واتقان علوم الادارة والمال والعلاقات العامة واللغات والحاسوب .مدرسة النضال بحاجة الى عدد محدود من القادة التاريخيين ، بينما مدرسة البناء الاقتصادي تتطلب تخريج الوف المختصين .وسألته عن العلاقات مع " معتديي وامبرياليي " الامس ، واقصد الامريكان والفرنسيين ، فاجاب :لقد اتخذ الحزب قرارا استراتيجيا بالتعاون مع جميع دول العالم من اجل بناء فيتنام ، وهذا يعني في الترجمة الى الواقع ، ان مصطلح " الاعداء " بات غير موجود في قاموس السياسة الفيتنامية . فنحن بحاجة الجميع ، لا سيما ان الولايات المتحدة ابدت رغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع فيتنام ، واعادت العلاقات الدبلوماسية معها ، ورفعت كل الحواجز من طريق توسيع التبادل التجاري بين البلدين عام 2001. وزار عدد من رؤوسائها ومسؤليها بلادنا، وشجعت شركاتها على الاستثمار في الاقتصاد الفيتنامي .وسألته : وهل هذا يعني نسيان الجرائم الامريكية ضد شعبكم ؟ اجاب بعد ان بان عليه الحرج والضيق : "لا أحد يملك الحق في الغاء وقائع التاريخ ،فما اقترفته امريكا بحق الشعب الفيتنامي هو جريمة ، ولكننا لا ينبغي ان نبقى اسرى التاريخ ، بل لا بد من الانطلاق من وقائع الحاضر نحو المستقبل والاستفادة من كل فرصة لخدمة فيتنام ".شعرت ان الاسترسال في هذا الموضوع امر في غاية الحساسية بالنسبة الى القادة الفيتناميين. ومن أجل نزع الحرج غيرت الموضوع و رجوته ان يتحدث عن تجرية الحزب الشيوعي الفيتنامي في البناء . انفرجت اسارير الرجل ، وبدى الارتياح على وجه ، وقال : " لقد كانت مهمة البناء بعد الاستقلال والتحرير صعبة للغاية ، فقد كان على الحزب ان يقود عملية بناء ما دمرته الحرب في الشمال ، وعملية اعادة تأهيل الاقتصاد والمجتمع في الجنوب كي يتأقلم مع ظروف البناء الاشتراكي . كانت المهمة في الجنوب معقدة للغاية . فالتخريب والدمار لم يصب الاقتصاد فقط ، بل اصاب الناس . فقد كان الجنوب مركزا لتجارة وتوزيع المخدرات ، وكان هناك مئات الآلاف من النساء اللواتي دُفعن لاحتراف الرذيلة ، او ما اطلق عليهن " نساء المتعة ". وبسبب الحرب تعطلت عجلة الاقتصاد هناك .وكان اول قرار اتخذه الحزب هو انشاء تعاونيات زراعية انتاجية اعتبار من عام 1977 في الجنوب على غرار الشمال . واصطدمنا بمقاومة كبيرة لتنفيذ القرار ، ولذلك اضطرت السلطات الى اتخاذ اجراءات قسرية لحشد السكان في هذه الجمعيات . ومع أوائل 1978، تم نقل حوالي 750 ألف إنسان إلى “المناطق الاقتصادية الجديدة”. كانت الفكرة هي استخدام أية موارد متوفرة في دفع الإنتاج وبدء عملية “التراكم الداخلي” لتمويل التنمية الصناعية.وبعد عدة سنوات ،وجدنا ان النتائج من هذه الجمعيات ضئيلة ، وانه لا بد من اجراء اصلاحات اقتصادية جذرية . فلا يكفي ان نحول الجنوب الى شبيه للشمال الذي كان في الاصل مثخنا بجروح الحرب ويعاني من ركود اقتصادي . وفي عام 1986 اقرت قيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي خطة الاصلاح الشامل الذي اطلق عليها اسم مشروع "دوي موي"، أو ما يُعرف بـ "التجديد" الاقتصادي . تستند الخطة الى مبدأ اعتماد قوانين الاقتصاد والسوق في التعاملات الاقتصادية ، والانتقال تدريجيا الى اقتصاد السوق الاشتراكي ، بما يعنيه من تشجيع القطاع الخاص وفتح الاسواق أمام تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، والسماح بظهور مؤسسات الأعمال التابعة للقطاع الخاص، و التخلص من نظم المزارع الجماعية في مجال الزراعة، وإصدار قوانين منظمة لحقوق استخدام الأراضي الخاصة، وتحرير معظم الأسعار،و إلغاء العديد من القيود التي كانت مفروضة على نشاط القطاع الخاص. وتحويل العديد من مؤسسات الأعمال المملوكة للدولة الى القطاع الخاص، والسماح بدخول الاستثمارت الاجنبية واعتماد التعددية في هياكل الملكية المتنوعة و تحرير القطاع المالي".وتابع الامين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي شرحه بالقول ، "وبعد خمس سنوات من الاصلاح، ظهرت نتائج جيدة في النمو الاقتصادي تجلت في تحقيق متوسط نمو قدره 7 في المائة سنوياً اعتبارا من 1991،بعد فترة طويلة من الركود .وقد أسهم هذا النمو الاقتصادي في انتشال عشرات الملايين من الفيتناميين من براثن الفقر. وليس هذا هو كل ما في الأمر: إذ تمتع أفقر 40 في المائة من السكان بمعدل نمو أعلى من المعدل المتوسط - وهو ما تمثل في ارتفاع بنسبة 9 في المائة في الدخل سنوياً على مدى العقد الماضي وتقاسم الجميع ثمار الرخاء الذي نعيشه اليوم في فيتنام".‏ وقد صممت ان استغل هذه الفرصة النادرة لاعرف رأي المسؤول الاول في فيتنام حول موضوع حساس آخر وهو العلاقات مع الصين .فالخلافات الحدودية بين البلدين شكلت مزيجا متفجرا ، غذى على الدوام خصومات تحولت الى حروب دامية بين البلدين الشيوعيين – كما حدث عام 1979، حيث اصطدم جيشا البلدين في معارك طاحنة ،راح ضحيتها نحو ستين الف جندي من الجانبين .سألت السيد نجوين فو ترونج عن رأية بالعلاقات مع بكين . القى علي الامين العام للحزب نظرة فيها بعض الضيق ، وقال : "يبدوا انك تريد اليوم ان تعرف كل شيء عن فيتنام "،وصمت قليلا واردف قائلا: "علاقتنا مع الرفاق في الحزب الشيوعي الصيني جيدة ، فقد قمت بزيارة الى الصين اتفقنا على اثرها على تطوير التعاون بين الحزبين والبلدين . الرفاق الصينيون قدموا لنا كثيرا من خبراتهم في البناء الاقتصادي ، ثم ان عددا كبيرا من الشركات الصينية يعمل ويستثمر الان في الاقتصاد الفيتنامي ، وقد نما التبادل التجاري بيننا ووصل الى عشرات المليارات من الدولارات سنويا . هناك مسائل حدودية لم تسوٌى بعد بيننا ، ونحن حريصون على ترسيم الحدود بيننا ، كما جرى بين الصين وروسيا ". واضاف الامين العام – "للاسف حدث صدام مسلح بيننا نهاية سبعينات القرن الماضي اثر سوء التفاهم الذي جرى . لم نكن نحن نريد ذلك . وانت تعرف ان فيتنام تعرضت لاعتداءات مستمرة من جانب عصابة الخمير التي كانت تحكم في كمبوديا ، ثم ان السلطات في ذلك البلد مارست نهج التضييق والملاحقة ازاء السكان الفيتنايين المقيميين في كمبوديا . لم نستطع تحمل تلك الاستفزازات ، وردت قواتنا المسلحة عليها ولقنت الخمير درسا لن ينسوه . رفاقنا في بكين – آنذاك – اعتقدوا اننا سنغزو كموديا ونضمها الى فيتنام ،ولذلك اوعزوا لقواتهم للتحرك على طول الحدود ، لا بل انهم احتلو عددا من القرى الفيتنامية . حدث قتال مؤسف بيننا ، ونحن نسعى الا يتكرر هذا الامر في علاقاتنا. لقد طوينا هذه الصفحة المظلمة ، وفتحنا صفحة مشرقة من التعاون المثمر بين بلدينا وحزبينا" .انتهى كلام الامين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي . وهنا لا بد من تعقيب سريع على عدة نقاط تجاوزها الامين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي في حديثه ،وذلك كي تكون الصورة كاملة وليست منقوصة . الاولى ، تلك المتعلقة بالمزارع الجماعية في جنوب فيتنام . لقد حدثت مأساة حقيقية آنذاك ، حيث تم تجميع مئات الالاف من سكان المدن وارسالهم الى ارض قاحلة بغية انشاء تلك المزارع و زيادة التراكم الترأسمالي . وقد شبهت تلك المزارع بمعسكرات الاعتقال ، وكانت النتيجة ان هؤلاء " المزارعين " قاوموا ذلك الاجراء الذي اخفق اخفاقا ذريعا ،واضطرت الحكومة لالغائه في اطار السياسة الاقتصادية الجيدة . النقطة الثانية ،ظهرت في الخطأ الجسيم الآخر الذي ارتكب عندما ضيقت السلطات الفيتنامية على الاقلية الصينية في فيتنام ونظمت بدءا من عام 1978 ، حملة من الكراهية ضدهم وصادرت املاكهم بما في ذلك نحو ثلاثين الف منشأة صغيرة للصينيين . وقد اضطر مئات الالاف من الاقلية الصينية في فيتنام الى الهروب بقوارب صغيرة وعبر الطرق البرية ،وغرق عدد كبير منهم في البحر .والنقطة الثالثة هي، ان وجود الجيش الفيتنامي استمر في كمبوديا اكثر من عشر سنوات ولم يكتفي بتلقين السلطات الكمبودية الدرس المناسب .وخلال هذه الفترة غيرت فيتنام نظام الحكم هناك ، وهذا عمق القناعة بان فيتنام تريد ضم كمبوديا اليها. وقد اثارت هذه هذا التصرفات الفيتنامية حفيظة بكين التي كانت تعتقد ان الخمير الحمر الذين استولوا على السلطة في كمبوديا هم ماركسيون ماويون ، لانهم بدأ يطبقون كثيرا من نظريات ماو مثل معسكرات العمل الزراعية التي ساقوا اليها بالقوة سكان المدن .ولذلك قررت بكين مساندة الخمير الحمر.ثم ان الصين ارادت كذلك الانتقام لاذلال مواطنيها في فيتنام . وتقدم الجيش الصيني على طول الحدود المشتركة واحتل عددا من القرى والمدن الفيتنامية لمدة شهر كامل ، اعلنت بكين بعده انها حققت اهدافها وعاقبت هانوي على افعالها ، وانسحبت بعدها القوات الصينية . وكل طرف يقول انه حقق انتصارا في هذه الحرب .وقد بات واضحا فيما بعد ان بكين قد أخطأت في تقويمها للخمير الحمرفي كمبوديا ، فهؤلاء كانوا مجرد عصابات بلا مبادىء ، رفعوا شعارات يسارية متطرفة خدعت كثيرين ، وهم قد ارتكبوا مجازر بشعة بحق ملايين المدنيين في كمبوديا .والنقطة الرابعة هي ،ان الاحداث اللاحقة اثبتت ان صفحة الصدامات بين البلدين وأقصد الصين وفيتنام، لم تطوى نهائيا . والدليل على ذلك تفاقم الخلافات الحدودية هذه الايام بين الجارين الشيوعيين حول ملكية بعض الجزر في بحر الصين . وكلا البلدين يصعٌد . فالصين اقامت بعض المنشآت العسكرية في تلك الجزر ، وارسلت حفارات للنفط الى هناك ، وقد ردت فيتنام بمظاهرات غاضبة عام 2014 احرقت على اثرها معامل ومؤسسات صينية في بعض المدن الفيتنامية ، ثم ان هانوي قد ارسلت ايضا اسلحة الى بعض الجزر، ووطدت تفاهمها مع امريكا نكاية بالصين ، ومنحت السفن الامريكية اذنا لاستخدام بعض الموانيْ الفيتنامية . وقد كافأت واشنطن هانوي بالغاء حظر توريد الاسلحة الفتاكة عنها. والشييء المطمئن في علاقات الجارين الشيوعيين ، ان قيادتهما قد ادركتا ضرورة الفصل بين الخلافات والتعاون الاقتصادي .ورغم التوتر الذي يسود منطقة الجزر المتنازع عليها ، فان التعاون الاقتصادي بين الصين وفيتنام مستمر ، لا بل انه يتطور . فهناك الان نحو تسعة مليارات من الاستثمارات الصينية في فيتنام ،وحجم التبادل التجاري وصل بين البلدين الى اكثر من ثلاثين ملياردولار عام 2015. لم يردني جواب حول اللقاء مع الجنرال جياب ، ولم استغرب ذلك ، فاسم الجنرال جياب دخل منذ فترة طويلة في التعتيم المقصود بعد اقالته من عضوية المكتب السياسي للحزب ومنصب وزير الدفاع .واعتقد ان هناك سببان لهذا التعتيم : الاول يكمن في اصرار جياب على النقد المستمر لسلوك قادة فيتنام الجدد في الانفتاح على الغرب عامة ، وعلى امريكا خاصة . لم يكن جياب ضد العلاقات الاقتصادية مع امريكا التي هزمها ، لا بل انه قال:" يمكن ان نتقارب ، ولكن ينبغي ان لا ننسى المآسي التي سببتها امريكا لبلادي" . لقد شعر جياب ان هناك نهجا رسميا لا يركز على التعاون مع واشنطن فقط ، بل يسعى الى طمس جرائمها من ذاكرة الشعب الفيتنامي وتبييض سجلها الاسود. والسبب الثاني هو انتقاده للوضع الداخلي ، من الفساد في الحزب والدولة الى الهدر في استخراج مادة البوكسيت. فحين كان في التسعين من عمره لم يستطع جياب ان يلجم غضبه وخيبة امله ازاء ما يحدث، وكان يكتب الرسائل المفتوحة الغاضبة ،و يستغل المناسبات السنوية لتوجيه سهام نقده الى كل المثالب والسلبيات ، وهو امر لم يرق للقادة الجدد في فيتنام . ومع ذلك بقي الجنرال جياب اسطورة فيتنام المعاصرة ، واحد قادتها التاريخيين ،الذي ارتبط اسمه بمقاومة ثلاث من اعتى قوى الاستعمار الحديث ، وهي الاستعمار الياباني والفرنسي والاميركي. وقناعتي ان هذا السجل التاريخي ، اضافة الى الاحترام الشعبي ،وفرا الحصانة الادبية والاخلاقية للجنرال جياب ،الذي توفي العام الماضي بعد حياة حافلة امتدت لقرن وسنتين. زرت فيتنام فيما بعد عدة مرات ، وشاركت في ندوات كثيرة عن الاقتصاد والسياسة الخارجية في فيتنام .وقد بات واضحا لي بعد هذا كله ، ان فيتنام – على غرار الصين – قد نزعت الايدولوجيا عن سياستها الخارجية وحتى الداخلية . صحيح ان الحزب الشيوعي لا يزال هو الحزب الحاكم هناك ، ولكن الصحيح ايضا ، ان السياسة الخارجية الفيتنامية لا علاقة لها بالنظرية الشيوعية ، فهي قد انفتحت الى ابعد الحدود على الدول الرأسمالية خاصة الولايات المتحدة ،واقامت اقوى العلاقات معها . ثم ان التغيير حل ايضا بالسياسة الداخلية . فقد الغي الصراع الطبقي، وتم التراجع عن مبادئء الاقتصاد الشيوعي ، واقر التوجه نحو اقتصاد السوق . ودخل التغيير الى صلب السياسة الفيتنامية التي باتت تطرح مفاهيم جديدة مثل تغليب المصالح على المبادىء ، والتمسك بالوطنية مكان الاممية الشيوعية . وقناعتي ،فان هذه التغييرات كانت ضرورية و متوقعة ، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي –الحليف الاساسي لفيتنام - وتوتر العلاقات مع الصين وتراجع قوى التقدم في العالم كله .ويبدو ان هذا المنهاج الجديد قد وفر لفيتنام الفرصة، لان تطور نفسها وترفع من مستوى حياة شعبها رغم نقص الثروات والامكانات الداخلية .


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة