جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
مفوضية حقوق الإنسان تطعن بقانون الجنسية الهندي

وضع قانون الجنسية الجديد الهند في حرج شديد في كثير من المحافل الدولية، كان آخرها إحدى الهيئات التابعة للأمم المتحدة. ففي خطوة غير مسبوقة، قدّم مكتب «المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة» لـ«المحكمة العليا» بالهند ما يسمى طلباً للتدخل بشأن «قانون الجنسية المعدل». جاء التدخل بمثابة صفعة دبلوماسية أسهمت في تدويل القضية الدستورية المثيرة للجدل. قام مكتب المفوض السامي ميشيل باشيليت، ومقره جنيف، بتقديم عريضة طعنت في القانون رفعها الدبلوماسي السابق ديب موخرجي مع 60 نشطاً وسياسياً وعضواً في الأحزاب الهندية أمام المحكمة العليا. وقد سعت المفوضة السامية، رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، أن تكون مراقباً محايداً أو مستشاراً «ودياً» للمحكمة، عند النظر في الالتماس؛ حيث يرغب المفوض السامي في التدخل بحيادية في محاولة لدفع المحكمة العليا إلى اتخاذ قرار صائب. وبررت المفوضة السامية «تدخلها» قائلة إن قانون الجنسية يميز ضد المسلمين المضطهدين وقد لا يكون موضوعياً ومعقولاً بما فيه الكفاية بما يتماشى مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويحظر «الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية»، على سبيل المثال، التمييز على أسس عرقية وإثنية ودينية، وقد التزمت الهند بأحكامه. علاوة على ذلك، يشير التطبيق إلى «الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والنظامية والمنتظمة» الذي يلزم الهند بضمان حقوق الإنسان في شأن الهجرة. لكن تلك الخطوة أزعجت الهند، حيث أصرّت نيودلهي على أنها «شأن داخلي» بحت. يسعى «قانون الجنسية المعدل» الذي أقرَّه البرلمان بغرفتيه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى الإسراع في منح الجنسية للهندوس والبارسيون، والسيخ والمسيحيين والبوذيين الذين تعرضوا للاضطهاد على أسس دينية في باكستان وبنغلاديش وأفغانستان والمقيمين في الهند منذ 31 ديسمبر (كانون الأول) 2014. كان موقف الحكومة الهندية هو أن جميع الدول الثلاث هي دول إسلامية، فكيف يمكن أن يكون هناك محاكمة للمسلمين في هذه البلدان على أسس دينية؟ وقد أثار ربط المواطنة بالدين في القانون احتجاجات ومظاهرات واسعة النطاق في الهند. وانتقدت المفوضة السامية أيضاً القانون، حيث أفادت أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف في 27 فبراير (شباط) بأن القانون بات «مصدر قلق كبيراً»، وأن الهنود «عبروا وبأعداد كبيرة ومن مختلف الطوائف وبطريقة سلمية في الغالب معارضتهم للقانون ودعمهم لتقاليد العلمانية الراسخة في البلاد». كذلك أقام الدبلوماسي الهندي السابق ديب موكارجي، الذي شغل منصب سفير الهند لدى نيبال والمفوض السامي لدى بنغلاديش، الذي انتقد في السابق قرار حكومة مودي بشأن القانون، دعوى قضائية أمام المحكمة العليا في الهند يطعن فيها بالقانون. وفي تصريح لصحيفة «أنديا توداي»، قال إنه لن يشعر بالارتياح أن تشتمل عريضة الدعوى على اسم منظمة أجنبية عندما يتعلق الأمر «بشأن داخلي». وقال نصّاً: «أنا غير مرتاح لأن منظمة أجنبية مثل الأمم المتحدة لديها وجهة نظر في هذا الصدد بشأن قضيتنا الداخلية. يجب حل قضايانا الداخلية داخلياً». اعترفت حكومة الهند رسمياً بطلب المفوض السامي للأمم المتحدة في 3 مارس (آذار)، عندما أصدرت وزارة الخارجية بياناً مقتضباً يفيد بأن البعثة الدائمة للهند في جنيف قد تم إخطارها بهذه الخطوة في اليوم السابق. وجاءت الردود المعتادة على شاكلة «شأن داخلي»، و«الحق السيادي للبرلمان الهندي في سن القوانين»، و«لا يحق لأي طرف أجنبي المثول أمام محكمة هندية بشأن القضايا المتعلقة بسيادة الهند». وسواء اعترفت المحكمة العليا أو لم تعترف بطعن المفوض السامي، فإنه لا يمكن إنكار أن القلق يتصاعد داخل الهند بشأن ما يوحي به القانون لمعتنقي الدين الإسلامي. ولذلك من المحتمل أن تصبح سياسة المواطنة في الهند أصعب وأبعد من أن تظل بعيدة عن مرأى ومسمع العالم. وعلى الرغم من ذلك، قال الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الهندية رافيش كومار إن الهند كانت واضحة لأن قانون الجنسية المعدل «صالح دستورياً ويتوافق مع جميع متطلبات قيمنا الدستورية». وقال إن القانون يعكس التزامنا الوطني طويل الأمد فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان الناشئة عن مأساة تقسيم الهند. وأضاف كومار أن «الهند بلد ديمقراطي تحكمه سيادة القانون. ونتحلى جميعنا بأقصى درجات الاحترام والثقة الكاملة في القضاء المستقل. نحن على ثقة من أن المحكمة العليا سوف تبرر موقفنا السليم والدائم من الناحية القانونية». ووصف وزير الشؤون الخارجية السابق ك. نتوار سينغ خطوة المفوض السامي بأنها «غير عادية» وقال إن الموقف غير مسبوق في تاريخ الهند القانوني والدبلوماسي الحديث، مضيفاً: «هذا تدخل مباشر من قبل وكالة تابعة للأمم المتحدة وبحسب ذاكرتي، لا أتذكر أي سابقة من هذا القبيل». ورداً على هذا التطور، هاجم أحمد باتيل، أحد قادة «حزب المؤتمر»، الحكومة بشأن هذه القضية، قائلاً إنه «تدخل لا مبرر له»، لكن «مودي» هو المسؤول عن تلك «الفوضى». وقال باتل في تغريدة: «لا شك في أن تدخل الأمم المتحدة في شؤوننا تصرف غير مبرر. لكن على مَن يقع اللوم في هذه الفوضى؟» قال وزير الخزانة عضو «حزب المؤتمر» إن حكومة الهند ما كان لها أن تفتح نافذة لمثل هذا التدخل من خلال سن قانون ينتهك المعايير العالمية لحقوق الإنسان. وصرح ديليب سينها الذي شغل أيضاً منصب نائب رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: «إنها قضية غير معتادة أن يقوم كيان أجنبي يُعتبر جزءاً من الأمم المتحدة بمقاضاة الهند أمام محكمة هندية. الهند ليست طرفاً في أي اتفاقية دولية تسمح بأن تحال حكومة الهند إلى محكمة دولية لحقوق الإنسان. وقال سينها: «لا توجد سابقة لذلك، وبالتأكيد الهند ليست طرفاً في اتفاقية دولية في هذا الاختصاص»، مضيفاً أنه على عكس التصور الشعبي، فإن الأمم المتحدة ليست طرفاً في القضية لأن مفوضية حقوق الإنسان تعمل بشكل مستقل. وقال إن المفوضية السامية لحقوق الإنسان يمكنها تقديم طعن، وهذا أمر يختلف عن كون الأمم المتحدة طرفاً في القضية. ليست هذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها المفوضية في قضية حقوق الإنسان أمام المحاكم المحلية أو الإقليمية. فقد حدث في السابق أن تدخلت المفوضية ذاتها في المحكمة العليا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكوريا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مسائل تتعلق بحقوق الإنسان. فقد بات التدخل على سبيل النصح أو بشكل ودي وسيلة للتعبير عن المواقف تجاه دول بعينها فيما يتعلق بحقوق الإنسان. - الهند تواجه أوقاتاً عصيبة في سياستها الخارجية خلال الأشهر القليلة الماضية، بات من الواضح، وبشكل متزايد، أن قضايا الهند الداخلية تؤثر على سياسة الهند الخارجية. بدأت قضايا مثل «قانون الجنسية المعدل» تؤثر على علاقات الهند مع جيرانها ومع الدول الإسلامية الكبرى ومع الشركاء الاستراتيجيين مثل الولايات المتحدة؛ حيث يلفت العنف الطائفي الأخير في دلهي، على وجه الخصوص، انتباهاً سلبياً إلى المسائل الداخلية للهند للدرجة التي تؤثر على سمعتها. ذكر المعلق راجيشواري بيلاي أنه «على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عندما سُئِل أثناء زيارته للهند عن قانون الجنسية المعدل قال إنها شأن داخلي، فإن أعمال العنف الأخيرة التي وقعت في دلهي أثارت مخاوف جديدة في الولايات المتحدة ظهرت في تصريحات شخصيات بارزة في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، و(اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية) وغيرها، من ضمنهم المرشح الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز الذي أعرب عن (قلقه الشديد). مرة أخرى، وهو ما وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية بالتصريحات (غير المسؤولة)». حتى أصدقاء الهند عبروا عن قلقهم، وهو ما سيكون مكلفاً في نهاية المطاف إذا لم يجرِ حل هذه المشكلات، خاصة أن نيودلهي ستهدر الجهود في تبرير موقفها وخلق توترات غير ضرورية وحالة من عدم الارتياح في علاقاتها. بطبيعة الحال، فإن أهم دافع لحل هذه المشكلات هو أن تصبح الهند مجتمعاً لا تشعر فيه أي فئة بالاضطهاد، وأن تحل الخلافات بطريقة سلمية، وهو أمر يصعب الجزم به في الوقت الحالي


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة