جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الزعيم الياباني : الطير والريح*

كتب محمد خير الوادي:
اتيحت لى فرصة زيارة اليابان عدة مرات كصحفي ودبلوماسي  وفي اوقات متباعدة ، وكانت زيارتي  الصحفية الاولى عام 1986، بدعوة من الحكومة اليابانية .وتضمن برنامج
الزيارة لقاءات صحفية مع عدد من كبار المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الوزراء – آنذاك - ناكاسوني

، الذي كان يخوض معركة شاقة للنهوض الشامل ببلاده والذي يذكره اليابانيون حتى اليوم كواحد من القادة الكبار الذي قاد اصلاحات غيرت وجه اليابان، وحددت مستقبلها . وقد تجلت هذه الاصلاحات في معالجة الشرخ المعنوي الذي اصاب الشخصية اليابانية اثر هزيمة البلاد في الحرب العالمية الثانية، وكذلك في اعادة النظر بهيكلية التعليم وبرامجه، وفى اصلاح اقتصادي، تمخض عن انطلاقة جبارة في الاقتصاد الياباني . وجرت العادة ان يتلقى الزعيم الياباني اسئلة الصحفيين الخطية مسبقا ، ويقتصر اللقاء معه على تبادل التحية واخذ الصور التذكارية واستلام نص الاجوبة المكتوبة .خلال اللقاء خرجت عن المعتاد وبادرت بالقول : لقد تضمنت الاسئلة الخطية التي قدمتها لكم جوانب مهمة من انشطة رئيس الوزراء كسياسي ، وكلنا نعرف انكم لستم سياسيا فحسب ، بل منظٌر وصاحب رؤى شاملة ومقولات استراتيجية ، مثل "الطير والريح " ، "والصيد البحري يمكن ان يكون وفيرا في منطقة تقاطع التيارات الدافئة والباردة وغيرها" . فهل يمكن ان تشرحوا ذلك ؟ فوجيء ناكاسوني بالسؤال ، والقى نظرة جامدة على المرافق المحتار ،ونظر الى ساعته . ساد لثوان صمت ثقيل ، قطعته ابتسامة عابرة خففت من ملامح وجه ناكاسوني الجدية ، ومد الرجل يده داعيا الجميع الى الجلوس .وهرعت فتيات بملابس يابانية تقليدية لتقديم الشاي الاخضر المطحون بنكهة الذرة الصفراء المحمصة للضيوف.اخذ رئيس الوزراء الياباني رشفة من فنجان الشاي وعدل من جلسته وقال : لست انا صاحب هذه المقولات ، بل هي جزء من حكمة الشعب الياباني التي ساعدتني في جعل برنامجي اقرب الى الناس .واعتقد - والقول لناكاسوني - ان الشرط الاساسي لنجاح اي برنامج سياسي او اقتصادي ، يكمن في ارتكازه الى مصالح الشعب واستلهامه لحكمته وتجاربه .لقد قلت حقا ان الطيور التي تطير مع اتجاه الريح تحلق طويلا وبعيدا . وانا ادركت ان اتجاه الرياح التي تهب على العالم يحتم علينا اجراء اصلاحات عميقة ، وان طاقات الشعب الياباني وعبقريته ينبغي ان تسير مع هذه الرياح لا عكسها . ولذلك كان على الطائر الياباني ان يستغل اتجاه الريح ،وبهذا يمكنه ان يصل الى ما يريد باقل طاقة ممكنة . لقد كان واضحا ان اليابان التي خرجت مدمرة ومدماة من الحرب، لا تستطيع ان تلحق برياح التطور في العالم مع وجود الهياكل الاقتصادية والتربوية القديمة ، كان لا بد من اجراء اصلاحات تحرر العقل الياباني وتطلق طاقته وعبقريته من القيود التي كبلته.واما مقولة " الصيد البحري يمكن ان يكون وفيرا في منطقة تقاطع التيارات الدافئة والباردة" ، فهي تعني في السياسة استغلال تصادم " التيارات الباردة والحارة في سياسات الدول العظمى من أجل الحصول على منافع اكبر لليابان.لقد طبقنا هذه المقولة في علاقاتنا مع امريكا والصين والاتحاد السوفياتي ،حيث كانت تتصادم مصالح هذه الدول في المحيط الهادي ، وتمكنت اليابان من صنع علاقات طبيعية مع الدول الثلاث لا بل ان سياستنا تحولت في مرحلة ما الى جسور تفاهم بين هذه الدول ، وقد جنينا من ذلك "صيدا وفيرا جدا " من الاستثمارات والتقانة الامريكية ،ومواد الخام الروسية والسوق الصينية الهائلة . شعرت انني لا املك الحق لطرح مزيد من الاسئلة ، فالرجل مشغول وهو منحني فرصة ثمينة بخروجه عن المألوف في لقاءاته الصحفية . ولم يكن لقائي هذا هو الاخير مع ناكاسوني ، فالرجل –بعد استقالته من رئاسة الوزراء عام 1987، نشط في مجال تأليف الكتب حيث اصدر نحو خمسين كتابا تتحدث عن تجربته في الحكم ورؤيته لليابان في القرن الحادي والعشرين .كما كان رئيس الوزراء الياباني الاسبق مشاركا نشطا في كثير من المؤتمرات والندوات ، حيث التقيت به مجددا عدة مرات كسياسي وباحث . وكان ناكاسوني يفخر باصلاحاته .ففي احدى محاضراته في اطار ندوة بعنوان " الباسيفيك .. الواقع والتحديات "والتي عقدت في تايلاند عام 2001 وكنت مشاركا فيها ،شرح بالتفصيل الخطوات التي طبقها لتحرير الشعب الياباني من اغلال النظام الامبراطوري الاقطاعي واخراجه من الانكسار العام الذي اصاب الشخصية اليابانية اثر هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية .فالشعب المهزوم نفسيا – كما قال ناكاسوني - لا يبني حضارة ، والامة التي تفقد الثقة بنفسها لا تصنع تقدما .وقد بدأ ناكاسوني اجراءاته في هذا المجال بمعالجة نظرة اليابانيين الى الوجود الامريكي الشبيه للاحتلال في بلاده .وكانت هذه مهمة شاقة . فالامريكيون هم اعداء الامس وهم الذين القوا قنابل ذرية قتلوا نتيجتها مئات الالاف من الناس في هيروشيما وناغازاكي .ثم ان جراح الحرب لا تزال نازفة ،وكل يوم يتذكر اليابانيون ضحايا القنابل الامريكية من مشوهين ومعاقين انتشروا في كل مكان .قال ناكاسوني ، لقد كتبت للجنرال ماك آرثر القائد العسكري الامريكي في اليابان مذكرة من 28 صفحة اشرت فيها الى ضرورة ردم هوة العداء بين البلدين واقامة جسور التعاون واصلاح العلاقات اليابانية الامريكية ، وفيما بعد اتفقت مع الامريكيين على ان يسهموا في برنامج تحديث اليابان ،من خلال تقديم التقانة المتطورة والاستثمارات وفتح الاسواق الامريكية للمنتجات اليابانية . وبعد عدة سنوات من التعاون المثمر بين البلدين ، بدأ اليابانيون يشعرون بفوائد العلاقات مع امريكا ، واخذت نظرتهم الى الامريكان تتغير نحو الافضل .والاجراء الثاني الذي باشر فيه ناكاسوني لتعزيز ثقة الشعب بنفسه تجلى في ابراز مآثر التاريخ الياباني والتركيز على اخلاق الساموراي لا سيما التضحية بالنفس من اجل الوطن ،وتكريم ضحايا الحرب . وكان هو أول رئيس وزراء ياباني يزور مقبرة ياسوكونى حيث يرقد رفات مليونين ونصف جندي وضابط ياباني قضوا في الحرب . واعتبر رئيس الوزراء الياباني هؤلاء ابطالا ، الامر الذي اثار غضب الصين والكوريتيين . ورغم احتججات جيران اليابان ، فقد زار ناكاسوني هذه المقبرة عشر مرات .وكانت الخطوة الاهم – كما قال ناكاسوني – هي السعي الى تعزيز القوة العسكرية لليابان . وكان هذا "موقفي قبل ان اصبح رئيسا للوزراء ،ففي عام 1972 اقترحت تخصيص مبلغ ثلاثين مليار دولار سنويا للانفاق العسكري .وهنا اصطدمت بعقبتين كبيرتين ، اولهما هي عدم ترحيب واشنطن بذلك ورفض جيران اليابان ، والثانية، وجود فقرة في الدستور تمنع الافراط في التسلح وتحظر أي وجود عسكري ياباني خارج البلاد.وقد تطلب الامر جهودا كبيرة مع الامريكيين ،وقد ساعدني في ذلك المزاج الشعبي العاام الذي يرفض القواعد العسكرية الامريكية في البلاد لا سيما في هوكايدو.وقررت التحليق مع رياح المزاج الشعبي الامر الذي ازعج الامريكيين ودفعهم للقبول بمبدأ التسوية التالية : الحكومة لا تساند المعارضة الشعبية مقابل زيادة المخصصات لقوات الدفاع الذاتي" . . وفيما بعد بدأ ناكاسوني بالتلويح بضرورة امتلاك اليابان للاسلحة النووية وبتعديل الدستور كي تتمكن الحكومة من ارسال قوات الى الخارج لحماية مصالح اليابان في أعالي البحار . وفيما يتعلق بوجود النظام الامبراطوري ،فان ناكاسوني كان مؤيدا لاستمرار الامبراطور مع تقليص صلاحياته .وقد اعلن اكثر من مرة بان وجود الامبراطور كحلقة وصل بين افراد الاسرة اليابانية وكرمز لوحدة الامة اليابانية ينتاسب مع القيم الكونفوشيوسية والبوذية والوعي الديني التقليدي للشعب الياباني .ولذلك ، أمر في عام 1986 – أول مرة -، بتظيم احتفالات باذخة بمناسبة الذكرى الستين لاعتلاء الامبراطور العرش . ويبقى الاصلاح التربوي الذي نفذه ناكاسوني هو الاكبر والاهم .فقد ذكر ناكاسوني في محاضرة له في منتدى بوآو الصيني عام 2005،ان اساس نهوض اليابان يرتكز الى اصلاح النظام التعليمي والتربوي . ولذلك اسس عام 1984 المجلس الوطني للإصلاح التربوي.وحدد مهمته في اجراء إصلاحات جذرية في بنية وهيكلية وبرامج التعليم في اليابان استهدفت تعميق ربط التربية بالإنتاج والقيم اليابانية، وتكريس مبادئ التميّز والتفوّق، والمحافظة على الذاتية والخصوصية اليابانية. وفي إطار هذه الإصلاحات، عملت الحكومة اليابانية جاهدة على تحويل مؤسسات التعليم الرسمية الى مراكز تعليم واشعاع علمي للسكان المحليين .ولذلك تم فتح المدارس الثانوية والجامعات أمام الجمهور، وباتت المؤسسات التعليمية مراكِز ثقافية للناس كلهم. كذلك سعينا – والكلام لرئيس الوزراء الياباني الاسبق - إلى توثيق الروابط بين الجهاز التعليمي وبين الأسرة والمجتمع، وإلى تشجيع الأنشطة التطوعية وأنشطة روابط الآباء والمدرسين والمنظمات غير الحكومية، و إضفاء المرونة على مدّة المنهاج لتيسّر متابعة الدروس بالمراسلة أو بدوام جزئي و تحسين وإصلاح بنى وأنشطة معاهد الدروس العليا، بإنشاء مؤسسات من نوع جديد (جامعة للدراسات المتقدمة، ومدرسة للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة مثلا)، لمواكبة تطور البحث العلمي، و تحسين برنامج المساعدة للطلاب، وتشجع التميز بعيدا عن وضع الطلاب في قالب واحد. و تخصيص ثلاثة أيام أسبوعيا لتلقي قدر من التعليم الإلزامي المنتقى بعناية، ومنح المتفوقين مطلق الحرية في أن يختاروا بين عدة أنواع من التخصص الأكاديمي ودراسة الفنون وممارسة الرياضة، وأي شكل آخر من الأشكال المختلفة لتنمية الشخصية وتطويرها. كما تقرر كذلك إعطاء قدر أكبر من الحريات لمؤسسات التعليم العالي بحيث تملك كل منطقة صلاحية اقرار مناهج خاصة بها في اطار الخط العام لوزارة التربية ، واعتماد ما يعرف بنظام المشاركة بين المؤسسات الأكاديمية والصناعية، ومدارس التعليم الثانوي المهني. وتتمثل هذه الآلية بإبرام اتفاق شبه رسمي طويل الأمد فيما بينها، وبموجبه تقوم مؤسسات سوق العمل بتوفير معدات وأجهزة للمدارس المهنية، وتقديم خبراتها في تطوير المناهج الدراسية والمساهمة في تنفيذها، وتوفير فرص للتدريب الميداني في موقع العلم للتلاميذ، وقيامها بانتقاء التلاميذ في المدارس الثانوية وتشغيلهم. هذه الاصلاحات جعلت من نظام التعليم في اليابان الافضل في العالم . وما دمنا نتحدث عن الاصاحات الجذرية التي طبقها ناكاسوني في بلاده ، فلا بد من التوقف عند اصلاح البنية الاقتصادية والادارية في اليابان. في احدى المؤتمرات ، سألت ناكاسوني عن سر المعجزة الاقتصادية اليابانية ، اجاب الرجل : ان الشعب الياباني يتمتع باخلاق فريدة تقوم على احترام قيم العمل والانتاج وأخلاقياته، والتركيز على النوعية والدقة ،ولديه قابلية عظيمة للعطاء والتميّز والإبداع اضافة الى التواضع في نمط المعيشة .وكانت المهمة الاساسيىة للحكومة اليابانية هي عدم السير بعكس هذه "الريح الشعبية" وعدم عرقلة المبادرات الابداعية ، واتخاذ الاجراءات التي تساعد على استخدام هذه الميزات لتسريع الانتاج ومكافحة الروتين الذي – اذا ما استشرى – فانه يقضي على التفرد والتميز والابداع . كما بذلنا جهودا كبيرة لحماية سمعة المنتجات والسلع اليابانية في الاسواق العالمية .بكلام أوضح ، فان مهمة الحكومة الياباني كانت ولا تزال –والكلام لناكاسوني – عدم وضع العصي في عجلة المبادرات الابداعية وعدم اغراق الانتاج بالروتين والبيروقراطية ،واعطاء الحرية والاستقلالية لكل المؤسسات للتميز والتقدم سواء داخل البلاد أو خارجها .وهناك امر آخر لابد من ذكره ، وهو الاستقرار القانوني ، الذي يتجلى في عدم تغيير القوانين الاقتصادية التي اثبت الزمن صلاحيتها ، رغم تعاقب الحكومات . وهذا خلق حالة من الاطمئنان والاستقرار لدى المؤسسات الاقتصادية والمنتجين والمستهلكين .الى هنا انتهى كلام ناكاسوني . واضرب امثلة على عمق احترام اليابانيين لقيم العمل
 - في احدى زياراتي لليابان قمت بجولة على معمل سيارات مازدا في مدينة ناغاساكي .اخبرني مدير المعمل بان العمال مضربون اليوم احتجاجا على ظروف العمل وتدني الاجور.اسفت وهممت بالعودة من حيث اتيت ، لكن المسؤول اضاف : بامكانك ان تدخل الى صالة الانتاج الرئيسية . في الصالة ، فوجئت بان خطوط الانتاج تعمل بكامل طاقتها وبان جميع العمال في اماكنهم .لاحظ المرافق حيرتي ، فسارع الى تفسير الامر . قال المرافق: رغم ان العمال اعلنوا الاضراب العام ، الا انهم لم يوقفوا الانتاج واستمروا في عملهم ، وقد وضع كل منهم شارة على ساعده الايمن مكتوب عليها العبارة التالية : انا مضرب ! وسألت كيف ذلك ؟ اجابني مسؤول الانتاج وهو ايضا يضع شارة على ساعده،: نحن بالفعل مضربون ، ولكننا لا نوقف الانتاج لان ذلك يلحق الضرر باليابان ، واستعضنا عن ذلك بربط شارات على سواعدنا كما رأيت ، وهو امر يشكل ضغطا أخلاقيا كبيرا على اصحاب الشركة . وفي اليوم التالي علمت ان اصحاب الشركة رضخوا لمطالب العمال!
- زرت كذلك شركة سوني لانتاج الاجهزة الالكترونية ، في بهو الشركة انتصب تمثال ضخم لمؤسس الشركة من عائلة سوني ،وبينما كنت اتأمل التمثال ،مر بي رجل يركب دراجة هوائية ويرتدي بدلة عمل رمادية متواضعة وينتعل صندلا، وسالني بعد ان انحنى امامي كناية عن الاحترام : هل اعجبك التمثال ؟ اجبت نعم انه تحفة فنية رائعة.ابتسم الرجل وتابع طريقه ، وظننته انه احد عمال هذه الشركة الكبرى.قادني المرفق الى مكتب رئيس مجلس الادراة ، وكانت المفاجأة ان الشخص الذي كان يركب دراجة هوائية و سألني عن التمثال هو نفسه رئيس مجلس الادراة وصاحب شركة سوني ، وانه يعيش في شقة في طوكيو مساحتها ستون مترا مربعا !سألته هل هذا التواضع من باب التقشف؟ اجاب:اليابانيون لا يحبون مظاهر البذخ والاسراف ، ثم ان العاملين يعتبرون الشركة بيتهم واسرتهم ،وهذه حقيقة . فالشركة هي التي تؤمن المساكن المناسبة والدواء وتعليم الاطفال ، وهى تضمنهم لدى البنوك من أجل الحصول على القروض ، فكيف لي وانا رب الاسرة ان اتعالى على زملائي في العمل في نمط معيشتي !
- اثناء جولة نظتها السفارة اليابانية في بكين للسفراء الاجانب في الصين ،زرنا شركة توشيبا في ضاحية طوكيو ، وهي من أكبر الشركات اليابانية ، في صالة العرض شاهدنا نماذج منتجات جديدة ستدخل السوق بعد خمس سنوات .وخلال اللقاء مع مدير الشركة عرفنا ان كل الشركات اليابانية الكبرى تحرص على ان تكون متقدمة تقنيا على الاقل خمس سنوت عن مثيلاتها في العالم ، كما اخبرنا المدير كذلك ، بان كل مهندس يعمل في الشركة ملزم بان يقدم اختراعا واحدا على الاقل في السنة واذا لم يفعل ذلك ، ينهى عمله ، وان الفترة الزمنية بين اقرار الاختراع وتنفيذه لا تتجاوز الستة اشهر . وهذا ما يؤمن لليابان مركزا متقدما ورائدا في مجال التقانة في العالم . لقد خرجت عن الموضوع الاساسي وهو ناكاسوني ، ولكنني اردت نقل كيف طبقت الاصلاحات التي نفذها هذا الزعيم البارز في الواقع .لقد احدثت هذه الاصلاحات انقلابا حقيقيا في اليابان،واعتقد جازما ان الفضل فيما وصلت إليه اليابان اليوم من تقدم وتطور ، يعود إلى الإصلاحات الكبرى التي باشرها ناكاسوني رغم الفترة الوجيزة التي قضاها كرئيس لوزراء اليابان والتي لم تتجاوز السنوات الخمس . صحيح ان ناكاسوني قد ترك منصبه قبل نحو ثلاثة عقود ، الا ان نفوذه لا يزال قويا في البلاد .وسبب ذلك لا يعود الى نجاحات اصلاحاته فحسب ، بل الى فعاليته في المجالين السياسي والاكاديمي. فهو على امتداد السنوات الثلاثين الماضية بقي شعلة متوهجة تنيرالطريق الى يابان المستقبل ،التي ناضل من اجل بنائها . في عام 2010 التقيت ناكاسوني في ندوة سياسية عقدت في روسيا .كان رأسه قد اشتعل شيبا ، وكان يتكأ اثناء خطواته الثقيلة على عصا . ورغم انه بلغ الثانية والتسعين من عمره – آنذاك-،فان ملامح الذكاء والفطنة لم تغادر وجهه ، اضافة الى ان ذاكرته لم ينل منها الزمن .بادرته بالتحية وذكرته بلقاءاتي معه ، وقلت له : اعرف انك كنت معاديا صلبا للشيوعية وللاتحاد السوفياتي ، واذكر كلماتك عن رفض التطبيع مع روسيا لان " جثث اليابانيين المدفونة في سيبيريا لا تقبل ذلك "، واليوم انت تأتي الى روسيا وتطالب بالسلام وبتطوير العلاقات معها . بادرني بنظرة متفحصة ،وهز رأسه مبتسما وقال : نعم لقد تمسكت بهذه المواقف عندما كنت شابا ، وأسموني صقرا وساموراي اليابان الذي لا يقبل التنازل، والان عمري فوق التسعين ، والزمن لا يغير الانسان فحسب ، بل يغير آراءه. وقد وصلت الى قناعة بان الحروب هي كوارث حقيقية وان السلام والحوار هما افضل السبب لحل اعقد المشكلات . منذ ذلك الوقت لم التقي ناكاسوني ، ورغم ان عمره الان يناهز المائة عام ، الا ان اسمه قد حفر في ذاكرة اليابانيين كرجل ناضل من أجل ان تصل اليابان الى ما وصلت اليه اليوم
. نبذة عن حياة ناكاسوني ياسوهيرو ناكاسوني،
 زعيم ياباني شغل رئاسة الوزراء مرتين في الفترة ما بين 1982 -1987، ولد في عائلة تاجر اخشاب ثرية في 27 مايو 1918 في غونما ، في عام 1941 تخرج من كلية القانون في جامعة طوكيو وتوظف في مكتب الشؤون الداخلية لدى وزارة الداخلية اليابانية . شغل منصب هام في بلدية طوكيو و قائد شرطة محافظة كاغاوا، عام 1942 انخرط في صفوف البحرية اليابانية برتبة ملازم. وكان شاهدا على هزيمة اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية .وقد اثرت الهزيمة كثيرا على آرائه ، ودفعه ذلك للبقاء في السلك العسكري ، حيث تسلم منصب قائد شرطة طوكيو.وشن حملة شعواء ضد من أسماهم " بعناصر الطاعون الشيوعي ". عام 1947 دخل مجال العمل السياسي ممثلا لليمين الياباني وانتخب عضوا في البرلمان ، وكان اصغر نائب من حيث العمر.ثم انتسب الى الحزب اليبرالي الديمقراطي واصبح نائبا لرئيس الحزب .عام 1947شغل منصب رئيس لجنة الاستخبارات في البرلمان الياباني .وقد اشتهر بدعوته الدائمة لاعادة تسليح البابان وتدعيم وجودها العسكري في الخارج .عام 1972 تولى منصب قائد قوات الدفاع الذاي (وزير الدفاع )، وقد عمل جاهدا على تعزيز وتحديث الجيش الياباني ودعمه بالاسلحة المتقدمة وزيادة المخصصات العسكرية . بقي في الحكم خمسة سنوات اجرى خلالها اصلاحات جذرية لا تزال نتائجها تتفاعل حتى اليوم .

* على امتداد عقدين من الزمن ، عاصرت- من خلال عملي وتجوالي في عدد من دول جنوب شرقي آسيا الاساسية - احداثا كبيرة هزت تلك الدول ،والتقيت- سواء كصحفي او دبلوماسي- مع عدد كبير من قادة عظام ومسؤليين كبار هناك ، تركوا بصمات كبيرة في التاريخ ، وتمكنوا في احيان كثيرة ،من انتشال بلدانهم من حضيض التخلف والدمار الى ذرا التقدم والتطور ،انهم رجال كبار اختزنوا تجارب عظيمة لمسيرة شعوبهم ،وتصدوا بجرأة منقطعة النظير لظواهر وعقليات قيدت التقدم والانطلاق في تلك المنطقة , من هؤلاء مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الذي انتشل بلاده من براثن التخلف ، و جان زيمين الذي لعب دورا هائلا في بناء الصين ، و كيم ايل سونغ الذي بنى كوريا الديمقراطية المعاصرة – بغض النظر عن طبيعة النظام هناك ، و ناكاسوني رئيس وزراء اليابان الذي سرع وتائر النمو في بلاده ، ورئيس وزراء سنغافورة الذي يعتبر حكيم آسيا ،وقادة من فيتنام ومنفغوليا وكمبوديا .لقد اشرت الى بعض من تلك اللقاءات في مقالات صحفية سريعة ، لكن الجزء الاكبر من انطباعاتي عن شخصيات وتجارب هؤلاء القادة بقي حبيسا في ادراج رسمية علاها الغبار وبدأ الزمن يفتك بها . ولذلك ،وجدت من واجبي ان اطلع الناس على بعض من اراء اولئك القادة وتجاربهم عل ذلك يكون مفيدا. فمسيرة هؤلاء الزعماء كانت وستبقى دروسا قيمة في التاريخ والاقتصاد والحياة.


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة