جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ماذا يجري بين بكين و موسكو؟

كتب محمد خير الوادي : فجأة ،ودون سابق انذار ، تُقدم الصين على خطوة تتناقض مع الانطباعات السائدة كلها حول العلاقات المتميزة بين كل من روسيا والصين، والتي كانت تسير باتجاه تحالف استراتيجي .

فقد نشرت وكالة انباء شينخهوا الحكومية الصينية قبل ايام تعليقا غير مسبوق في علاقات البلدين منذ تسعينات القرن الماضي ، بعنوان :هل ستصمد روسيا امام ضغط الازمة الاقتصادية ؟ وهو عنوان بحد ذاته يعكس مدى الشكوك الصينية في قدرة روسيا على معالجة ازمتها الحالية . يصف التعليق الذي ينم عن دراية كاملة بالاوضاع الاقتصادية في روسيا ،ما يجري الان في الاقتصاد الروسي بانه ازمة هيكلية عميقة سببها عدم التوازن بين قطاعات الاقتصاد وانهيار الزراعة ، وهذا مؤشر عل استحالة معالجة ازمة الصناعات التحويلية والزراعة والتي قد تصل الى طريق مسدود. ويتحدث التعليق عن هجرة رؤوس الاموال من روسيا وتناقص الاستثمارات الاجنبية وانهيار سعر الروبل بسبب انخفاض اسعار النفط ،الامر الذي انعكس على مستوى معيشة المواطنين ،وتراجع نمو الناتج المحلي الى ناقص 5%.ولم يكتف التعليق برسم هذه الصورة السوداوية عن الاقتصاد الروسي ، بل اضاف ، ان روسيا تمر الان باخطر ازمة منذ بداية القرن بسبب تداعيات الازمة الاوكرانية والمقاطعة الغربية ! والشيء اللافت ، ان هذا التعليق قد نشر بعد مغادرة ميدفيدوف رئيس الوزراء الروسي بكين مباشرة .وكان ميدفيدوف قد زار الصين لمدة ثلاثة ايام ووقع معها اكثر من ثلاثين اتفاقا، ورسم صورة وردية عن التعاون بين الجانبين . من خلال معرفتي الطويلة بالصينيين ومعايشتي لهم ، فان وكالة الانباء الرسمية لا تنشر اي مادة تمس دولة اجنبية تكون على علاقة ودية بالصين، دون توجيه من جهات عليا جدا .ولذلك يمكن القول ، ان اقدام وكالة الانباء الصينية الرسمية على هذه الخطوة، لم يكن مجرد هفوة صحفية عابرة ، بل كان عملا مقصودا ، ارادت بكين منه التعبير عن سخطها وعدم رضاها حول المستوى الحالي للعلاقات بين الدولتين .وهناك وقائع كثيرة في تعاون البلدين تسبب قلقا للصين ، سنتوقف عند بعضها : - رغم كل التصريحات الروسية المتفائلة ، وآخرها ما قاله رئيس الوزراء الروسي قبل ايام في بكين ،من ان حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين سيرتفع الى 200 مليار دولار خلال السنوات القليلة القادمة ، الا ان الواقع يشير الى اتجاه معاكس تماما . فقد هوى هذا الرقم من مستوى المئة مليار المخطط لها هذا العام الى نحو اربعين مليار دولار ! - لا يشعر الصينيون بالرضى عن تنفيذ الاتفاقات المتعلقة ببناء خطوط الغاز والنفط من روسيا الى الصين . فقد وقعت قبل سنتين اتفاقات بمئات المليارات من الدولارات لنقل الطاقة من روسيا ال الصين ، وبادرت بكين الى انجاز حصتها من البنية التحتية الخاصة بهذه الخطوط على الاراضي الصينية ، لكن االشركات الروسية تأخرت ولم تنهي حتى الآن البنية التحتية اللازمة لهذه الخطوط على الجانب الروسي من الحدود .وهو امر يضع في دائرة الشك التاريخ المخصص لانهاء هذه المشروعات وهو عام 2019. - اراد الصينيون من هذا التعليق التعبير عن خيبة املهم من موسكو . فقد وقفت بكين الى جانب روسيا في الازمة الاوكرانية وتحدت مقاطعة الغرب لموسكو ،وكانت تطمح بالمقابل في ان تحصل على مكافأة لها . لكن هذا الموقف الصيني لم يغير نسبة التبادل التجاري بين الغرب وروسيا .فلا تزال هذه النسبة تصل الى82% لصالح الغرب و18% مع الصين . اي ان هذه الارقام بقيت على حالها رغم دعم الصين لروسيا . - رغم المطالبات المتكررة لبكين في ان تتخذ موسكو قرارات من اجل حماية الاستثمارت الصينية في روسيا ، الا ان ذلك لم يتحقق . وقد ادى ذلك الى ان نسبة الاستثمارات الصينية في روسيا بقيت متدنية ولا تتجاوز 1% من نسبة الاستثمارات الصينية في الخارج والتي تفوق 800 مليار دولار . - اتفق الرئيسان الصيني شي جين بين وفلاديمير بوتين في ايار الماضي على دمج المبادرة الصينية حول طريق الحرير مع الروسية حول الاوروآسيوية . واتفقا على القيام بمشروعات محددة للتنفيذ ، منها ان تقوم روسيا ببناء خط حديدي سريع بين موسكو ومدينة كازان ، يكون جزءا من الخط السريع الذي سيربط بكين مع اوربا . لكن شيئا لم ينفذ في هذا الخط ، وهو امر يثير حيرة الصينيين. هذا جزء من الاسباب التي تثير القلق لدي بكين . لكن لا بد من الاشارة الى وجه آخر للمسألة ، وهو ان موسكو تسعى فعلا الى علاقات متطورة مع الصين . ومن وجهة نظر القيادة الروسية ، فان الازمة الاقتصادية ومقاطعة الغرب وانخفاض اسعار النفط ، كلها عوامل ادت الى تأخير في وتائر تنفيذ الاتفاقات مع الصين ، وعلى بكين ان تتفهم ذلك . بكلمات اخرى ، فان التأخير والتلكؤ الحاصلين الان من جانب موسكو ، لا يعكسان موقفا رسميا روسيا تجاه الصين ، بل هما نتيجة لظروف قاهرة . ان الاتهامات الصينية المبطنة والتسويغ الروسي لتباطؤ وتيرة العلاقات ،تشير الى حقيقة ، ان الخطط الطموحة لبناء تحالف اقتصادي استرتيجي بين الجارين العملاقين كانت مغرقة بالتفاؤل. وان موجة من خيبة الامل تسيطر الان على القيادة الصينية . لقد ارادت بكين من خطوتها غير المسبوقة في استخدام وكالة الانباء ، قرع جرس الانذار والتنبيه علنا الى المشكلات القائمة بين البلدين . ويبدو ان لجوء الصين الى وكالة الانباء الرسمية للتعبير عن مشاعرها هذه ، يشير الى ان محاولاتها في ايصال قلقها هذا للقيادة الروسية عبر القنوات الدبلوماسية ،لم تعطي النتيجة المرجوة .وفي حال عدم معالجة المشكلات في العلاقات بين البلدين، فان مشاعرالقلق التي تراود الان الصينيين ، يمكن ان تتحول الى ازمة تهدد مجمل ما تم بناؤه في علاقات البلدين خلال العقود الثلاثة الماضية . وهو أمر لا نتمنى حدوثه.


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة