جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
التقارب الروسي الصيني

كتب محمد خير الوادي:
بات واضحا للعيان ،ان العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا ، قد انعكست تطورا سريعا في العلاقات بين موسكو وبكين .فخلال سنة واحدة من عمر هذه العقوبات ، حقق التعاون الروسي الصيني قفزات نوعية ، كانت في الظروف العادية يحتاج انجازها الى عقود من الزمن .

 وهناك سببان – برأي- لهذا التسارع في العلاقات اولهما ، يعود الى ان الرئيس بوتين قد تخلى عن كثير من تحفظاته ازاء التطوير الشامل للعلاقات مع الصين ،لا سيما في بعض المجالات الحساسة. فعلى امتداد عقد من الزمن اتخذ الرئيس بوتين موقفا مترددا ازاء ربط مواقع انتاج الغاز الروسي في سيبيريا بالصين فقط .وكان بوتين يفضل بناء خط انانبيب الغاز الى مرافيء الشرق الروسي ، ومن هناك يتم نقل الغاز بالسفن والقطارات الى الصين وغيرها من دول جنوب شرق آسيا. كانت عينا  الرئيس بوتين تشخصان الى اليابان . لكن بكين كانت   تفضل ان تكون وحدها ،وترفض اشراك طوكيو- خصمها التاريخي - في هذا المشروع الاستراتيجي . فضلا عن ذلك ، فان موسكو كانت تتحفظ ايضا على التعاون مع الصين في مجالات التقنية العسكرية الفائقة والصناعات النووية . وكان للروس هواجسهم في هذا الامر والتي يعبر عن بعضها عدد من الكتاب .والمسألة متعلقة بحديث صيني قديم عن ان سيبيريا كانت جزءا من الامبراطورية الصينية .وكان كل حديث عن تواجد صيني في سيبيريا يثير شجوناعميقة في الوعي الروسي .وينطبق هذا الامر على امكانية الاسهام الروسي في بناء قوة الصين العسكرية . ورغم ان الصين تفند بين الفترة والاخرى مثل هذه الآراء ، وتؤكد حرصها الدائم على تنمية العلاقات مع روسيا واحترامها لاتفاق ترسيم الحدود النهائي بين البلدين ، الا ان ظلال هذا الامر لم تختف نهائيا بين الاوساط السياسية والفكرية في روسيا .ويبدو ان روسيا – التي طورت قدراتها العسكرية، ونمٌت قاعدتها الاقتصادي خلال الفترة الماضية ، باتت اكثر ثقة بنفسها وبقوتها .فضلا عن ان اشتداد العقوبات الغربية ، دفعت القيادة الروسية الى البحث عن شركاء استرتيجيين جدد. وليس هنك افضل من الصين في هذا المجال. فهي جار، وحدودها مع روسيا تمتدلاكثر من اربعة آلاف كيلومترا ، واقتصادها الاسرع نموا في العالم.
والسبب الثاني لهذا النمو السريع في التعاون الروسي الصين يتجلى في براغماتية السياسة الصينية وحسن اقتناصها للفرص،وسرعة اتخاذ القرارات في الاستفادة من فرصة العقوبات الاوربية على روسيا، والتي قد لا تتكرر مرة اخرى.
لقد حصلت بكين خلال السنة المنصرمة على ميزات واتفاقيات مع روسيا ، كان من الصعب ان تحصل عليها سابقا. فقد وقع البلدان في اكتوبر عام 2014 عقدا هائلا بقيمة 400 مليار دولار لضخ الغاز الروسي من سيبيريا الى الصين لمدة ثلاثين عاما .علما ان الصين ستدفع عشرات المليارات لتطوير مواقع الغاز الروسية في سيبيريا ، اي ان الصين ستكون موجودة هناك ! ولم يقتصر الجانبان على الاتفاق على بناء الخط الشرقي لضخ الغاز السيبيري الى الصين ، بل ابرما مؤخرا اتفاقا اخر لاقامة انبوب آخر يطلق عليه الخط الغربي عبر منطقة التاي الروسية ،والقيمة النهائية لهذا العقد لا تقل عن العقد الاول . والرئيس الصيني شي جينغ بينغ لم يحضر الى موسكو للمشاركة في الاحتفالات المخصصة للذكرى السبعين للنصر على المانيا النازية فحسب ، بل استغل الزيارة للتوقيع على نحو اربعين اتفاقية مع روسيا بقيمة ثلاثين مليار دولار ، تتضمن انتاج طائرات مدنية للركاب ، وتخصيص مناطق- على الاغلب في روسيا – للانتاج الزراعي المشترك ،واسهام الصين في بناء خط حديدي سريع بين موسكو وبكين ينتهي العمل به عام 2020،كما تخلى الروس عن تحفظاتهم ازاء اقتراح الرئيس الصيني لبناء طريق حرير جديد تكون روسيا جزءا منه . واقترحت موسكو ان يكون هذا الطريق الذي خصصت بكين اربعين مليار دولار لاقامته ، جزءا من التعاون بين الصين ودول المجموعة اليورو- آسيويه التي انشأتها موسكو مؤخرا. وخلال العام المنصرم ، ارتفع مستوى التعاون في الانتاج العسكري بين البلدين الى مستويات لم يشهد لها مثيلا من قبل .وفتحت مصارف البلدين ضمانات مالية للتبادل التجاري بعملتي البلدين تصل قيمتها عشرات المليارات من الدولارات .كما نما حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسب فضائية خلال العام الماضي ليصل الى نحو مئة مليار دولار .وهذا شجع قيادة البلدين للحديث عن امكانية وصول هذا الرقم الى مئتي مليار دولار عام 2020.اضافة لذلك ، فقد تعمق التنسيق السياسي لنشهد – ولاول مرة منذ ستينات القرن الماضي – تقاربا بين الدولتين في جميع القضايا الدولية .وباتت الاوساط العالمية تتحدث عن بروز كتلة صينية روسية على الصعيد العالمي . ورغم ان البلدين يرفضان سياسة الاحلاف ، ولا يعتبران تقاربهما الحثيث موجها ضد احد ، الا ان الوقائع اليومية تشير الى ان هناك تنسيقا يتعمق بين سياستي موسكو وبكين ضد المواقف الامريكية في العالم .
طبعا من المبكر الحديث عن بروز حلف روسي صيني – ولو اننا نتمنى حدوث ذلك –. فهناك عقبات كثيرة ، منها عدم تماثل الانظمة السياسية في البلدين ، ففي الصين هناك- رسميا عل الاقل – نظام شيوعي حاكم ، وفي روسيا نظام رأسمالي . وهذا ينفي امكانية وجود اساس ايدولوجي فكري للتحالف . ثم ان الظروف التي تدفع اليوم البلدين الى التقارب الحثيث ، قد تتغير . فالعقوبات الغربية لن تستمر الى الابد ضد روسيا ، وينبغي ان لا ننسى الميول الغربية للاوساط الحاكمة في روسيا .كما لا يجب اسقاط الهواجس التاريخية الروسية التي يمكن ان تبرز لدى اول هفوة في السياسة الصينية .ومع ذلك كله ، فان التقارب الجاري الان بين روسيا والصين هو لمصلحة شعوب العالم كلها ، لانه يفرض علاقات دولية اكثر عدالة ، ويلجم – اذا ما استمر – السياسة العدوانية الهوجاء التى تنفذها واشنطن في اربع جهات الارض.


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة