جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
جولة الرئيس الصيني : العوامل والنتائج

كتب محمد خير الوادي : تأخرت في الكتابة عن جولة الرئيس الصيني شي جين بينغ الى بعض دول الشرق الاوسط بسبب ظرف صحي طارئء المٌ بي. لقد اكتسبت هذه الزيارة الى كل من السعودية ومصر وايران اهمية خاصة لانها جاءت وسط ظروف سياسية معقدة تشهدها المنطقة . فمن جهة لا يزال التوتر هو سيد الموقف في المنطقة ، والصين لا

تحب التوتر لانه يهدد علاقاتها التجارية ،ولهذا السبب تم تأجيل الزيارة عدة مرات على أمل ان تتحسن الامور . لكن التحسن المنشود في الشرق الاوسط لم يحدث ، ومع ذلك ، قرر الرئيس الصيني القيام بجولته مدفوعا بثلاثة عوامل جديدة : اولها رفع العقوبات عن ايران والسعي لاستغلال هذه الفرصة لدفع العلاقات مع طهران الى آفاق جديدة،وثانيها العمل على استثمار مشاعر الخيبة والغضب من واشنطن خاصة في الرياض والقاهرة ، من اجل مزيد من استمالة الاموال الخليجية الى الصين ،وتعزيز التعاون مع مصر،والعمل على خفض التوتر السعودي مع ايران . وثالثها هو حرص الرئيس شي شخصيا على اقناع قادة العواصم الثلاثة للاسهام في تنفيذ مشروعه المسمى طريق الحرير والحزام المرافق له ، وهو المشروع الذي يعول عليه الرئيس الصيني لاقامة شبكة من الطرق البرية والبحرية بين الصين ودول الشرق الاوسط لتنشيط التجارة .وسأفصل فيما انجزته الزيارة ضمن العوامل الثلاثة التي اتيت على ذكرها. بالنسبة لرفع العقوبات الغربية عن ايران .نظرت بكين الى هذا الحدث على انه فرصة لتعزيز حضورها اكثر في ايران ،وانتظرت بكين من طهران مكافأة كبيرة على عدم انضمام الصين الى العقوبات الغربية .لكن كما ظهر ، فان الايرانيين ليسوا بصدد تقديم مكافآت للصين وغيرها ، فالدول التي لم تنضم للعقوبات ،حصلت خلال السنوات الماضية على ميزات كبيرة ،وحصدت ارباحا طائلة من السوق الايرانية لقاء تقديم خدمات لم تكن كلها تتمييز بالنوعية المطلوية .ايران الان بحاجة الى التقنية الغربية والى البنوك الغربية والى الاسواق الغربية لتصدير نفطها .ولذلك وقعت طهران مع باريس عقودا كبيرة لشراء نحو مئة طائرة ايرباص مدنية ، وهناك عشرات العقود المماثلة ، ستوقع مع شركات اوربية . ويجب ان نشير ، ان عيون طهران شاخصة الان باتجاه " الشيطان الاكبر السابق" – امريكا ، من اجل الحصول على التقانة المطلوبة والخدمات المالية الكبيرة .وامريكا لم تنزل بعد الى الساحة الاقتصادية الايرانية .هذا الكلام لا يعني ان طهران لم تعد مهتمة بتطوير علاقاتها مع الصين . ستحافظ طهران على المستويات السابقة لهذه العلاقات ، ولكن الباب الايراني لم يعد كالسابق ،مفتوحا على مصراعيه امام الشركات الصينية بصرف النظر عن جودة السلع والخدمات ، فعلى هذه الشركات ان تخوض منافسة قاسية مع شركات عملاقة اوربية وامريكية للدخول الى ايران . وهذا ما يفسر عدم قيام طهران باتخاذ اجراءات احتفالية اضافية بمناسبة زيارة الرئيس الصيني –كما فعلت السعودية ومصر -،فلم يرقص الرئيس الايراني امام الرئيس الصيني ، ولم تخرج اسراب الطائرات الايرانية للترحيب بطائرة الضيف الصيني ، ولم تهتف جماهير ايران بحياة الرئيس شي .تمت الزيارة وفقا للبروتوكولات الرسمية المعهودة ، ووقع الجانبان عقودا اضافية واكدا حرصهما على الحفاظ على علاقات التعاون بينهما . وبالنسبة للعامل الثاني الذي سرع بزيارة الرئيس الصيني ، واقصد استغلال الغضب الخليجي المصري من امريكاوسعي الصين لتخفيف التوتر بين ايران والسعودية ، فانني اوضح ما يلي :من خلال معرفتي بالسياسة الصينية وعلاقاتها مع واشنطن ، فان بكين غير معنية بالحلول مكان امريكا في الشرق الاوسط -كما روجت لذلك بعض الاوساط العربية – وهي – اي بكين - غير قادرة على ذلك وغير راغبة به لانه عملية مكلفة . وما كتبه بعض المحللين وأطلقه بعض السياسيين ،من ان بكين ستملأ الفراغ الناتج عن غياب امريكا في المنطقة ، ما هي سوى امنيات لا تمت كثيرا الى الواقع . اذكر بهذا الخصوص الواقعة التالية :في احدى المؤتمرات ببكين عن العلاقات بين اليابان والصين ، وهي علاقات ليست ودية ابدا ، قلت ان احد اسباب توتر العلاقات بين بكين وطوكيو، هو الوجود العسكري الامريكي في اليابان ، والذي يضغط باتجاه عدم تطوير هذه العلاقات .في اثناء الاستراحة ، تقدم مني احد المسؤوليين الصينيين الكبار ودعاني لتناول كاس من الشاي على انفراد .وفي الجلسة قال: بالتأكيد ، فان واشنطن غير مرتاحة لتطبيع العلاقات اليابانية الصينية ، ونحن لا نحبذ القواعد الامريكية في اليابان ،ولكننا في بكين ننظر الى الامر من وجهة اخرى .نحن نعتقد ان للوجود العسكري الامريكي في اليابان فوائد، اهمها منع تطور القوة العسكرية اليابانية التي تهدد بقية الدول والحيلولة دون امتلاك طوكيو للاسلحة النووية ! هناك في بكين الان من من يشاطر هذه القناعة ازاء الوجود العسكري الامريكي في الخليج العربي ،فهم يرونه ضروريا لاستمرار تدفق النفط الخليجي الى الصين والحفاظ على الاستقرار في دول الخليج العربي .وهذا يعني ان بكين ليست بصدد منافسة واشنطن امنيا او عسكريا في الشرق الاوسط .جل ما تريده الصين اليوم ، هو ان تنال حصة من الخطط المطروحة لتخصيص ارامكو وغيرها في السعودية ،وهو أمر ممكن ، وان تزداد وتيرة الاموال الخليجية الى الصين .وقناعتي ، ان هذا الامر غير عملى الان ، فاثرياء الخليج لا زالوا يعتقدون بان النظام المصرفي في الصين هو نظام شيوعي ، وان اخراج الاموال من الصين ليس بسهولة ادخالها . وهذه هي عقبة جدية امام تطور الاستثمارات الخليجية في الصين .ولا بد من الاشارة الى ان زيارة الرئيس الصيني الى السعودية لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب ،بل كان لها هدف آخر غير اقتصادي ، وهو السعي الى تخفيف التوتر الايراني السعودي وتطويق اية سلبيات يمكن ان تنتج عن زيارة الرئيس الصيني الى ايران .لقد قدمت بكين نفسها على انها وسيط بين الجانبين وهي غير منحازة لاي منهما. وواقع الحال كذلك . فالسعودية شريك تجاري مهم للصين (حجم التبادل التجاري السنوي بينهما نحو 75 مليار دولار ) وايران ايضا دولة لا يستهان بها( تجارة الصين مهعا 52 مليار دولار) . ومن مصلحة الصين الحفاظ على علاقات ودية مع الجانبين وتقليص امكانية الصدام بينهما ، لان تفاقم الامور اكثر سيهدد شراينا حيويا ينقل نحو 60% من حاجة الصين النفطية . واذا كانت الزيارة قد حققت اهدافها الاقتصادية ، فانها لم تفضي الى خفض التوتر بين الرياض وطهران. بقيت النقطة الاخيرة في جولة الرئيس الصيني ، وهي الترويج لمشروع طريق الحرير والحزام المرافق له .لقد رصدت بكين عشرات المليارت من الدولارات لتنفيذ هذا المشروع . وبدأت مشروعات مهمة مثل سكة حديد طهران بكين ،وهناك خطط لاقامة طرق بحرية ومناطق اقتصادية على اطراف هذه الطرق. والمشكلة الاساسية التي تعترض المشروع الصيني هي الوضع المتفجر في الشرق الاوسط .فهناك ازمات في العراق وسوريا وليبيا واليمن ،وهذه البؤر تهدد امن الطرق البرية والبحرية لمشروع طريق الحرير . ولذلك اذا لم تُحل هذه الازمات ، فان المشروع الصيني لن ينجز كل ما يصبو اليه في المنطقة العربية على الاقل. وفي الختام لا بد من القول ، ان جولة الرئيس الصيني الاخيرة في الشرق الاوسط هي مبادرة مهمة، ارادت بكين من خلالها التأكيد على ان الصين موجودة اقتصاديا في الشرق الاوسط ، و تسعى لزيادة وجودها وتعزيز مصالحها النامية هناك.بقيت كلمة اخيرة : اذا كانت بكين راغبة فعلا في توسيع مصالحها في الشرق الاوسط ، وهو امر نرحب به ، فهذا يتطلب منها زيادة فعالية دورها ،وتعزيز حضورها وتنويعه بحيث يتجاوز الاقتصاد.


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة