جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
كوريا الحائرة بين الماركسية والزوتشية

كتب محمد خير الوادي:
لم يكن سفري الى  كوريا الشمالية عملية سهلة ابدا لا سيما في بداية تسعينات القرن الماضي ، فقد كان لزاما على ان أغير عدة شركات طيران وان اتوقف في دبي وكراتشي وتايلند وبكين ، وان انتظر هناك عدة ايام كي تحضر الطائرة الكورية الوحيدة التي تقوم برحلة اسبوعية بين الصين وكوريا الشمالية .

وبالمناسبة ،كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تربط هذا البلد بالعالم الخارجي –آنذاك - . وكنت مترددا في قبول السفر الى هناك ، ولكن الحاح السفير الكوري الشمالي بدمشق ،اضطرني لقبول الدعوة التي تتضمن لقاءا مع الرئيس كيم ايل سونغ.حدث هذا في شهر تموز عام 1992، حيث حطت الطائرة في مطار بيونغ يانغ بعد رحلة استغرقت اربعة ايام.كان علي ان اخضع لتفتيش دقيق في المطار،على الرغم من ان الجهة الداعية هي عمة الرئيس كيم ايل سونغ التي تتولى رئاسة تحرير صحيفة «رودونغ سينمون» الناطقة باسم الحزب الحاكم في كوريا الشمالية. نقلت بعد ذلك الى واحد من قصور الضيافة الفخمة والمسورة والمحمية جيدا .وكنت الشخص الوحيد في مبنى من اربعة طوابق .وقد اشعرني السكون المطبق هناك بوحدة غريبة ،لم تخفف الحدائق الغناء المحيطة بالقصر من وطئتها . ورغم مشقة الطريق الطويل ، الا انني لم اتمكن من النوم جيدا. في صباح اليوم التالي ،تناولت الافطار مبكرا ، وبعد ساعة جاء المترجم واخبرني بان " الشمس الساطعة " ( وهذه احدى صفات الرئيس كيم ايل سونغ التي تجاوزت المئة )سيستقبلني مع عدد من رؤوساء تحرير الصحف العربية عند الساعة العاشرة صباحا .في الوقت المحدد وصلت الى مبنى البرلمان - حيث سيتم اللقاء - ، وقد اجتاحتني حالة من الانفراج عندما رأيت اربعة من رؤوساء تحرير الصحف العربية من مصر والسودان والجزائر وفلسطين .تبادلنا السلام والانطباعات الاولية ، وادركت ان مشاعر الوحدة والعزلة حلت بهم جميعا ، ولم نفهم لماذا اسكنوا كل واحد منا في قصر منيف مستقل ،وعبثا حاولنا الاستفسار. جرى اللقاء في احدى القاعات الفخمة في البرلمان .وقد اقتادنا المرافقون الكثر في جولة سريعة في المبنى الذي غطيت جدرانه الداخلية بانواع مدهشة من الرخام الملون ، ووصلنا الى البهو الرئيسي حيث انتصب في الوسط تمثال كبير للرئيس كيم .واعلمنا احد المرافقين بان هذا المبنى الذي اشاده الرئيس، يعتبر الاكبر في العالم بين مباني البرلمانات من حيث الحجم وتعدد القاعات وفخامة البناء . وفي نهاية الجولة دخلنا القاعة التي سيجري اللقاء فيها . كانت القاعة غاية في الجمال ، حيث علقت على الجدران لوحات ضخمة من مناظر طبيعية ، وتدلت ثريات متلألأة من الكريستال ، وفرشت الارض بسجادة هائلة رصعت برسوم واشكال هندسية رائعة . اخبرنا المرافق بان" الرئيس قد اطلع على اسئلتكم وان سيجيب عليها بشكل عام وان الوقت المخصص للقاء هو اربعون دقيقة ." وقلت للمرافق ان لدينا كثير من الاسئلة الاخرى اذا رغب الرئيس في سماعها . ولم يفت المرافق تذكيرنا بان التصوير ممنوع .فجأة حدثت حركة غير طبيعية بين المرافقين والحراس ، ودخل الرئيس كيم ايل سونغ .كان رجلا متوسط القامة كبير الرأس ذو ابتسامة عريضة ، وكان الشيب قد بدأ يتسرب الى شعره الاسود الحالك .جلس في مقعد بعيد نسبيا عنا ، وكان واضحا انه في مزاج طيب بدأ الحديث بالترحيب بنا كمثلين للدول العربية الصديقة وتطرق الى العلاقات مع نظام كوريا الجنوبية " العميل للامبريالية الامريكية "، ثم فصٌل في الانجازات التي حققتها بلاده في البناء الداخلي .كان الوقت يمر بسرعة ، وأخذت الترجمة الحيز الاكبر منه .واعتقدنا ان اللقاء شارف على النهاية ،وفجأة نظر الى ساعته والقى علينا نظرة بشوشة ،وقال ، "لقد اجبت على اسئلتكم ، فاذا كان لديكم اسئلة اخرى فانا جاهز" .استثمرت الفرصة بسرعة والقيت عليه مجموعة من الاسئلة ذات الطابع النظري والفلسفي واهمها :ماهو موقفه من الماركسية ،وماهي نظرية زوتشيه التي تطبق الان في كوريا الشمالية وكذلك عن وجهة نظره تجاه البيريسترويكا التي بدأها غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي وتأثيرها على كوريا ، وطرح بقية الزملاء اسئلة اخرى عن الوضع الداخلي في كورية الشمالية . ابتسم كيم ايل سونغ ، وعدل من جلسته وقال :انا بالاصل تربيت في وسط شيوعي ، فقد ناضلت في صفوف الحزب الشيوعي الصيني في ثلاثينات القرن العشرين ،ثم بت عضوا في حزبنا حزب العمال الكوري ذي التوجه الشيوعي ، كما نشطت داخل الحزب الشيوعي السوفياتي .ان الماركسة نظرية تدعو الى العدل والمساواة وترفض الاستغلال ،وقد وجدت انها بحاجة الى تطوير بحيث تنسجم مع ظروفنا المحلية في كوريا، ولذلك قلت بنظرية جديدة هي الزوتشية التي تعني الاعتماد على الذات .واذا اردت ان ألخص الجوهرالفكري لزوتشيه ، فهو يتجسد في الاستقلال في السياسة و الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد و الدفاع الذاتي في الدفاع الوطني واعتبار الانسان هو المرتكز . و خلال كفاحي الطويل في سبيل حرية الوطن و استقلاله ، توصلت الى اقتناع راسخ بأن علينا وفي مقدورنا أن نصوغ مصيرنا بجهودنا نحن . كان نضالنا قاسيا ومعقدا ، كان علينا ان نحل كل شيء بأنفسنا ، وأن نستخدم ادمغتنا لصياغة خطوط الكفاح ، وان لا نعتمد على الاخرين في تقرير مصيرنا .وقد اثبتت الاحداث والتطورات في الدول الاشتراكية صحة زوتشيه .لقد انطلقت في علاقاتنا مع الاتحاد السوفياتي من مبدأ الاستقلالية في القرار وعدم التبعية النظرية والسياسية وحتى الاقتصادية . لقد عرض علينا خروتشوف تزويدنا بالطاقة الكهربائية من محطات تنتج الطاقة داخل الاتحاد السوفياتي ، ولكنني رفضت ذلك لأنني اعتقدت ان مفتاح الطاقة سيكون بيد السوفيات لا بيدنا نحن ،وهم قادرون في اي وقت على قطع شراييين الكهرباء عن بلادنا . الافضل لنا بناء محطات للتوليد في كوريا وهذا ما فعلناه .وطرح الرئيس كيم علينا السؤال التالي : هلى تعرفون لماذا بدأ الانهيار في دول المعسكر الاشتراكي ؟ لم ينتظر الرئيس الاجابة من احد ، بل بادر فورا للجواب قائلا: هناك سببان لذلك ، الاول هو تبعية الدول الاشتراكية لموسكو.وقد وصلت الامور الى حد انه اذا نزل المطر في موسكو كان الناس في المانيا الشرقية وغيرها من الدول الاشتراكية يمشون تحت المظلة ، واذا عطست موسكو ، فان الناس في بعض دول المعسكر الاشتراكي يبدأون بتناول المسكنات المضادة للانفلونزة. لقد اصبحت بلدان اوربا الشرقية ملوثة بجرثومة التبعية للاتحاد السوفياتي ، وهذا الامر اضعف مناعتها . وتابع الرئيس كيم حديثه وقد اختفت ابتسامته واصبحت قسمات وجهه أكثر جدية :والسبب الثاني هو البيروقراطية التي عطلت اجهزة الدولة وفسحت المجال بقيام مظاهرات واحتجاجات واسعة معادية للسلطة ادت الى الفوضى في المانيا الشرقية وحتى في الاتحاد السوفياتي نفسه، ونحن في كوريا لا توجد لدينا بيروقراطية ولا تربة لحدوث مثل هذه المظاهرات .باختصار – والكلام للرئيس كيم – فان أوربا الشرقية قد انهارت بسبب التبعية والبيروقراطية . واختتم الرئيس كيم اللقاء بقوله :سيتم تنظيم جولة لكم في البلاد ، وسترون بام اعينكم الانجازات التي تحققت والسعادة والرفاهية التي يعيشها شعبنا ، فلا يوجد فقراء لدينا ولا اناس يطلبون الصدقة او بثياب رثة ولا سكيرين ، نحن عملنا كل شيء لمصلح الانسان وهذا هو جوهر فكر زوتشية. بعد ذلك نهض الرئيس كيم في اشارة الى انتهاء اللقاء ، وقد هرع جيش المرافقين والمترجم والتفوا حوله ونسوا وجودنا تماما ، فلا غرو في ذلك ، فالرئيس كيم هو بمثابة الآله في بلاده ، وكل حركة او كلمة منه ترتقي الى مرحلة التقديس المطلق من مواطنيه.مرت عدة دقائق انتبه بعدها المترجم والمرافقون الى وجودنا ، فتقدموا نحونا بخطوات بطيئة واعلمونا بتفاصيل الجولات التي امر بها الرئيس . بعد هذا اللقاء اصبح واضحا لدي لماذا منعت السلطات السوفياتية - آنذاك- الرحلات الجوية الى بيونغ يانغ ، ولماذا احجمت الصين عن ارسال طيرانها المدني الى كوريا الشمالية وابقت على طائرة كورية تأتي كل اسبوع الى بكين ! في اليوم التالي اقامت رئيسة تحرير صحيفة «رودونغ سينمون» مأدبة عشاء لرؤساء تحرير الصحف العربية .وقد دهشنا للحفاوة الزائدة التي قوبلنا بها وللمستوى العالي من الحضور ، حيث شارك في العشاء بعض اعضاء المكتب السياسي للحزب الحاكم وعدد كبير من المسؤوليين . وتفسير ذلك سهل للغاية ، ففي كورية الشمالية ،من يقابل الرئيس كيم ايل سونغ او يصافحه يصبح شخصا مهما في نظر الكوريين.جلس الى جانبي احد نواب رئيسة التحرير ، واسهب في الحديث عن مآثر الرئيس كيم، ونضاله من اجل تحرير كورية وبنائها .وقد شعرت انه مكلف بنقل هذا الحديث .وعندما تشعب الحديث وتناول الشؤون الخارجية ، صعقت لضحالة معلوماته عن العالم ، فهو مثلا لم يعرف ان الانسان وصل الى سطح القمر ومشى عليه ، ولم يسمع بكلمة " بيريسترويكا" التي اطلقها غورباتشوف والتي دمرت الاتحاد السوفياتي ،ولا يعرف شيئا عن العدوان الاسرائيلي .ادركت انه من العبث متابعة الحديث في السياسة الدولية .سألته ماذا يقدم التلفزيون الكوري كل يوم ؟ اجاب خطابات الرئيس كيم واخباره وافلام وثائقية عن نضاله ضد الغزاة اليابانيين وافلاما عن التعذيب الوحشي الذي تعرضت له والدة الرئيس على ايدي اليابانيين . وهنا دمعت عيناه واجهش في البكاء !وعلمت فيما بعد ان البكاء والنحيب عند ذكر تضحيات الرئييس كيم وعائلته امر منتشر بين الشعب الكوري ، ومن يذرف دموعا اكثر هو الذي يجاهر بحب أكبر للرئيس . نقلتنا السيارة في اليوم التالي الى الحدود مع كوريا الجنوبية ،وكانت السيارة تسير وسط حقول خضراء شاسعة زرعت بالارز وجذور نبات الجينسينغ التي ينسج الكوريون حول فاعليته وفوائده الاساطير . وبعد ساعتين وصلنا الى منطقة «بانمونجوم» ،وهي عبارة عن كتلة من المباني الزرقاء التي تتوسط المنطقة المنزوعة من السلاح، والتي تعج بحقول الالغام على طول 241 كيلومتراً، ودخلنا قاعة فريدة تتوسطها طاولة كبيرة يشطرها خط عريض . وشرح لي المرافق، ان هذا الخط هو جزء من خط وقف اطلاق النار الذي شطر الكوريتين الى قسمين شمالي وجنوبي ، وان الكراسي الموجودة على الجانب الشمالي من الطاولة موجودة في الارض الكورية الشمالية، بينما الكراسي في الجهة المقابلة من الطاولة هي على ارض كوريا الجنوبية . وتعقد خلف الطاولة اجتماعات لجان الهدنة بوجود الامم المتحدة ويتم بحث خروقات الهدنة والسعي لعدم تفاقمها . وهذ الامر موجود منذ عام 1953 حيث تم الوصول الى الهدنة .واشار الى جنود أمريكان يقفون خارج القاعة ويتبادلون التصوير بقوله : هؤلاء هم سبب نشوء الازمة وتقسيم كوريا ، لكن الرئيس كيم اعلن بانه سيوحد البلاد ويحررها من الامريكان كما حررها من اليابانيين،وقد شاهدتم كيف اجبر الرئيس كيم الامريكيين على التعامل باحترام وعلى قدم المساواة مع بلادنا . ويبدو ان هذا ماراد منظمو الرحلة الى المنطقة العزلة اقناعنا به كانت المعاناة الاساسية بالنسبة لي تبدأ بعد انتهاء يوم العمل والعودة الى منطقة الاقامة . فبعد الساعة السابعة مساء ينصرف جميع الكوريين ، ويحل سكون ثقيل ووحدة موحشة . فجهاز التلفاز في الغرفة يبث برامج حماسية وخطب وطنية باللغة الكورية ، ولا توجد اجهزة هاتف ،ولم تكن الانترنت منتشرة، واول مرة شعرت بنفسي انني معزول بالكامل عن العالم الخارجي . وذات مرة دعاني سفير سورية في كوريا الشمالية ياسر الفرا الى عشاء ، وحضر لنقلي بسيارته الى السفارة . عند العودة بدأت المعاناة : ففي الليل تقطع الكهرباء عن شوارع العاصمة لتوفير الوقود ويحل ظلام دامس مخيف يخيم على الشوارع الخالية من السيارات والناس ، وكل مئتي متر كان حاجز من الجيش يوقف سيارة السفير ويدقق في اوراق ركابها ،وعند احد الحواجز انتظرنا نحو ربع ساعة الى ان جاءت الموافقة بالمرور .استغرقت رحلة العودة من السفارة الى مقر الاقامة نحو ساعتين ونصف .وقصتي مع السفير ياسر الفرا لم تنتهي هنا . فبعد سنوات زرته مصادفة في منزله في مدينة حماة ، وفي غرفة الضيوف شاهت تمثالا للرئيس كيم ايل سونغ . وعلمت ان التمثال كان هدية من الحكومة الكورية الشمالية بمناسية انتهاء مهامه كسفير ، وان عددا من الموظفين الكوريين حملوا التمثال وسافروا معه بالطائرة من بيونغ يانغ الى موسكو، وان كل موظفي السفارة الكورية بدمشق كانوا باستقبال التمثال بالمطار ، وانهم هم الذين نقلوه الى حماة ،وانهم يتفقدون وضع التمثال في بيت السفير بحماه بشكل دوري ويرسلون التقارير الخاصة عن سلامته الى بلادهم ! أعود الان الى تفاصيل زيارتي الى كورية الشمالية . في صباح اليوم التالي اقلتنا سيارة رسمية باتجاه منطقة مايوهيانغ الجبلية شمالي العاصمة حيث يوجد متحف الصداقة.كان المتحف يضم الهدايا التي قدمت للرئيس كيم ايل سونغ من الضيوف والقادة الاجانب . ويحظى المتحف بنظام حماية لا مثيل له ، فهو قد بني على الطراز الكوري في جوف جبل لاتقاء القصف الجوي المعادي ، واكتشفت ان نوافذ المئتي غرفة في المتحف كانت مجرد ديكورات ، وكانت ابواب حديدية سميكة يزن كل منها نحو خمسة اطنان تفصل قاعات المتحف ، وكان جنود بكامل اسلحتهم يحرسون المعروضات التي وصل عددها آنذاك الى نحو مئة وخمسين الف قطعة .قبل الولوج الى غرف المتحف ، كان علينا ان نقف امام صورة هائلة للرئيس كيم وخلفه سهل اخضر يحرك عشبه هواء اصطناعي . وقد انحنى جميع الكوريين أمام الصورة ، وكان لزاما علينا ان نفعل مثلهم . أقدم معروضة في المتحف كانت عربة قطار مضادة للرصاص اهداها ستالين لكيم ايل سونغ ،وعربة مماثلة من ماو تسي تونغ ، وصورة لكيم رسمت بالحروف العربية قدمها وفد سوري ، وآلاف الهدايا التي تتراوح بين القطع الخزفية واسلحة الصيد والسيارات المدرعة واللوحات الثمينة .كان الهدف الرئيسي من تنظيم هذه المعروضات ،هو اقناع الكوريين بان رئيسهم يتمتع باحترام العالم وحبه .وكانت اجهزة الدعاية والثقافة كلها في كوريا الشمالية تمارس اسلوبا غريبا في الدعاية .على سبيل المثال ، لقد شكرتني رئيسة تحرير الصحيفة الناطقة باسم الحزب الحاكم لان صحيفة تشرين السورية نشرت مجموعة مقالات تمجد الرئيس كيم . وكانت المقالات المذكورة عبارة عن اعلانات مأجورة كتبها قسم الدعاية في الحزب الكوري الشمالي الحاكم ،وعمدت السفارة الكورية بدمشق لنشر هذه المقالات كاعلانات مأجورة . وهذا الامر يتكرر في عدد كبير من الصحف الاجنبية دول العالم .والامر المثير هو ،ان اجهزة الاعلام الكورية كانت تعيد نشر هذه المواد الاعلانية المأجورة وبثها على انها مواد الفها كتاب اجانب و نشرت في صحف اجنبية تمجيدا للرئيس كيم . كانت هذه وظيفة اجهزة الاعلام والدعاية في كوريا الشمالية . لقد اسس الرئيس كيم ايل سونغ كورية التي يطلق عليها الديمقراطية والشعبية ، وبنى قوات مسلحة قوية مسلحة باسلحة نووية ، كل هذا يحسب له ، ولكن ما يحسب عليه هو انه فرض عزلة كاملة على البلاد ، وحوٌل نفسه الى إله ، كل ما حوله مقدس وكذلك كل ما يمت اليه بصلة .ففي كل مكان في كورية كنت ارى اللوحات المكتوب عليها : من هنا مر " الزعيم المحبوب " وهذا المكان زاره " القائد الاسطوري " وبفضل توجيهات القائد العبقري " تم اشادة هذه المنشأة". وفي وسط ميدان العاصمة بيونغ يانغ اشيد نصب معماري هائل لتخليد افكار " الشمس الساطعة " اي الرئيس كيم عن زوتشية. جميل ان تعتمد الدول على نفسها – كما تقول نظرية زوتشيه ، ولكن على ان لا يصل ذلك الى حد فرض عزلة كاملة على البلاد والعباد ، والاجمل ما جاء في زوتشية من ان الانسان يبقى دائما هو الاساس والهدف ،ولكن الوضع الذي شاهدته عبر زياراتي المتكررة الى هذا البلد يخالف تماما هذه المقولة .فموجات المجاعة كانت تضرب باستمرار شعب كوريا ، لا بل ان سفارات كورية الشمالية في بعض الدول " الصديقة " لها ،كانت – آنذاك - مشغولة اساسا بقضيتين : الحصول على مساعدات غذائية وتمجيد الرئيس كيم . ان الشعب الكوري يتميز بحبه للعمل وهو مبدع – متى توفرت له الظروف المناسبة ، والدليل على ذلك التقدم الحاصل في كورية الجنوبية – رغم الاحتلال الامريكي لها -والتي باتت احدى الدول المتقدمة اقتصاديا وتقنيا في العالم . لقد اصابني الحزن الشديد وانا اشاهد في بكين في اعوام 2004 -2005مئات المواطنين الكوريين وهم يقتحمون اسوار السفارات الاجنبية في الصين طلبا للجوء السياسي ، حتى السفارة السورية في بكين لم تسلم من محاولات الاقتحام هذه .وكنت اكثر حزنا عندما دعاني السفير الكوري الشمالي في الصين عام 2006 لحضور حفل استقبال اقامه بمناسبة زيارة الرئيس كيم جونغ ايل ( ابن كيم ايل سونغ تولى السلطة عام 1994). لقد اراد الصينيون كسر طوق العزلة عن كورية وفتح ابواب هذا البلد امام التعاون الاقتصادي الاقليمي ، ولذلك نظموا للرئيس الكوري الزائر برنامجا تضمن لقاءات مع ابرز قادة المؤسسات المالية والتقنية الصينية ، وعرض الجانب الصيني المساعدة في اجراء اصلاحات اقتصادية بنيوية في كورية . وقد سألت السفير الكوري الشمالي في بكين عن مصير هذه المبادرة الصينية ، واعلمني ان يشك في نجاحها . حزنت حقا لان الرئس الكوري الشمالي رفض تلك الجهود الصينية الصديقة - كما فعل والده برفضه للمساعدات التقنية السوفياتي في خمسينات القرن الماضي - وآثر التمسك بمبدأ "زوتشية " في الاعتماد على الذات فقط، ولم يكتف الرئيس الكوري بذلك ، بل أمر فور عودته من بكين باجراء تفجير نووي دانته الصين علنا . لقد اراد الرئيس الكوري ابراز قوة نظامه عبر هذا التفجير ، والتأكيد انه ليس بحاجة الى مساعدة من احد حتى لو جاءت هذه المساعدة من اقرب حلفائه وهي الصين . ختاما ،لقد تخلى الرئيس كيم ايل سونغ عن النظرية الماركسية وعن الشيوعية وابتدع خطا آخر هو الزوتشية،التي لا تزال الايدولوجية الرسمية في كورية الشمالية حتى الآن ، وكانت النتيجة خليط عجيب من قوة عسكرية كبيرة وبناء اقتصادي واجتماعي لا هوية له ، وعزلة دولية كاملة ، وازمات اقتصادية لا تنتهي.
لمحة عن حياة كيم ايل سونغ
 
ولد كيم ايل سونغ فى الخامس عشر من نيسان عام 1912، فى مانكيونغداى بمدينة بيونغ يانغ وكان الابن البكر لوالده كيم هيونغ جيك ووالدته كانغ بان سوك. اطلق عليه والده اسم "سونغ جو" على امل ان يغدو عماد البلاد فى المستقبل. اقتفى كيم ايل سونغ خطوات والديه فى نشاطاتهما الثورية وعاش متنقلا في مناطق متفرقة من كوريا والصين، وقضى فيها ايام طفولته. تعلم كيم اللغة الصينية منذ صغر سنه ودرس فى مدرسة الصينيين الابتدائية، ببعد نظر والده، فصار بوسعه ان يتكلم اللغة الصينية بطلاقة. وكان لذلك أثره الإيجابي فى خوض النشاطات الثورية فى الصين فى فترات لاحقة. وحين سمع الخبر المفاجئ باعتقال والده على ايدى الشرطة اليابانية مرة ثانية فى كانون الثانى عام 1925، غادر مانكيونغداى ، عاقدا العزم الاكيد على الا يعود قبل ان تنال كوريا استقلالها. وبعد وفاة والده فى حزيران عام 1926، التحق بمدرسة هواسونغ فى هواتين (في الصين )،وهي المدرسة العسكرية والسياسية، التى انشأتها الجماعة القومية المناهضة لليابان، ومدة الدراسة فيها سنتان، وشكل فيها اتحاد اسقاط الإمبريالية فى يوم 17 تشرين الأول من العام نفسه وصار مسؤولا عنه. بعد مرور نصف سنة من دراسته فيها، غادرها ونقل حلبة نشاطه الثورى الى جيلين في الصين ايضا، بغية قيامه بالعمل الثورى فى اوسع المناطق. ايام دراسته فى مدرسة يووين الثانوية فى جيلين، حول اتحاد اسقاط الامبريالية الى اتحاد الشباب المناهض للإمبريالية، اوسع المنظمة الجماهيرية فى 27 آب عام 1927 وشكل اتحاد الشباب الشيوعى الكورى فى 28 آب. كما انه أنشأ مختلف المنظمات الجماهيرية وقاد النضالات المناهضة لليابان. اوضح كيم ايل سونغ فى الاجتماع المنعقد فى كارون من 30 حزيران، الى 2 تموز عام 1930، طريق التقدم للثورة الكورية والمسائل الاستراتيجية والتكتيكية لتحقيق مهامها الأساسية من كل النواحى. أسس كيم ايل سونغ جيش حرب العصابات الشعبي المناهض لليابان ، (فيما بعد، تم تحويله الى الجيش الثوري الشعبي الكورى فى 25 نيسان عام 1932)، وقاد النضال المسلح المناهض لليابان الى النصر، و بعد استعادة البلاد لحريتها فى 15 آب عام 1945 ،عاد الى كوريا الشمالية مظفرا فى ايلول عام 1945. وفى العاشر من تشرين الأول عام 1945، شكل لجنة التنظيم المركزية للحزب الشيوعي فى شمالى كوريا وأعلن تأسيس الحزب . نظم اللجنة الشعبية المؤقتة لشمالي كوريا فى الثامن من شباط عام 1946، وتم انتخابه رئيسا لها واصدر البرنامج السياسى ذا ال 20 بندا.و فى آب عام 1946، اسس حزب العمل لشمالي كوريا عن طريق دمج الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الجديد. نظم كيم اول انتخابات وشكل مجلس الشعب لشمالي كوريا، وتم فيه انتخابه رئيسا للجنة الشعبية لشمالي كوريا، الهيئة المركزية الجديدة لسلطة الدولة، وطرح مهام مرحلة الانتقال الى الاشتراكية. فى شباط عام 1948، اتخذ كيم قرارا بتحويل الجيش الثوري الشعبي الكوري إلى الجيش الشعبي الكوري، القوات المسلحة الثورية النظامية. وفى التاسع من أيلول عام 1948، أسس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، و الحكومة المركزية الموحدة للشعب الكوري وانتخب رئيسا لمجلس الوزراء لحكومة الجمهورية ورئيسا للدولة . فى الثلاثين من حزيران عام 1949، دعا كيم ايل سونغ الى انعقاد الدورة الكاملة المشتركة للجنتين المركزيتين لحزب العمل فى شمالي كوريا وجنوبيها وتم فيها انتخابه رئيسا لحزب العمل الكوري. قاد كيم ايل سونغ حربا ضد الامريكيين اعتبارا من 25 حزيران عام 1950 وحتى 27 تموز عام 1953،. انتخب كيم ايل سونغ رئيسا للجنة المركزية للحزب فى المؤتمر الثالث لحزب العمل الكورى، المنعقد فى نيسان عام 1956، وفى مؤتمره الرابع، المنعقد فى ايلول عام 1961. طرح الرئيس فكرة جديدة خاصة بمواصلة الثورة وحدد الثورات الثلاث، الفكرية والتقنية والثقافية، كمضمون أساسي لها. انتخب كيم ايل سونغ أمينا عاما للجنة المركزية لحزب العمل الكوري في الدورة الكاملة الرابعة عشرة للجنة الحزب المركزية الرابعة ، المنعقدة فى تشرين الاول عام 1966. انتخب كيم ايل سونغ رئيسا للجمهورية وفقا للدستور الاشتراكي لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، الذى تم اقراره جديدا فى الدورة الأولى لمجلس الشعب الأعلى الخامس، المنعقدة فى كانون الأول عام 1972. كما اعيد انتخابه أمينا عاما للجنة الحزب المركزية فى المؤتمر الخامس للحزب المنعقد فى 1970، ومؤتمره السادس المنعقد فى تشرين الأول 1980. حدد الرئيس تحويل المجتمع كله على هدى فكرة زوتشيه، كمهمة عامة للثورة الكورية. طرح الرئيس المبادئ الثلاثة لتوحيد الوطن فى أيار عام 1972، ومشروع اقامة جمهورية كورية الاتحادية الديمقراطية فى تشرين الاول عام 1980، وبرنامج النقاط العشر للوحدة الوطنية الكبرى من اجل توحيد الكوريتين فى نيسان عام 1993. فى حزيران عام 1994، قابل الرئيس كيم ايل سونغ الرئيس الأمريكي الاسبق كارتر الذى زار بيونغ يانغ، وهيأ ظروفا مواتية لبدء المحادثات الكورية الأمريكية بشأن المسألة النووية واللقاء بين رئيسى الشمال والجنوب. توفى الرئيس كيم فى المكتب اثر مرض مفاجئ فى الساعة الثانية فجرا، فى الثامن من تموز عام 1994. اتخذ الرئيس كيم ايل سونغ مقولة "اعتبار الشعب كالسماء" حكمة وعقيدة له على مدى حياته. منح له لقب المارشال الأعلى لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية ولقب بطل الجمهورية ثلاث مرات، ولقب بطل العمل. وقابل 70000 ونيفا من الشخصيات، بما فيهم رؤساء الدول والحكومات وقادة الأحزاب فى عديد من البلدان، وزار 87 دولة. ونال اكثر من 180 وساما وميدالية من ارفع الدرجات، من 70 بلدا و منظمة دولية ونيف ولقب المواطن الفخري لاكثر من 30 مدينة أجنبية، ولقب البروفيسور والدكتوراه الفخرية من 20 ونيف من اشهر جامعات العالم، وتلقى 165920 قطعة من الهدايا القيمة من رؤساء الاحزاب و الدول و الحكومات و الشعوب فى 169 بلدا. اقيمت تماثيله فى الصين ومنغوليا، ويسمى اكثر من 480 شارعا ومؤسسة ومنظمة فى 100 بلدا ونيف باسمه الكريم وتم تحديد ومنح "جائزة كيم ايل سونغ الدولية"، فى نطاق العالم. تم طبع اكثر من 24.57 مليونا من مؤلفاته الكلاسيكية باكثر من 60 لغة قومية فى 110 بلدان و نيف. بعد وفاته ، تولى ابنه الاكبر كيم جونغ ايل مقاليد السلطة في البلاد،واعلن الرئيس الجديد لكورية الديمقراطية السير على خطا والده فيى السياستين الداخلية والخارجية.واقيم ضريح مهيب للرئيس كيم ايل سونغ في وسط العاصمة بيونغ يانغ ،وبات الضريح محجا للمواطنين الكوريين وللوفود الاجنبية


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة