جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
زمن المعجزات

بكين: محمد خير الوادي
تكتسب زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ الى امريكا اهمية استثنائية,وهي من حيث النتائج التي يتوقعها الصينينون ، قد تكون مماثلة للزيارة التاريخية التي قام بها مؤسس الصين الحديثة دينغ شياو بينغ نهاية سبعينات القرن الماضي الى واشنطن،


 حيث ارسيت بعدها مباديء التعاون الحالي بين الدولتين .
المهمة الاساسية التي حملها شي الى واشنطن لم تكن تعزيز التعاون الاقتصادي فحسب ، بل العمل على تبديد جبال المخاوف والشكوك التي تراكمت داخل امريكا من النيات الحقيقية للصين ازاء الولايات المتحدة . لقد ادى تطور الصين المتسارع الى بروز اصوات امريكية وازنة تردد نغمة الخطر الصيني ، وتنادي بالعمل على تطويقه وحصره . وهذه الاصوات لم تبقى معلقة في الهواء ، بل وجدت السبيل الى الواقع عبر الخطوات التي اتخذتها ادارة أوباما خلال السنوات الاربع الماضية . فقد اقدمت واشنطن على خطوة غير مسبوقة، تجلت في تجميع اكثر من نصف القوات الامريكية في منطقة المحيط الهادي من اجل مواجهة ما يسمى بالتهديدات الصينية المتنامية ، كما ألبت واشنطن دول جنوب شرقي آسيا ضد الصين ،ودعمت مواقف تلك الدول في خلافاتها مع الصين حول ملكية مساحات شاسعة من بحر الصين . لا بل ان دولا مثل اليابان وفيتنام والفيلبين صارت تندد علنا بالاطماع الصينية في تلك المنطقة !
ولم يقف الامر عندهذا الحد، بل صارت الادارة الامريكية تتحدث عن حرب تجارية والكترونية محتومة مع الصين ، واجتاحت الكونغرس الامريكي حمى النقاشات حول الخطر الصيني الزاحف وسبل مكافحته.
وسط هذه اجواء غير المريحة حضر الزعيم الصيني الى امريكا من أجل تهدئة المخاوف الامريكية .
وسارت جهود التهدئة الصينية باتجاهين : أولهما التوقيع على عقود تجارية هائلة اهمهاعقود شراء 300 طائرة بوينغ ،مع تركيز الصينيين على ملايين فرص العمل للامريكيين والتي يخلقها التعاون مع الصين ،والتذكير بحجم التبادل التجاري السنوي والذي وصل عام 2014 الى اكثر من550 مليار دولار.والآخر هواتجاه طمأنة الامريكيين ازاء نيات الصين، وهو ما تولاه شي بنفسه .فقد لجأ الرئيس الصيني الى التاريخ من اجل التدليل ان نهوض الصين لا يعني بالضرورة الصدام مع امريكا ، وبهذا المجال استعان الرئيس الصيني بالتاريخ عندما تحدث عن خطورة ما يسمى بفخ ثوسيديدوس ( المؤرخ اليوناني الذي اشار قبل 2400 سنة الى حتمية الحرب بين أثينا الصاعدة –آنذاك – واسبرطة المهيمنة). وقد نفى الرئيس شي امكانية الصدام الحتمي بين –الصين الصاعدة وامريكا المهيمنة، واشار بالمقابل، الى استبدال الصدام بالتعاون بين الدولتين العظميين. كما بذل شي جهدا كبيرا لاشعار الامريكيين بمعرفته للثقافة الامريكية، فتحدث عن همنغواي وكيف انه حرص شخصيا على زيارة الاماكن في كوبا التى اشار اليها الكاتب في روايته العجوز والبحر ،وتناول شراب الموخيتو الذي كان يفضله هيمنغواي ، وذكر الرئيس الصين انه يعمل على تعزيز التبادل الثقافي بين الشعبين ، وان 50 الف طالب صيني وامريكي سيتم تبادلهما خلال السنوات الثلاث القادمة ، وستقام اسابيع سياحية وثقافية مشتركة في البلدين . وأكد شي اهمية الصداقة الصينية الامريكية عبر التاريخ والجغرافيا ، وشرح رؤية بكين للعلاقات مع واشنطن . فهذه العلاقات – حسب شي – ينبغي ان تقوم على التعاون الذى يحقق الربح للجانبين على نحو موسع ، وتحويل نقاط الخلاف الى مجالات للتعاون وتعزيز الصداقة بين الشعبين على نحو موسع . وفي رده على الاتهامات الامريكي بالتجسس الاكتروني على امريكا، نفى شي ذلك، وأكد ان بكين تؤيد بناء فضاء إلكتروني يتسم بكونه سلميا وآمنا ومفتوحا وتعاونيا، مع خلق بؤرة جديدة مضيئة في التعاون الفضائي الثنائي وتمكين الفضاء الإلكتروني من جلب المزيد من المنافع للشعبين والشعوب في أرجاء العالم.
مجمل القول، ان الرئيس الصيني اراد استمالة الامريكيين تجاريا وثقافيا ، واشار الى المساعدات الامريكية الفعالة التي مكنت الصين من دحر الغزاة اليابانيين قبل سبعين عاما! ولم يكتف بذلك بل تحدث عن الصداقة التاريخية التي تربط بين البلدين والشعبين .
ومثل هذه المواقف والاحاديث ستترك بالتأكيد اثرها على الامريكيين ، ويمكن ان تهدأ –مؤقتا – مخاوفهم ، ولكن ينبغي ان لا ننسى ، ان هناك قوى في امريكا لا تشارك شي مواقفه عن الصداقة التاريخية بين البلدين ، وهي – اي هذه القوى – لا تزال تعتبر الصين دولة شيوعية يقودها حزب ماركسي يضع في برامجه هدف تدمير الرأسمالية التي تقودها امريكا، وهو امر يجب اخذه بعين الاعتبار. ومع ذلك فان قادة الصين الحاليين مستمرون في تنفيذ المعادلة الصعبة التي طرحها دينغ شياو بينغ حول امكانية الصداقة والتعاون بين طرفي النقيض: الشيوعية والرأسمالية ،لأنه ليس مهما لون القط، المهم ان يصطاد الفأر ويحقق المنافع.وبالمناسبة ، فان هذه السياسة قد انجزت الكثير للصين ، واكدت اننا لا زلنا نعيش في زمن البراغماتية السياسية التي تحقق مزيدا من المعجزات في عالم اليوم . بكين : 25-9-2015


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة