جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
مشكلة الصين الخطيرة

بكين - محمد خير الوادي : هناك مشكلات كثيرة تعاني منها الصين ذات الثقل الاقتصادي الاول تقريبا في العالم ، لكن المشكلة الاخطر التي باتت تؤرق الصينيين مؤخرا، وتهدد كل ما بنوه خلال العقود الماضية تتجلى

بالضباب السام الذي يخيم على بكين وغيرها من المدن الصينية الكبرى .وهذه المشكلة ليست جديدة ، فقبل نحو عقد ونصف من الزمن كانت موجودة ، ولكن السلطات في بكين كانت تتكتم على الامر، لان همها كان تحقيق التقدم الاقتصادي بأي ثمن .وكنا عندما نسأل عن سبب هذا الضباب ، كان الجواب الرسمي يأتينا بانه عبارة عن ضباب عادي يتشكل نتيجة الرطوبة العالية في المدينة !وكانت السلطات الصينية تكيل الاتهامات للسفارة الامريكية في بكين بسبب نشرة يومية عن مستوى التلوث تصدرها السفارة . حتى ان صحيفة الشعب الصينية الرسمية اعتبرت ان تلك المعلومات كاذبة وهي تشكل تدخلا في الشؤون الداخلية . الآن تغير الامر في الصين مع سياسة الانفتاح ، وباتت وزارة البيئة الصينية تنشر بيانات يومية عن مستوى التلوث في بكين . وحسب هذه المعلومات الرسمية ، فان الضباب الذي ينتشر بشكل شبه دائم في بكين يحمل جزيئات ضارة أكثر بعشرين مرة من الحد الأقصى اليومي المسمح والذي توصي به منظمة الصحة العالمية.وقد اشارت دراسة امريكية الى أن تلوث الهواء في الصين يتسبب في وفاة أكثر من 1.6 مليون شخص سنويا، ما يعادل 4400 في اليوم الواحد، وأن التعرض للهواء الملوث في بكين لساعة واحدة من شأنه أن يقلل العمر الافتراضي للإنسان نحو 20 دقيقة، وان نسبة امراض السرطان قد ارتفعت في بكين خلال العقد الاخير بنحو 100%.وقد وصلت امور التلوث في بكين خلال الشهر الحالي حدا خطيرا، اضطر السلطات الصينية الى اصدار انذارات حمراء ،تنصح السكان بالبقاء في منازلهم واغلاق النوافذ باحكام ،وتعطيل معظم المدراس ،وعدم ممارسة الرياضة في الحدائق، ومنع العمال من العمل في الهواء الطلق . وهناك عدة اسباب لانتشار الضباب السام في بكين والمناطق المحيطة بها ، منها :ان المدينة محاطة من ثلاثة جهات بسلاسل جبلية تمنع الرياح عنها ، اضافة الى وجود آلاف المعامل ومحطات التدفئة التي تعمل على الفحم – الصين فقيرة بالنفط والغاز وغنية بالفحم -. وهناك سبب آخر للتلوث في بكين هو ازدحام العاصمة بخمسة ملايين سيارة تصدر ابخرة خانقة من عوادمها ، يضاف الى ذلك العواصف الرملية التي تهب على المدينة دوريا من صحارى هوبي القريبة من بكين .ومن أجل مكافحة التلوث ، اتخذت السلطات الصينية عدة اجراءات مثل تخضير اجزاء من الصحارى المحيطة ،وتخفيض عدد السيارات في الشوارع،ووضع القوانين واللوائح المتعلقة بتخفيض انبعاثات السيارات، وتشكيل 12 فريقا لمراقبة مصانع الحديد والفحم والزجاج والأسمنت في بكين ومدينة تيانجين القريبة ومقاطعة خبي وكذا المناطق المحيطة بهذه المناطق، والمطالبة بتخفيض الانبعاثات فيها.كما وضعت الحكومة الصينية خططا خمسية لتخفيض نسبة التلوث .والشيء الايجابي ، ان الحكومة الصينية قد انتقلت اليوم من حالة انكار التلوث الى حالة بداية الفعل لمكافحته .والحد من التلوث لن يكون سهلا في الصين . ويعرف المسؤولون هناك الحجم الحقيقي للمشكلة . فمواجهة التلوث تتطلب اجراءات جذرية ومكلفة ماليا ، مثل تفكييك عشرات آلاف المصانع التي تحيط ببكين ونقلها الى امكنة اخرى مع تزويدها بمنقيات الهواء ، كما تتطلب ايضا الانتقال الى مصادر طاقة نظيفة مثل الغاز والاستغناء عن الفحم في التدفئة وتوليد الطاقة، والحد من الانتشار السريع لوباء اقتناء السيارات في الصين . وقد أوصلت حملات التشجيع على الاستهلاك التي تقوم بها اجهزة الاعلام هناك المواطن الصيني ، الى تبني قيم وطموحات استهلاكية لا قدرة للصين على تحملها . فكل مواطن بات يرغب الان بشراء سيارة و اقتناء احدث التجهيزات الكهربائية في منزله ، وهذا امر مشروع، و يخدم الصناعة المحلية التي تقدم تسهيلات لتسويق منتجاتها ، لكن المشكلة تكمن في حجم الصين الهائل وندرة ثرواتها . ولنتصور لبرهة ماذ يمكن ان يحدث ، لو ان جميع سكان الصين البالغ عددهم مليار واربعمائة مليون شخص امتلكوا سيارات ! اعتقد آنذاك ان كل حديد العالم ونفطه لا يكفيان لتلبية رغبة سكان الصين هذه . لا بد من ترشيد الاستهلاك في الصين والحد من النهم الاستهلاكي الغربي الذي يسيطر الآن على سلوك اغلب الصينيين . وهكذا، فان معالجة التلوث في الصين ليست مسألة سهلة ، بل هي عملية معقدة بحاجة الي تغيير في انماط الانتاج والاستهلاك ، وهي ايضا عملية مكلفة ماديا ، لأن ازالة اسباب التلوث قد تستنزف كل ما اكتنزته الصين من ثروات خلال العقود الاربعة الماضية .ولذلك ، من الصعب توقع نتائج فورية للحد من التلوث في الصين. لكن نكرر ، المهم ان الحكومة الصينية اصبحت مدركة لخطورة التلوث على صحة شعبها ، وانها بدأت بالخطوات الاولى للحد من الضباب الذي يسمم الناس ويهدد التنمية في البلاد .


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة