جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
سلاح فلسطين الفتاك

الإحصاءات الأخيرة تؤكد أن عدد الفلسطينيين تساوى مع عدد اليهود في فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر. لم تصدر هذه الإحصاءات عن مصدر واحد، بل عن ثلاثة. كما لم تصدر عن جهة فلسطينية رسمية فحسب، بل أيضاً عن جمعية الجليل في الناصرة (عرب الداخل)، والبيان البرلماني الإسرائيلي حول تعداد السكان. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الفلسطينيين 4.8 مليون نسمة (2.9 في الضفة الغربية، و1.9 في غزة)، كما وصل عددهم في أراضي الـ1948 إلى 1.4 مليون نسمة، أي بمجموعٍ يقارب 6.5 مليون نسمة، وهو مساوٍ لعدد اليهود. هذه البيانات مدعاة للتفاؤل، فـ «القنبلة الديموغرافية» ما زالت تؤرق إسرائيل. 70 عاماً من الاحتلال، لم تنجح خلالها الدولة العبرية في رفع عدد سكانها اليهود ليتجاوز عدد السكان الفلسطينيين الأصليين. ولم ينفعها ما وظفته في سبيل ذلك من طرد السكان، واستقدام مهاجرين جدد، تارة من إثيوبيا وأخرى من الاتحاد السوفياتي السابق، ناهيك عن المهاجرين الأوروبيين. وليس طرحُ هذه البيانات على لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وطلبُ استجواب المسؤول الإسرائيلي عما يسمى «الإدارة المدنية» للأراضي المحتلة، سوى تعبير عن المخاوف الإسرائيلية التي وردت مرات في مؤتمر هيرتسيليا السنوي. فماذا إن جاءت هذه المخاوف معطوفة على تناقص الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفقدان الإغراءات والحوافز بريقها لجذب المهاجرين، وتزايد «القلق» من الهجرة المضادة، وتفاقم التشرذم واللاتجانس في المجتمع اليهودي؟ الكلمة المفتاح هنا هي في تداعيات هذه الأرقام على المحددات السياسية للطرفين، خصوصاً لجهة الحلول المقترحة بين إعلان دولة فلسطينية مستقلة وقبول إسرائيل الانسحاب إلى حدود عام 1967، أو الضم الإسرائيلي للضفة كاملة، وما يعنيه ذلك من القبول، عاجلاً أو آجلاً، بدولة ثنائية القومية. فلسطينياً، المدلول السياسي المباشر هو أن خيار الصمود والثبات في فلسطين يتفوق على كل الاجتهادات الأخرى، ما يولّد شعوراً قومياً ووطنياً عابراً للخلافات بين الفلسطينيين، وللاحتلال، ومولداً المقاومة المشروعة. هذه النتيجة تعزز المدلول الاستراتيجي غير المباشر لنتائج الإحصاء، وهو الحقيقة التاريخية لشعب يعيش على أرضه، مندمجاً طبيعياً وبيئياً بمحيطه ومكانه، في مقابل مجتمعٍ، كالإسرائيلي، مصنّعٍ وغير منتمٍ إلى الأرض ولا إلى المحيط الحضاري الإقليمي، اعتمادُه الأساسي على المساعدات الأميركية والأوروبية الكفيلة بحفظ مستويات معيشة أفضل من تلك التي عاشها في أوروبا وروسيا وغيرهما. لكن الترجمة النظرية المهمة تبقى في امتلاك الفلسطيني الحيوية التاريخية التي تتولد من «الهيمنة» على المكان بالمعنى الحسي، وهو ما يطلق عليه الجغرافي والمؤرخ المصري جمال حمدان «عبقرية المكان» في كتابه الموسوعي «شخصية مصر». وحيث لا تتغير الجغرافيا، فإن الهيمنة هي في الرسوخ وحجم الامتداد والقدرة على الصمود في مواجهة أقوى تحالف عدواني شهده التاريخ الحديث ضد شعب أعزل هو الفلسطيني، على رغم ما فقده من أرضه في نكبة عام 1948، وما واجه مجتمعه من اقتلاع. الإحصاءات الجديدة مدعاة للتأمل أيضاً في انتصار المعطى الطبيعي على التخطيط الخارجي المضاد. وأمام رفض الاحتلال وقيادات إسرائيل الخيارات التي لا يمكن إلّا أن يكون الفلسطيني في جوهرها (سواء الضم أم الدولة المستقلة وحتى الحكم الذاتي)، فإن البديل هو الإمعان في العسف بالفلسطينيين، وتفعيل آليات الاحتلال إلى أقصاها، وكلها لا يغير واقع الحال. هذا ما يثير الآن، بعد «مسيرات العودة»، سؤالاً لدى يهود العالم والداعمين لإسرائيل: إلى متى؟ الحيوية التاريخية هي في القدرة على امتصاص الصدمات، وعلى الصمود الطويل في امتداد الصراع، وهو في النهاية دليل «الهيمنة» وصورة تطور المجتمع وتفاعله مع المكان وتماسك كتلته الاجتماعية والاقتصادية بكل حمولاتها، خصوصاً الحضارية والثقافية الفلسطينية العربية المسلمة. هذا ما يُعطي الشعرَ شعريته وقوته، ويمد الغناءَ بالشجى والطرب، ويُلوّن التطريز على الثياب، ويعلو في الدبكة والكوفية. يتزاوجون وينجبون ويستشهدون، وتزداد بذلك كثافة الرموز كحقائق جيوسياسية وإنسانية عظمى. تلك عبقرية المكان.الحياة الإحصاءات الأخيرة تؤكد أن عدد الفلسطينيين تساوى مع عدد اليهود في فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر. لم تصدر هذه الإحصاءات عن مصدر واحد، بل عن ثلاثة. كما لم تصدر عن جهة فلسطينية رسمية فحسب، بل أيضاً عن جمعية الجليل في الناصرة (عرب الداخل)، والبيان البرلماني الإسرائيلي حول تعداد السكان. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الفلسطينيين 4.8 مليون نسمة (2.9 في الضفة الغربية، و1.9 في غزة)، كما وصل عددهم في أراضي الـ1948 إلى 1.4 مليون نسمة، أي بمجموعٍ يقارب 6.5 مليون نسمة، وهو مساوٍ لعدد اليهود. هذه البيانات مدعاة للتفاؤل، فـ «القنبلة الديموغرافية» ما زالت تؤرق إسرائيل. 70 عاماً من الاحتلال، لم تنجح خلالها الدولة العبرية في رفع عدد سكانها اليهود ليتجاوز عدد السكان الفلسطينيين الأصليين. ولم ينفعها ما وظفته في سبيل ذلك من طرد السكان، واستقدام مهاجرين جدد، تارة من إثيوبيا وأخرى من الاتحاد السوفياتي السابق، ناهيك عن المهاجرين الأوروبيين. وليس طرحُ هذه البيانات على لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وطلبُ استجواب المسؤول الإسرائيلي عما يسمى «الإدارة المدنية» للأراضي المحتلة، سوى تعبير عن المخاوف الإسرائيلية التي وردت مرات في مؤتمر هيرتسيليا السنوي. فماذا إن جاءت هذه المخاوف معطوفة على تناقص الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفقدان الإغراءات والحوافز بريقها لجذب المهاجرين، وتزايد «القلق» من الهجرة المضادة، وتفاقم التشرذم واللاتجانس في المجتمع اليهودي؟ الكلمة المفتاح هنا هي في تداعيات هذه الأرقام على المحددات السياسية للطرفين، خصوصاً لجهة الحلول المقترحة بين إعلان دولة فلسطينية مستقلة وقبول إسرائيل الانسحاب إلى حدود عام 1967، أو الضم الإسرائيلي للضفة كاملة، وما يعنيه ذلك من القبول، عاجلاً أو آجلاً، بدولة ثنائية القومية. فلسطينياً، المدلول السياسي المباشر هو أن خيار الصمود والثبات في فلسطين يتفوق على كل الاجتهادات الأخرى، ما يولّد شعوراً قومياً ووطنياً عابراً للخلافات بين الفلسطينيين، وللاحتلال، ومولداً المقاومة المشروعة. هذه النتيجة تعزز المدلول الاستراتيجي غير المباشر لنتائج الإحصاء، وهو الحقيقة التاريخية لشعب يعيش على أرضه، مندمجاً طبيعياً وبيئياً بمحيطه ومكانه، في مقابل مجتمعٍ، كالإسرائيلي، مصنّعٍ وغير منتمٍ إلى الأرض ولا إلى المحيط الحضاري الإقليمي، اعتمادُه الأساسي على المساعدات الأميركية والأوروبية الكفيلة بحفظ مستويات معيشة أفضل من تلك التي عاشها في أوروبا وروسيا وغيرهما. لكن الترجمة النظرية المهمة تبقى في امتلاك الفلسطيني الحيوية التاريخية التي تتولد من «الهيمنة» على المكان بالمعنى الحسي، وهو ما يطلق عليه الجغرافي والمؤرخ المصري جمال حمدان «عبقرية المكان» في كتابه الموسوعي «شخصية مصر». وحيث لا تتغير الجغرافيا، فإن الهيمنة هي في الرسوخ وحجم الامتداد والقدرة على الصمود في مواجهة أقوى تحالف عدواني شهده التاريخ الحديث ضد شعب أعزل هو الفلسطيني، على رغم ما فقده من أرضه في نكبة عام 1948، وما واجه مجتمعه من اقتلاع. الإحصاءات الجديدة مدعاة للتأمل أيضاً في انتصار المعطى الطبيعي على التخطيط الخارجي المضاد. وأمام رفض الاحتلال وقيادات إسرائيل الخيارات التي لا يمكن إلّا أن يكون الفلسطيني في جوهرها (سواء الضم أم الدولة المستقلة وحتى الحكم الذاتي)، فإن البديل هو الإمعان في العسف بالفلسطينيين، وتفعيل آليات الاحتلال إلى أقصاها، وكلها لا يغير واقع الحال. هذا ما يثير الآن، بعد «مسيرات العودة»، سؤالاً لدى يهود العالم والداعمين لإسرائيل: إلى متى؟ الحيوية التاريخية هي في القدرة على امتصاص الصدمات، وعلى الصمود الطويل في امتداد الصراع، وهو في النهاية دليل «الهيمنة» وصورة تطور المجتمع وتفاعله مع المكان وتماسك كتلته الاجتماعية والاقتصادية بكل حمولاتها، خصوصاً الحضارية والثقافية الفلسطينية العربية المسلمة. هذا ما يُعطي الشعرَ شعريته وقوته، ويمد الغناءَ بالشجى والطرب، ويُلوّن التطريز على الثياب، ويعلو في الدبكة والكوفية. يتزاوجون وينجبون ويستشهدون، وتزداد بذلك كثافة الرموز كحقائق جيوسياسية وإنسانية عظمى. تلك عبقرية المكان.الحياة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة