جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
التسلل الياباني لحديقة روسيا الآسيوية

كتب محمد خير الوادي: اشرت في المقالة السابقة ،كيف تمكنت الصين من ازاحة موسكو عن مركز الصدارة في العلاقات الاقتصادية مع دول آسيا الوسطى.وسنتناول اليوم التوسع الياباني في تلك المنطقة.

ثلاثة عوامل ادت الى زيادة التغلغل الاقتصادي الياباني في آسيا الوسطى : الاول انكماش الاقتصاد الروسي الذي نتج عنه تقلص المساعدات والمنافع التي تحصل عليها دول آسيا الوسطى الخمس من موسكو ، والثاني انهيار اسعار النفط مما خفض الى النصف تقريبا قدرات روسيا المالية ،والثالث ، تركيز القيادة الروسية على الجانب العسكري والامني في علاقاتها مع دول آسيا الوسطى . وقد تصاعدت خلال الفترة الاخيرة الجهود اليابانية للتوسع في آسيا الوسطى . وتجلت هذه الجهود في الجولة التي قام بها شينزو آبي رئيس وزراء اليابان نهاية شهر اكتوبر الماضي في دول آسيا الوسطى .وكان واضحا من خلال الجولة تصميم الحكومة اليابانية على استغلال العوامل التي اشرنا اليها لزيادة نفوذها في تلك المنطقة. وكلمة "أول مرة " باتت ملازمة لهذه الجولة . فلأول مرة يجول رئيس وزراء ياباني على دول مثل تركمانستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان،وهي المرة الاولى التي يزور فيها رئيس الحكومة اليابانية كازاخستان واوزبكستان منذ عشر سنوات . ولأول مرة يصطحب فيها شينزو آبي قادة خمسين من أكبر الشركات اليابانية . فضلا عن ذلك كله ، فهذه الجولة تمخضت عن نتائج غير مسبوقة . فقد تعهد رئيس الوزراء بضخّ 25 مليار دولار في اقتصادات كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان في السنوات الخمس المقبلة. وافتتح بعض المشاريع المشتركة.وللدلالة على اهمية الزيارة سنفصل في نتائجها . فقد أشار الرئيس الكازاخي نور سلطان نزاربايف - وهو الحليف الاول لموسكو في آسيا الوسطى - إلى أن اليابان استثمرت في العقد الأخير نحو 10 بلايين دولار في بلاده، وقدمت 1.2 بليون دولار مساعدات. وكشف وزير الاستثمار الكازاخي أسيت أيسكيشيف، أن رجال الأعمال اليابانيين وقعوا أثناء هذه الزيارة اتفاقات لافتتاح مشاريع مشتركة في كازاخستان بـ1.5 بليون دولار، كما اتفق الجانبان على بدء التنقيب عن بعض المعادن النادرة في شمال كازاخستان بمليارات الدولارات. وفي أوزبكستان وقع آبي اتفاقات لاستثمار نحو 8.5 بليون دولار في مجالات عدة، منها البحث والتنقيب عن النفط والغاز.وفي مؤشر على دخول اليابان بقوة فـي تركمانستان، البلد الأغنى بالغاز في المنطقة، بلغت قيمة العقود والصفقات التـــي وقعتهـــا الشركات اليابانية في عشق أباد 18 بليون دولار في مجالي الطـــاقة والصناعات الكيماوية، كما فازت شــــركة يابانية بعقد لبناء محطة كهربائية تعمل بالغاز بقيمة 300 مليون دولار.كما اغدقت طوكيو مساعدات بمليارات الدولارات على دول آسيا الوسطى الاقل دخلا مثل طاجيكستان وكيرغيستان . والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماهي آفاق هذا "الهجوم الاقتصادي الياباني الشامل "على آسيا الوسطى؟ في معرض الاجابة ، لا بد من من الاشارة الى ان التوسع الياباني هذا يتم وسط منافسة شديدة في المنطقة من جانب قوى كبرى ليست صديقة لليابان . فالصين - وهي احدى خصوم اليابان التاريخيين - والتي تمكنت من تعزيز وجودها خلال العشرين سنة الماضية وانتزاع عصا السبق الاقتصادي من روسيا في آسيا الوسطى، لن تنظر بعين الرضى الى التمدد الياباني، وستعى بكل السبل الى كبح جماحه في تلك المنطقة . والقول نفسه ينطبق على موسكو ، التي تعتبر آسيا الوسطى حديقتها الخلفية .فالخلاف حول جزر الكوريل لا يزال يسمم العلاقات اليابانية الروسية حتى اليوم ويحول دون التوقيع على معاهدة انهاء الحرب بين البلدين .ثم ان الروس سعوا في الفترة الاخيرة لتعزيز وجودهم العسكري هناك عبر انشاء قواعد جديد ومحاولة تشكيل " فضفاء عسكري موحد" مع دول آسيا الوسطى. كما بدأت موسكو خطوات عملية لضم دول تلك المنطقة الى المشروع الاورو آسيوي الذي يرمي الى تشكيل منطقة تجارة حرة بين اعضائه .وهذا الامر سيعرقل – بالتأكيد - الخطط اليابانية .ورغم ان طوكيو تعلم هذه الحقائق كلها وتعرف انها تتسلل الى منطقة تعج بالالغام ، الا انها قررت التحرك هناك وانفاق عشرات المليارات من الدولارات فيها . ما دام الواقع كذلك ، على ماذا تراهن اليابان ؟ اعتقد ان الرهان الاساسي في توجه طوكيو نحو آسيا الوسطى يتركز على عاملين : الاول هو تعزيز التنسيق مع امريكا لتعزيز الوجود المشترك الامريكي الياباني هناك .وليس من المصادفة ان يقوم وزير الخارجية الامريكي قبل فترة وجيزة بعقد اجتماع وزاري هو الاول من نوعه مع ممثلي دول آسيا الوسطى الخمس. ورهان طوكيو الآخر يستند الى السعي لاستمالة القوى السياسية والاقتصادية المحلية عبر اغداق الاموال والمساعدات عليها وتنفيذ مشروعات استثمارية هائلة في المنطقة . والغاية من ذلك هو توسيع المصالح والمنافع المشتركة مع دول المنطقة .وقد نجح هذا الاسلوب في دولة منغوليا ، وتحاول طوكيو تعميميه في آسيا الوسطى. في النهاية ، لا بد من الاشارة الى حقيقتين : الاولى ، ان منطقة آسيا الوسطى ذات الثروات الهائلة والموقع الاستراتيجي الكبير ، تتعرض الان لسباق محموم بين الدول الكبرى من اجل استغلال خيراتها ، وهذا ليس مؤشر خير ، لانه قد يفجر كثيرا من الصراعات هناك . والثانية ، ان موسكو تجاهد الان للحفاظ على موقعها القيادي هناك ، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي ، فالازمة الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الروسي ، وانشغال موسكو بالاحداث في كل من أوكرانيا وسوريا ، منح القوى الدولية الطامعة في المنطقة فرصة ذهبية للتسلل الى " حديقة روسيا الخلفية " في آسيا وبناء مصالح ذات طابع استراتيجي فيها، سيصعب على روسيا تفكيكها في المستقبل .


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة