جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
العلمانية: نشأتها واتجاهاتها

الباحث :نذير بن عمر تونس( بالتعاون مع شبكة اضواء للدراسات) يجب البدء أولاً ببيان حقيقة التسمية، وبيان صحة نسبتها إلى العلم، فهل هي كذلك؟ إن في حقيقة الأمر أنه حين أطلقت هذه التسمية في أوروبا كان يقصد بها عندهم حسب ترجمتها الصحيحة فصل الدين عن السياسة، أو الفصل الكامل بينه وبين الحياة الاجتماعية، على أساس أنه لا يجتمع العلم مع الدين هذا من جهة، وأما من جهة نسبتها إلى العلم، فإن الحقيقة تدل على أنه لا علاقة بين العلم وبين هذه الفكرة الضالة، بل إن تسميتها علمانية إنما هو بسبب سوء الترجمة من معناها الغربي الذي هو الابتعاد عن الدين، أو من باب الخداع إذاً كان الأولى أن تكون ترجمتها وتسميتها أيضا هي اللادينية لأن مفهومها الأصلي هو هذا وليس نسبة إلى العلم. وبعض الباحثين يذهب إلى أن العلمانية بكسر العين وسكون اللام معناها: العلم الذي هو ضد الجهل، وأما بفتح العين وسكون اللام فمعناها: العالم أو الدنيا في مقابل الآخرة. وتأتي أيضا بمعنى دهري وهو تفسيرا لكلمة« لائيك » الفرنسية وهو تعبير نشره اليهود في فرنسا فيما بين القرنين الثالث والتاسع عشر الميلاديين. وبالتالي فإن الترجمة الصحيحة للكلمة الأوروبية هي: اللادينية، وعليه فإن التعريف الصحيح هو أن يقال:« هي حركة تدعو إلى الفصل بين الدين والحياة، وتهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة، وتوجيههم إلى الدنيا فحسب» وللعلمانية صورتان: إحداهما: صورة متطرفة وهي التي لا تكتفي بعزل الدين عن الدنيا، بل تحارب الأديان جملة، فتنكر وجود الله، ولا تؤمن باليوم الآخر ولا بالرسل، ولا بشيء مما جاء به الدين، وتعادي وتحارب متبعي الدين. والثانية: صورة معتدلة وهي التي تكتفي بعزل الدين عن الدنيا، ولا تنكر وجود الله، ولا تنكر علم الغيب أو الرسل، ولا تحارب متبعي الدين.بل إنها تسمح بإقامة بعض الشعائر والعبادات بشرط أن تقتصر علاقة العبد بربه دون أن يكون للدين علاقة في شؤون الحياة الأخرى. المطلب الثاني: الأدوار التي مرت بها في نشأتها لقد مرت العلمانية في نشأتها بثلاث محطات أو أدوار ذكرها الدكتور العرماني هي كما يلي: الدور الأول: وتمثل في الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوروبية، ويعود سببه إلى تأثر الأوروبيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانا مختلفة من العذاب على أيدي رجال الكنيسة أثر ظهور الاكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الاكتشافات وجها لوجه. الدور الثاني: وتمثل في ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الاجتماعية كلها. الدور الثالث: وفيه اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحل الإلحاد المادي محل الدين تماما. المطلب الثالث: أسباب قيامها لقد نشأت العلمانية في أوروبا البلد المضياف لشتى الانحرافات والمذاهب الفكرية الضالة لأسباب عديدة، نذكر منها البعض فيما يلي: أولاً: الطغيان الكنسي: فالكنيسة طغت، وتجبرت، وأصبحت تفرض على الناس العقائد الباطلة التي لا تتفق مع نقل ولا عقل، كعقيدة العشاء الرباني، وعقيدة التثليث، وعقيدة الخطيئة الموروثة، والصلب والفداء، إضافة إلى هذا أخذت الكنيسة تحرم، وتحلل، حسب ما يتفق وأهواء رجال الدين. وكما عززت سلطتها الدينية الطاغية بإدعاء حقوق لا يملكها إلا الله تعالى مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلة، مع العلم أن الكنيسة لم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدى إلى المهزلة التاريخية التي عرفت بصكوك الغفران، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحا مخيفا، للأفراد والشعوب في آن واحد؛ فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال: فرديريك،وهنري الرابع الألماني، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين مثل: أريوس حتى لوثر، ومن العلماء والباحثين المخالفين لآراء الكنيسة من برونو إلى آرنست رينان وأضرابه. وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز، وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان، والاضطراب، حتى عاد يوحنا صاغرا يقر بخطيئته، ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذله وصدق توبته، رفع الحرمان عنه وعن أمته. وأما التحلة؛ فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة لذلك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد لا سيما بعد أن اتضح للكنيسة الأثر الإسلامي الظاهر في الآراء المخالفة، فأنشأت ذلك الغول البشع ، والشبح المرعب،الذي أطلقت عليه محاكم التفتيش، تلك المحاكم التي عملت على إبادة المسلمين، أو المخالفين لآراء الكنيسة. ولا يكاد العلماء الغربيون يتعرضون للحديث عنها إلا ويصيبهم الاضطراب، وتتفجر كلماتهم رعبا، فما بالك بالضحايا الذين أزهقت نفوسهم، والسجناء الذين أذاقتهم ألوان المر والنكال. وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري ، وكان الزبانية يبدءون بسحق عظام الأرجل ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء المزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى منها آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة،يلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيمزقه إربا إربا، وآلات تغرس في لسان المعذب ثم تشد فتقطعه قطعة قطعة، وهناك صور أخرى تشمئز النفوس من ذكرها. و كل ما سبق جعل الناس يؤمنون بالمسيحية قسرًا دون أن يتجرأ أحد على مناوئتها أو مخالفتها، وأضف إلى ذلك ما حصل من طغيان الكنيسة السياسي، حيث فرضت وصايتها على الملوك، وجعلت معيار صلاحهم معلقا بما يقدمونه للكنيسة من طاعة وانقياد. وزيادة على هذا؛ الطغيان المالي، ويمكن حصر مظاهره في مايلي: 1-الأملاك الإقطاعية: حيث أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي، وأكبر الإقطاعيين في أوروبا. 2-الأوقاف: فلقد كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافاً لها، بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة، وبناء الكنائس، وتجهيز الحروب الصليبية . إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق. 3-العشور: حيث فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة العشور، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على عشر ما تغله الأراضي الزراعية، والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين. 4- الهبات والعطايا: وذلك أن الكنيسة كانت تحظى بالكثير من العطايا والهبات، التي يقدمها الأثرياء الإقطاعيون، تملقا ورياءً، أو بدافع من الصدقة والإحسان. ثانيا: الصراع بين الكنيسة والعلم. فلقد قام الصراع بين الكنيسة والحقائق العلمية على أشده، فلقد كانت الكنيسة هي المصدر الوحيد للمعرفة، فلما ظهرت بعض الحقائق العلمية التي تخالف ما تقرره الكنيسة كنظرية كوبرنيق الفلكية 1543م ، ومن بعده جردانو برونو، وغيرها من النظريات، حصل الصراع بين الكنيسة وبين العلم، ومن هنا اصطدمت حقائق العلم بزيوف الكنيسة؛ فقامت بالقبض عليهم، وتكذيبهم، ومحاربة أفكارهم. ومن ثم نشأت الفكرة القائلة:” إن العلم لا صلة له بالدين، وإن الدين يحارب العلم” . ثالثا: الاضطرابات والثورات التي قامت في أوروبا مثل الثورة الفرنسية وغيرها. رابعا: شيوع المذاهب والأنظمة الاجتماعية والنظريات الهدامة كنظرية التطور وغيرها. خامسا: الخواء الروحي عند الأوربيين؛ ذلك لأن النصرانية المحرفة لا تزكي الروح، ولا تخلص أتباعها من الأسئلة القاتلة داخل النفوس حول الكون، والإله، والمصير، وما إلى ذلك. سادسا: المكر اليهودي الذي يحرص على إنشاء المذاهب الهدامة، أو احتوائها؛ رغبة من اليهود في إفساد البشرية وجعلها حمرا يمتطونها. سابعا: خلو الأناجيل المحرفة من أي تصور محدد لنظام سياسي، أو اجتماعي، أو اقتصادي، أو عملي. المطلب الرابع : أبرز شخصيات العلمانية من أبرز شخصيات العلمانية ما يلي: 1/ جان جاك روسو: توفي سنة 1778، له كتاب العقد الاجتماعي الذي يعد إنجيل الثورة 2/مونتيسكو: له كتاب روح القانون . 3/ سبينوزا : وهو يهودي، يعد رائد العلمانية باعتبارها منهجا للحياة و السلوك، وله رسالة في اللاهوت و السياسة . 4/ فولتير: صاحب القانون الطبيعي، و الدّين في حدود العقل وحده . 5/ وليم جودين : توفي 1793 ، له العدالة السياسية، و دعوته فيه دعوة علمانية صريحة . 6/ ميرابو: الذي يعد خطيب و زعيم و فيلسوف الثورة الفرنسية. 7/ لتشارلز دارون : له كتاب أصل الأنواع سنة 1859 الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي و بقاء الأنسب، وقد جعل الجد الحقيقي للإنسان جرثومة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين، و القرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها . و هذه النظرية أدت إلى انهيار العقيدة الدّينية و نشر الإلحاد . 8/ نيتشة : وفلسفته التي تزعم أنّ الإله قد مات، و أنّ الإنسان الأعلى السوبرمان ينبغي أن يحل محله . 9/ كارل ماركس : اليهودي صاحب التفسير المادي للتاريخ، يؤمن بالتطور الحتمي، وهو داعية الشيوعية و مؤسسها الأول الذي اعتبر الدّين أفيون الشعوب . 10/ فرويد اليهودي : اعتمد الدافع الجنسي مفسرا لكل الظواهر، و الإنسان في نظره حيوان جنسي. المبحث الثاني : الجذور الفكرية و الأفكار و المعتقدات . المطلب الأول : الجذور الفكرية و العقدية . تتمثل الجذور الفكرية للعلمانية فيما يلي : 1/ العداء المطلق للكنيسة أولا ، و للدّين أيًّا كان سواء وقف إلى جانب العلم أم عداه . 2/ لليهود دور بارز في ترسيخ العلمانية من أجل إزالة الحاجز الدّيني الذي يقف أمام اليهود حائلا بينهم و بين أمم الأرض . 3/ تعميم نظرية العداء بين العلم من جهة و الدّين من جهة لتشمل الدّين الإسلامي ، رغم أنّ الدّين الإسلامي لم يقف موقف الكنيسة ضد الحياة و العلم ، بل كان الإسلام سبّاقا لتطبيق المنهج التجريبي و نشر العلوم . 4/ إنكار الآخرة و عدم العمل لها ، و اليقين أنّ الحياة الدنيا هي المجال الوحيد للمتع و اللذات. المطلب الثاني : الأفكار و المعتقدات . يمكن إجمال أفكار و عقائد العلمانية في النقاط التالية : 1/ بعض العلمانيين ينكرون وجود الله أصلا ، و بعضهم يؤمنون بوجود الله ، لكنّهم يعتقدون بعدم وجود أيّة علاقة بين الله و بين حياة الإنسان. 2/ الحياة تقوم على أساس العلم المطلق و تحت سلطان العقل و التجريب 3/ إقامة حاجز سميك بين عالمي الروح و المادة ، و القيم الروحية لديهم قيم سلبية . 4/ فصل الدّين عن السياسة ، و إقامة الحياة على أساس مادّي . 5/ تطبيق مبدأ النفعية على كلّ شيء في الحياة . 6/ اعتماد مبدأ الميكيافلية في فلسفة الحكم و السياسة و الأخلاق . 7/ نشر الإباحية و الفوضى الأخلاقية و تهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في بنية المجتمع . أمّا معتقدات العلمانية في العالم العربي و الإسلامي التي انتشرت بفضل الاستعمار و التبشير فهي: 1/ الطعن في حقيقة الإسلام و القرءان و النبوة . 2/ الزعم بأنّ الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس و شعائر روحية . 3/ الزعم بأنّ الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني . 4/ الزعم بأنّ الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة، و يدعو إلى التخلف . 5/ الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي . 6/ تربية الأجيال تربية لادينية . 7/ اقتباس الأنظمة و المناهج اللادينية لدى الغرب، ومحاكاته فيها. المبحث الثالث: أسباب انتشار العلمانية في العالم العربي و الإسلامي واتجاهاتها وأبرز الشخصيات. المطلب الأول: أسباب انتشارها في العالم العربي والإسلامي. مما لا شك فيه أن انتشار العلمانية اللادينية أو غيرها من المذاهب إنما تنتشر في غفلة العقل وخواء النفس عن التمسك بالمعتقد الصحيح، وفي الوقت الذي يرى فيه الإنسان حسنا ما ليس بالحسن من جراء الدعايات البراقة أو الضغوط الشديدة. وفيما يلي نبين بعض تلك الأسباب التي أدت إلى انتشار العلمانية في ديار المسلمين، ويمكن أن يكون من أول الأسباب كلها: أولا: جهل المسلمين بدينهم، فلقد مرّ بالمسلمين فترات ساد فيها الجهل وتغلبت الخرافات وقل فيها الإقبال على العلم والتعلم حتى وصل الحال إلى إمكان عد الذي يقرأون ويكتبون في البلد الواحد، وأقفل باب الاجتهاد حين غلب الجهل وقل العلماء المجددون وجمدوا على التعصب للآراء وتشعبوا إلى مذاهب فكرية وطوائف متعارضة يحتدم بينها التنافس المنحرف لا لشيء إلا لأجل بسط النفوذ واكتساب الأتباع، ومثل هذا الانحراف الصوفية، والناس في نظر أقطاب الصوفية أصبحوا مذبذبين مقصرين في جنب الله،وحصل عند بعض المتصوفة المسلمين ما حصل للنصارى في نشوء طغيان رجال الكنيسة في تجريمهم للناس وتحطيم معنوياتهم والضغط عليهم للتمسك برجال الدين أصحاب الجاه، فبهم وحدهم أزمة الأمور وبرضاهم يرضى الله وبسخطهم يسخط. واخترع الصوفية في مقابل هذا الغلو النصراني مقالتهم المشهورة:” من لم يكن له شيخ، فشيخه الشيطان”، بل اخترعوا ما هو أشد من صكوك الغفران وهو ضمان القطب الصوفي الجنة لمن يريد. ثانيا: التحالف اليهودي الصليبي، وما نجم عنه من استعمار، واستشراق، وتنصير، وغير ذلك، ومن أمثلة ذلك الاحتلال الشيوعي الماركسي ففي الشرق الإسلامي قامت الشيوعية الماركسية باحتلال أراضي المسلمين هنالك وقتلت أهلها تقتيلاً، وقامت الصين بنفس العمل حينما احتلت أجزاء من الأراضي الإسلامية، وكان الجميع يتباهون بقتل وتشريد المسلمين ونشر الرعب والفساد، فتوالت على المسلمين النكبات من كل جانب، ولولا لطف الله تعالى وتكفله بحفظ دينه وكتابه لكان العالم الإسلامي في مهب الريح، فلقد فعل الشيوعيين بالمسلمين وبممتلكاتهم أفعالاً يندى لها الجبين، فكانوا يهدمون المساجد والبيوت…وأما بالنسبة للاحتلال اليهودي لأراضي المسلمين فلقد كان له تأثير واضح ونجح رويدًا رويدًا من وراء ستار كما هو شأن الذين يجيدون المؤامرات السرية ضد كل المخالفين لهم، وهم وإن لم يكن لهم مستعمرات كثيرة واضحة، فإن لهم مستعمرات هي أشد خطراً من الظاهرة، فلم يكن السبب في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية هو ما تقدم من الأسباب فقط، وإنما انضاف إليها هذا التيار الخطير الهدام المتمثل في دور اليهود الحاقدين. الذين قال الله تعالى في حقهم{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا}، وجاءت السنة لتأكد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما خلى يهودي بمسلم إلا وهم بقتله”، والذي يهمنا من هذا إنما هو الإشارة إلى تأثير اليهود في نشر العلمانية اللادينية في البلاد الإسلامية، وسيتضح للقارئ مدى هذا التأثير بمجرد قراءته لبروتوكولات حكماء صهيون، وما جاء في التلموذ، وفي تعاليمهم السرية التي يتواصون فيها بالقضاء على كل الأديان،وذلك سيتم بتشجيعهم لكل حركة معادية للدين ولكل فكرة تحارب الفضيلة، فنشروا الفساد الأخلاقي بكل أشكاله تحت مسمى الحرية. ثالثا: ومن تلك الأسباب أيضا البعثات التي يتم إرسالها للدراسة في الغرب لأبناء المسلمين، وذلك أن الطالب يذهب باعتباره تلميذاً مستفيداً لا مناظراً، فيشبع هناك بما قد أعد له وفق مخطط محكم، وحينما يتم دراسته ويرجع إلى بلده الإسلامي لا شك أنه يرجع بغير الفكر الذي ذهب به،إذ لا بد وأن يتأثروا ولو باتجاه واحد على الأقل أو شبهة لا يستطيع ردها عن نفسه مهما حاول التماسك والتوفيق بيد الله تعالى. بل إن بعضهم اعتقد أنه لا مخرج للمسلمين إلى السعادة وامتلاك القوة إلا بتقليد الغرب في كل صغيرة وكبيرة، كالطهطاوي وأحمد خان، وعلي عبد الرزاق، وطه حسين. رابعا: إثارة النعرات الجاهلية من قومية ووطنية بدعوى نبذ التخلف، وقد استجاب لهم الكثير، وصار حال المسلمين على حد ما قاله أحد الشعراء: يقضي على المرء في أيام محنته ***** حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن. وما إن سرت نخوة الجاهلية في عروق القوميين والتقدميين إلا وسرى معها التعالي والرجوع إلى الأمجاد المزعومة التي كانت العلمانية تصفق لها وتصف أهلها بشتى نعوت المدائح والعبقريات الفذة. خامسا: الهزيمة النفسية التي حلت بكثير من المسلمين. سادسا: اشتغال المسلمين بالدنيا وملذاتها، وتخليهم عن رسالتهم الخالدة وهي قوامة البشرية وقيادتها إلى بر الأمان. سابعا: غياب مفهوم الولاء والبراء عند كثير من المسلمين، وهدا ما أدى إلى التقليد الأعمي للغرب، فبدلاً من الإفادة مما عنده من تقدم، ورقي مادي تجد بعض المسلمين يقلدونهم في مستهجن عاداتهم، ومرذول طرائقهم في الحكم والسياسة، والأخلاق، وما جرى مجرى ذلك. ثامنا: الانبهار بما عند الغرب من تقدم صناعي، وتكنولوجي، مع الغفلة عما يعانيه من خواء روحي وتخلف خلقي. فهذه جملة من الأسباب بعضها داخل في بعض تضافرت وتكاتفت، وأدت إلى قيام العلمانية التي بسطت النفوذ ، ومدت رواقها في كثير من بلدان المسلمين. المطلب الثاني: الاتجاهات العلمانية في العالم العربي و الإسلامي. دخلت العلمانية إلى مصر مع حملة نابليون بونابرت ، و أوّل من استخدم مصطلح العلمانية نصراني يدعى إلياس بقطر في معجم عربي فرنسي من تأليفه سنة 1827م، و أدخل الخديوي إسماعيل القانون الفرنسي عام 1883م، و كان هذا الخديوي مفتونا بالغرب، و كان أمله أن يجعل من مصر قطعة من أوربا . أمّا الهند فإلى غاية عام 1791م، كانت الأحكام وفق الشريعة الإسلامية، ثمّ بدأ التدرج من هذا التاريخ لإلغاء الشريعة الإسلامية بتدبير من الإنكليز، وانتهت تمامًا في أواسط القرن 19 الميلادي. أمّا الجزائر فألغيت الشريعة الإسلامية عقب الاحتلال الفرنسي، و أمّا تركيا فقد لبست ثوب العلمانية عقب إلغاء الخلافة و استقرار الأمور تحت سيطرة مصطفى كمال أتاتورك المطلب الثالث: أشهر دعاة العلمانية في العالم الإسلامي و العربي . من أبرزهم ما يلي : أحمد لطفي السيد ، إسماعيل مظهر ، قاسم أمين ، طه حسين ، عبد العزيز فهمي ، ميشال عفلق ، أنطون سعادة ، سوكارنو، سوهارتو نهرو ، مصطفى كمال أتاتورك ، جمال عبد الناصر ، أنور السدات صاحب شعار ” لا دين في السياسة ، و لا سياسة في الدّين ” ، فؤاد زكريا ، فرج فوده وغيرهم كثير . المبحث الرابع: مظاهر العلمانية في مختلف المجلات وآثارها في بعض السلوكيات ووسائل تحقيقها. المطلب الأول: مظاهر العلمانية في مختلف المجلات. العلماني تقف موقف الرفض للدين، وتريد أن تسير كافة المجالات الحياتية على غير الدين، ومن تلك المجالات: أولاً: نظام الحكم. أما العلمانية في الحكم فمن الطبيعي أن لا يجد الحاكم العلماني أدنى ضرورة تدعوه إلى الاستعانة بحكم الدين في أية قضية، وذلك أولاً لجهله بالدين وعدم معرفته به، وثانيا للعداء الشديد المستحكم الحلقات بين الدين وبين آراء المفكرين العلمانيين الذين يتصورون أنه لا تتم تحقيق السعادة المطلوبة للشعوب إلا إذا تم إقصاء الدين تماما عنهم وحكموا أنفسهم بأنفسهم. ثانيا: الاقتصاد. فالعلمانية ترى أنه لا دخل للدين في الاقتصاد، ولذلك فهي تبيح الاحتكار، والمكوس، والربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وفي الواقع أنه حينما أقصى العلمانيون الدين عن أي مجال من مجلات الحياة الاقتصادية على أساس أنه لا يحقق الخير لأتباعه ولا يرفع الظلم عنهم، لم يأتوا هم أيضا ببديل يرفع ذلك الكابوس، بل تخبطوا في حلقات مفرغة وعاشوا أوضاعاً في غاية الفساد لم يكن الرابح فيها غير المرابين والمحتكرين وتجار الرقيق وأصحاب الأموال الذين لا يبالون بأحد ولا توجد فيهم أدنى عاطفة على الفقراء والضعفاء، ولم تنقذهم من تلك الحالة لا الرأسمالية ولا الشيوعية الماركسية التي كبلت الناس وجعلتهم عبيداً يكدحون للدولة مقابل أجر زهيد، ولا العلمانية التي لا يلوي فيها أحد على أحد. ثالثا: التعليم. فالعلمانية ترى أن التعليم ينبغي أن يخلو من العلوم الشرعية، بل إنها تمنعها منعا باتاً، كما تدعو إلى اختلاط الطلاب بالطالبات، وحتى يتبين الأمر بوضوح أكثر نجد أن المستشار على جريشه قد لخص لنا علمنة التعليم فيما يلي: أولاً: القضاء على التعليم الديني وذلك من زاويتين، إحداهما: التطويق من الخارج، عن طريق الازدراء بالتعليم الديني، ازدراء معلمه وطلابه، قفل الوظائف اللامعة في وجوه خرجيه، خفض رواتبهم. والثاني: التطويق من الداخل، ويكون بتقليص التعليم الديني، وازدياد التعليم العلماني. ثانياً: نشر التعليم العلماني، ويكون تدعو العلمانية إلى الأدب الماجن الرخيص، وترفع من قيمة الشذاذ من الشعراء وغيرهم، وتنادي بأنواع الأفكار الأدبية التي نشأت في الغرب كأدب اللامعقول، وأدب الحداثة. خامسا: الإعلام حيث ترى العلمانية أن الإعلام ينبغي أن يقوم على هدم كل فضيلة، وعلى نشر كل رذيلة، وألا يكون للدين نصيب منه. وبالجملة فإن من أصولها:” أن الحياة العامة في الدولة والمجتمع لا تحكم بأحكام الشريعة الإسلامية، وإنما تحكم بأي نظام آخر من الشرائع التي يضعها الإنسان لنفسه” وسيتضح هذا أكثر عند بيان آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين. المطلب الثاني: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين. لقد ظهرت العلمانية في البلاد الإسلامية بصورة مخيفة تدعو إلى القلق على مصير المسلمين في دينهم وفي دنياهم وفي تعاملهم وأخلاقهم، وسائر أمورهم الثقافية والتربوية، وسائر ما يتصل بسلوكهم الاجتماعي، واشتمل هذا السلوك المنحرف على جوانب مختلفة منها: أولا: العمل بأحكام الشرع. لقد قام سلوك المسلمين في أزهى عصورهم في مجال الحكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يخرج عنهما أحد، واستغنوا بهما فأغناهم الله عن كل ما عداهما، وعاشوا أحسن نظام وأعدل حكم عرفته البشرية، واغتبطوا بذلك، مما زاد في عداوة الأعداء لهم ومحاولاتهم المستمرة لسلبهم هذا الخير العظيم والنعمة التامة، وظل المسلمون على هذا الحال إلى أن غيروا ما بأنفسهم فلحقهم ما لحق غيرهم من الخذلان والتردي. ثانيا: ظهور الولاءات المختلفة. لقد مر على صدر العالم الإسلامي فترة عم فيها الجهل بحقيقة الدين بفعل تأثيرات داخلية وخارجية كثيرة هيئتهم لمختلف الولاءات و الانحيازات، ولم يعد ذلك النور الوضاء ينبعث من صدورهم، وانشغلوا بأوضاعهم التي ساقهم إليها أعدائهم بوعي أو دون وعي منهم، وركنوا إلى الخمول والكسل وترديد بعض الأوراد الجوفاء صباح مساء، وناموا على دعوى الزهد والعلم اللدني، وأقفلوا باب الاجتهاد وتعصبوا لما ألفوه عن الآباء والأجداد دون النظر في موافقته للشرع أو مخالفته له. ثالثا: ظهور أفكار العلمانية كحلول حتمية. وفي هذا الوضع المضطرب وجد العلمانيون فرصتهم التي طالما تمنوها لتسريب أفكارهم إلى المسلمين الذي أفاقوا هم أيضا على ذلك الركام من الجهل بالإسلام والخرافات الشائعة ليجدوا أنفسهم في أحضان قادة الفكر العلماني الغربي شاءوا أم أبوا لكي يوصوهم بزعمهم إلى التقدم والتطور الملموس في الغرب، مع أنهم في الحقيقة لم يمكنوهم من معرفة سر تلك الصناعات، وإنما علموهم الطرق العلمانية ، وكيف يوصلونها إلى قلوب الناس، فوجدت العلمانية مرتعا خصباً كما حصل في تركيا التي غرقت في أوحال العلمانية ولم تخرج عنها إلى يومنا الحاضر. وقد حصل في أنظمة كثير من البلدان الإسلامية تحولات نحو العلمانية الغربية، فتمكنوا من نشر سمومهم في كل المجالات الحياتية، وخصوصا التعليم والمحاكم الشرعية التي أقصي الحكم بالشرع فيها ليحل مكانها القوانين البشرية العلمانية الشرقية والغربية. رابعا: التأثر في الأسماء. لقد لكان لدعوى التطور والتطوير نصيب في إدخال العلمانية إلى العقلية المسلمة شملت الدعوة إلى تطوير كل شيئ، ولو استطاعوا لدعوا إلى تطوير الإنسان نفسه بنزع جلده والإتيان بغيره ليلحق ركب التطور، وعليه أن يسرع الخطى للخروج من مجتمعه المسلم الذي أصبح في نظره مجتمعاً متخلفاً رجعياَ انعزالياً متطرفاً …إلى آخر الأسماء التي لقنها زعماء العلمانية لأذنابهم المنتسبين إلى الإسلام. خامسا: الهجوم على اللغة العربية. وكان في الحقيقة هذا التطور الجديد شاملا لكل ما له صلة بالدين، حتى وإن كانت اللغة العربية فضلاً عن الحكم الشرعي، والتي واجهت هي الأخرى هجمات شرسة من دعاة العلمانية الذين تفننوا في الاستهزاء بها وأنها لغة قديمة وعقيمة لا تساير الحضارة الجديدة، وأنه من الواجب على العربي العاقل أن يترك الفصحى ويتجه إلى لغته العامية ولهجته المحلية ففيها ما يغنيه عن اللغة العربية المعقدة بزعمهم، وعليه كذلك أن ينسى أنها اللغة التي نزل بها القرءان الذي أجمع المستعمرون كلهم على أنه لا بقاء لهم في بلاد المسلمين مادام القرءان موجوداً في صدورهم وبأيديهم. ولكن لم يكن الهدف هو القضاء على اللغة العربية هو المقصود لذاته، بل كان من وراء ذلك النفوذ الذي يوصلهم إلى غرضهم الأسمى وهو أن يكون المسلم عالة في كل شيئ على الحضارة الغربية سواء كان ذلك في اللغة أو في غيرها، وأن يبتعد عن العربية ويهجرها فضلاً عن هجر الأحكام الشرعية. ولقد اهتم المنصرون بهذا الأمر فقاموا بفتح دور للتعليم على اختلاف المستويات وركزوا على أن تفي المناهج المقررة فيها بإخفات أصوات المدارس الإسلامية الأهلية، وأن تفي بإقامة صرح العلمانية اللادينية، وأن يكون التعليم فيها مشاعا لكل شخص بغض النظر عن دينه واتجاهاته، وأن يكون التعليم مختلطا ذكورا وإناثا، وذلك بعد نجاحهم في حرب العفة والحجاب، وأن يشمل على دراسة الفنون الجميلة، وهي التمثيل والموسيقى والتصوير وغيرها من العلوم التي تساعد على إفساد الأخلاق، إضافة إلى دراسة جميع النظريات الإلحادية التي نبتت في أوروبا في صراعها مع الدين. سادسا: التأثر في الأخلاق. لقد جاء الإسلام بتهذيب الأخلاق والدعوة إلى المكارم وإلى حسن الخلق وكل معالي الأمور، وحذر عن كل خلق رديء، وكان المسلمون في أزهى عصورهم يمثلون في العموم تلك الأخلاق الفاضلة، ثم خلفت خلوف حادوا عن ذلك المنهج الواضح والصراط المستقيم، وأخذوا ينحرفون رويداً رويداً وانزلقوا الهاوية باتباع الهوى والانحرافات العلمانية، ثم زاد الطين بلة إطلاعهم على الانحرافات الغربية التي يسميها أهلها حضارة وتقدما، فانغمسوا معهم، ونسوا ما عندهم من الفضائل التي دعا إليها الإسلام، فتركبت عقدة النقص في نفوسهم بقدر ما ارتفعت أنوف الملاحدة اللادينيون الذين صرخوا فيهم بأن تأخركم إنما يمكن في تمسككم بالإسلام وسلوكه الذي حجر عليكم الانطلاق إلى كل الاتجاهات، ومنها المتع والملذات بشتى أشكالها، حراما كانت أم حلالاً، باذلين الجهد الجهيد في الاستحواذ على عقل المرأة وإخراجها من عفتها وحشمتها مكرهين إليها بيت الزوجية وتربية الأولاد بحجة أنها لابد أن تتطور وتكون مثقفة …. وطالبوها بأن تنزع ثياب الحشمة الظاهرة بعد أن رفعتها عن قلبها فإذا بها ترى أن العري المتمثل في إظهار نصف الفخذين والكتفين ونزع غطاء الرأس ومشاركة الرجل جنبا إلى جنب في العمل وتقليده في حلق شعر الرأس ولبس الثياب الضيقة وفي المشية وغير ذلك إذا بها ترى أن كل هذا السلوك هو السلوك اللائق بها، بل وأصبح الكير رجالاً ونساءً لا يرون مقياس التقدم في البلد إلا بهذا السلوك المخزي للمرأة، ولم يبخلوا على المرأة التي تسلك مسالكهم بإطلاق المدح لها على جرأتها، وأنها يجب أن تظهر شخصيتها وترمي بكل الأخلاق الفاضلة وراء ظهرها، والمقصود من كل هذا هو أن تكون المرأة متعة رخيصة بين الرجل لمن عليهن مسحة من ملاحة فقط. أفلا تتعظ المسلمات بما وصلت إليه المرأة الغربية في ظل الحضارة الزائفة، أفلا تتعظ بذلك وتبقى ملكة في بيتها ومسؤولة عن رعيتها في هدوء واستقرار كما أراد لها الإسلام؟ وتحافظ على حشمتها وكرامتها من أن تداس وتهان في غفلة منها. سابعا: علمنة الإعلام. أما عن علمنة الإعلام فحدث ولا حرج، لقد أمسك دعاة العلمانية بزمام معظم وسائل الإعلام، وعاثوا فيها فساداً، مثل التلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات والسينما، وقد ظهرت أضرار تلك الوسائل في تحطيم الأخلاق والسلوك الطيب، واستمع إلى ما قاله أعضاء المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة المنعقد في المدينة سنة 1396ه، فقد قالوا في مناشدتهم المسلمين جميعا:” ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى إليها إعلامنا ولا يزال إلى اليوم يتردى، فبدلاً من أن يكون منبر دعوة إلى الحق ومنار إشعاع للخير، صار صوت إفساد وسط عذاب، وخفت صوت الدعوة وسط ضجيج الإعلام الفاسد، وسكت القادة فأقروا بسكوتهم أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحملوا وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم…ولم يعد الأمر يحتمل السكوت عليه من الدعاة إلى الحق”. المطلب الثالث: وسائل تحقيق العلمانية. لقد سلك العلمانيون في سبيل تحقيق أهدافهم ومآربهم مسالك عدةً ملائمة لكل زمان ومكان منها ما يلي: 1/ إغراء بعض ذوي النفوس الضعيفة، والإيمان المزعزع بمغريات الدنيا من المال والمناصب. 2/ السيطرة على وسائل الإعلام، ليبثوا سمومهم من خلالها. 3/ لبس الحق بالباطل وذلك من خلال طرق العديد من الموضوعات باسم الإسلام، كالاختلاط وغيره. 4/ القيام بتربية بعض الناس على أعينهم في محاضن العلمانية في البلاد الغربية، وإعطائهم ألقاباً علمية مثل: الدكتوراه، أو درجة الأستاذية، فيحصل على الشهادة بعد أن يفقد الشهادة، وبعد رجوعهم يصبحون أساتذة في الجامعات، ويتولون العديد من المنابر، ليمارسوا تحريف الدين، والتلبيس على الناس، وتوجيههم الوجهة التي يريدونها. 5/ إتباع سياسة النفس الطويل والتدرج في طرح الأفكار. 6/ تشويه التاريخ الإسلامي، وإبراز الجوانب السلبية، مع كتمان الجوانب المشرقة المضيئة بهدف قطع حاضر الأمة عن ماضيها، والهجوم على الأئمة الأعلام، بل الطعن في الصحابة والتابعين باسم الموضوعية. 7/ الطعن في اللغة العربية ووصفها بالجمود، حتى يكرهها المسلمون ويستصعبوها وبالتالي ينقطعون عن فهم تراثهم، وفهم نصوص الشرع، وكلام الأئمة، والسعي لتفسير القرءان تفسيرا عصرياً. 8/ الحديث بكثرة عن المسائل الخلافية واختلاف العلماء وتضخيم ذلك الأمر؛ حتى يخيل للناس أن الدين كله اختلافات، وأنه لا اتفاق بين العلماء في شيئ مما يوقع في النفس أن الدين لا سيئ فيه يقيني مجزوم به، وإلا لما وقع الخلاف، وهم بذلك يريدون صرف الناس عن الدين. 9/ الاتكاء على بعض القواعد الشرعية المنضبطة بقواعد وضوابط الشريعة بقوة، ووضعها في غير محلها كقاعدة:” تغير الفتوى باختلاف المكان والزمان” وغيرها. 10/ الهجوم المستمر على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وتصويرهم بأبشع الصور، ودعوى أن ذلك تدخل في شؤون الحياة الخاصة. الخلاصة مما سبق : إنّ من بين أهم ما يمكن أن نتوصل إليه: 1/ أن لفظ العلمانية في بداية الأمر كان يطلق ويراد به فصل الدين عن السياسة، أو الفصل الكامل بينه وبين الحياة الاجتماعية ، ثم تحول إلى معنى دهري وذلك خلال القرنيين التاسع والعاشر الملاديين. 2/ أن المعنى الصحيح للعلمانية هو التلفظ بها بفتح العين وسكون اللام، أي العَلْمَانيةٌ. 3/ أنّ أوروبا اعتبرت الدين العدو اللدود للحكم والاقتصاد وللعلم وللحياة الاجتماعية بأسرها، وللأخلاق وللآداب والفنون، بل في كل مجالات الحياة. 4/ أن أهم أسباب قيام العلمانية في أوروبا هو الصراع الدموي الذي كان قائما بين سلطة الكنيسة والعلم هذا من جهة، ومن جهة أخرى طغيان الكنسية على جميع المجالات سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو العقدية، أو الاقتصادية، إضافة إلى عامل الثورة الفرنسية التي كان لها الأثر المباشر في قيامها. 5/ أن لفظ العلمانية مرت في تطروها بثلاث مراحل هي : الأولى تتمثل في الصراع الدموي مع الكنيسة، وهو ما يسمى بعصر التنوير، والثانية وتتمثل في ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، والثالثة وتتمثل في اكتمل قوة العلمانية ورجالها، وحلول الإلحاد المادي محل الدين تماما. 6/ أن من أهم الآثار الناجمة عن انتشار هذا المذهب الجديد في مختلف بقاع العالم خاصة العالم الإسلامي مايلي: ظهور الولاءات المختلفة، ظهور الأفكار العلمانية كحلول حتمية، التأثر في الأسماء، والهجوم الواضح على المقومات الدينية خاصة اللغة العربية، التأثر في الجانب الأخلاقي، وحتى وسائل الإعلام لم تسلم هي الأخرى من هذا المرض الخبيث . 7/ لقد سلك العلمانيون في سبيل تحقيق أهدافهم ومآربهم مسالك عدةً ملائمة لكل زمان ومكان، وكان من أبرز تلك الوسائل الحديثة وسائل الإعلام والاتصال بمختلف أشكالها من سمعيات ومرئيات وبصريات. 8/ وعلى ذلك فالذي يؤمن بالعلمانية بديلا عن الدين ولا يقبل تحكيم الشريعة الإسلامية في كل جوانب الحياة ، ولا يحرّم ما حرّم الله يعد مرتدًا ولا ينتمي إلى الإسلام ، والواجب إقامة الحجة عليه واستتابته حتى يدخل في حظيرة الإسلام، وإلاّ جرت عليه أحكام المرتدّين المارقين في الحياة وبعد الممات. وفي الأخير أسأل من الله تعالى أن يجعل بحثي هذا خالصا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلي يوم الدين


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة