جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
يركسيت ومسألة الهند وفلسطين

ليس جديدا على البريطانيين دخول بعض البلاد ثم تركها، بعد عقود أو قرون، أسوأ مما كانت: أي بلادا نهبا للانقسامات أو النزاعات الإثنية والدينية والسياسية. فعلوا ذلك في ايرلندا والهند، وفعلوا أسوأ منه وأفدح في فلسطين. فالمغادرة بسلام، دون تخليف فتنة أو محنة، أمر بعيد عن استطاعة البريطانيين. ذلك أنهم لا يعبأون بعواقب خروجهم المتعجل، مع أن كل حالات الطلاق في تاريخهم حالات فظة قاسية. تلك هي «اللعنة البريطانية» التي يقول الكاتب الفرنسي لوك دي باروشيز إنه قد تضافرت في تكوينها عادات قومية مثل الأخذ الامبريالي بمبدأ «فرّق تسد»، وعدم تورع النخب عن أي حيلة أو وسيلة، فضلا عن عقدة الاستعلاء النابعة من طول التخندق الجغرافي في الجزر التي يحلو لها أن تنأى بذاتها وثقافتها عن البر الأوروبي. انطلاقا من هذه الخلفية التاريخية، التي يعرفها ضحايا الاحتلال البريطاني وأبناؤهم في العالم الثالث والبلاد العربية ولكن يجهلها عموم الأوروبيين، يوجه لوك دي باروشيز تحذيرا للاتحاد الأوروبي من عواقب البركسيت، الذي من المقرر أن يسري مفعوله آخر هذا الشهر. إذ يرى الكاتب الفرنسي أن على الأوروبيين الاعتبار بالتاريخ وأن بداية الاعتبار لا بد أن تتمثل في هذا السؤال: إذا كانت جميع حالات الطلاق السياسي البريطانية في التاريخ القريب لم تنتج إلا الكوارث، أفيعقل أن تسفر الحالة الجديدة عن طلاق سعيد، أو غير مضر بالطرف المقابل؟ ومعروف أن هذه الكوارث تتراوح من نشأة الكيان الإسرائيلي الذي مهّد له الانتداب البريطاني تمهيدا، إلى تقسيم ايرلندا على أساس طائفي، فنكبة الهند ليس بالتقسيم السياسي فقط بل وبالإفقار الاقتصادي أيضا والتأخير الحضاري (مثلما يبين الدبلوماسي الهندي شاشي ثارور في كتابه الذي نشر في أوروبا وأمريكا بعنوان «الامبراطورية الشائنة: ماذا فعلت بريطانيا بالهند»، ونشر في الهند بعنوان «عصر الظلام: الامبراطورية البريطانية في الهند»)، فإثارة النعرات القبلية والحساسيات العرقية في افريقيا. إلا أن الجامع بين هذه الحالات هو أن بريطانيا قد كانت في جميعها هي قوة الاحتلال وصاحبة القرار. أما في حالة الاتحاد الأوروبي، فإن لديها مجرد عضوية تتساوى فيها نظريا مع بقية الأعضاء. صحيح أنها عضوية إشكالية متمزقة بين الرغبة والتمنّع، إلا أن أقصى ما في يد البريطانيين هو تقرير المصير القومي الفردي (أي الخروج)، أما المصير الأوروبي الجماعي فهو في أيدي الدول الأخرى. ولهذا فقد يبدو أن هنالك درجة من التعسف في محاولة جمع كل هذه الحالات التاريخية في إطار مقاربة واحدة. ومع ذلك فإن ما يسوغ هذه المقاربة هو أن الأمر الذي تعتدّ به أساسا للمقارنة إنما هو انخراط الدولة البريطانية مع دولة، أو مجموعة دول، أخرى في علاقة وثيقة من التداخل السياسي والاقتصادي الذي يدوم عقودا. وبما أن هذا هو مناط المقارنة، فلا بد من الاستنتاج بأن هذه العلاقة عادة ما تنتهي بطلاق عسير مرير يترك الطرف المقابل في وضع أسوأ من السابق. ولكن هل هنالك في التاريخ فعلا موازيات للبركسيت أو حالات تساعد في فهمه؟ عندما طرحت مجلة التاريخ البريطانية هذا السؤال على جمع من المؤرخين، بدا من ردودهم أن هنالك توافقا على أن الفترة التاريخية التي يستدعيها البركيست هي فترة الحرب الأهلية الانكليزية التي كان إعدام الملك تشارلز الأول، قبل حوالي ثلاثة قرون، من أبرز وقائعها. على أن جوناثان فيتزغيبونز يدقق بأن الفترة الأقرب للمقارنة مع البركسيت ليست وقائع أربعينيات القرن الـ17، وإنما هي ذكرى تلك الوقائع، أي أثرها المختزن المتوارث في الوجدان العام. وهي وقائع أليمة لم تتضح جميع ملابساتها، كما أن العداوات الناجمة عنها قد ظلت تعتمل على مدى أجيال. وهذا ما يؤكد مجددا وجوب عدم الخلط بين التاريخ وبين الذاكرة، علما أن هذا الخلط شائع عند جميع الأمم. الطريف أنه لم يخطر ببال أي من هؤلاء المؤرخين البريطانيين (وربما كانوا سيدهشون لو علموا) أن ما يستدعيه البركسيت عند قارئي التاريخ الآخرين ليس حرب البسوس الانكليزية هذه، وإنما الكوارث التي خلفتها بريطانيا في إيرلندا والهند وفلسطين . القدس العربي


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة