جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
احتجاجات هونغ كونغ والتقارب بين الصين وأميركا

من الواضح أن ستة أشهر من الاضطرابات المدنية في هونغ كونغ قد أوجدت أزمة للحكومة الصينية، غير أن الأمر الأقل وضوحاً هو أنها قد أوجدت لغزاً حقيقياً للحكومة الأميركية. قبل أسبوعين، وفي انتصار ساحق للمعارضة، ذهب ما يقرب من 90 في المائة من مقاعد المجالس المحلية إلى مرشحي المعارضة. ورغم أن القوة الحقيقية لهذا الكيان تعتبر ضئيلة، فإن قيمته الرمزية كبيرة بالفعل. فقد خرج قبل عدة أيام نحو 800 ألف من السكان في مسيرات احتجاجية، اختلفت كثيراً عن سلسلة المظاهرات التدريجية الأقل عدداً، التي بدأت في يونيو (حزيران)، في تطور مذهل؛ نظراً لأن عدد سكان هونغ كونغ لا يتجاوز 7 ملايين نسمة. فها قد تجمع المحتجون حول «مطالبهم الخمسة»، ويبدو أنهم لن يتراجعوا عنها. تحافظ بكين على مسافة ضئيلة نسبياً من الاحتجاجات، على أمل أن يفقد المتظاهرون زخمهم تدريجياً، ويعود سكان هونغ كونغ إلى سابق عهدهم الهادئ. كذلك لا يرغب الزعماء الصينيون في جلب عقوبات غربية كبيرة على بلادهم، أو تنفير الأحزاب الموالية للصين في تايوان - وهي الجائزة الأكبر وإن كانت غير مؤكدة - قبل الانتخابات الرئاسية المقررة الشهر المقبل. فخلال الأشهر القادمة، من المحتمل أن تقرر الصين إطلاق العنان لحاكمة هونغ كونغ المحاصرة، كاري لام، لمواصلة حملة اعتقال قادة الطلاب المحتجين؛ والتلويح بشن معركة حربية مع الجيش والشرطة خارج حدود هونغ كونغ، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر الأخبار المزيفة للتأثير على سكان هونغ كونغ الذين لم يحسموا أمرهم؛ وممارسة لعبة إجهاد الخصم، بتركه يستنزف قواه، وتقديم بعض التنازلات الصغيرة للغاية للمحتجين (مثل التحقيق في أساليب وأفعال الشرطة). هناك أيضاً الوضع في واشنطن. فمن ناحية، يريد الرئيس دونالد ترمب استكمال اتفاق التجارة والتعريفات مع الصين قبيل الانتخابات، ليعلن ذلك كانتصار بارز لمهاراته التفاوضية؛ لكن المشاعر القوية في الكونغرس بغرفتيه تميل ناحية المتظاهرين، كما اتضح من مشروع قانون دعم هونغ كونغ الذي جرى إقراره مؤخراً، والذي أظهر رغبة الرئيس واستعداده للتوقيع عليه. ويهدد هذا الإجراء بفرض عقوبات على الأفراد، ويمكن أن يضعف من الوضع التجاري الخاص الذي تتمتع به هونغ كونغ، باعتبارها مستعمرة تابعة للتاج البريطاني سابقاً، وهي بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهباً للصينيين كل يوم. وعلى الرغم من أن الموقف قد يدوم شهوراً طويلة، فإنه سيكون هناك حساب في النهاية، وسيتعين على الولايات المتحدة أن تختار: دعم حركة الاحتجاج، أم الاستسلام للصينيين؟ تحتاج واشنطن إلى أن تسمو فوق نهجها التكتيكي الحالي تجاه الصين، وأن تصوغ استراتيجية شاملة. فلديها سلة من الخلافات الجوهرية مع بكين، والتي تتشابك إلى حد ما بعضها مع بعض. على سبيل المثال، هناك خلل الميزان التجاري والنزاعات التجارية حول ممارسات العمل والنشاط العمالي، وهي أمور يعد الحل فيها بعيداً الآن. وهناك الخلافات الأخرى حول ملكية بحر الصين الجنوبي، وسرقة الملكية الفكرية، والتدخلات الإلكترونية، وحقوق الإنسان، وما إلى ذلك، وجميعها لا يقل أهمية عن قضايا التجارة والتعريفات الجمركية. وبالنظر إلى تلك العلاقة المعقدة، يجب أن تحتوي الاستراتيجية الشاملة على مكونات اقتصادية وعسكرية وسياسية ودبلوماسية وتكنولوجية. قد يكون الوقت قد حان لتأسيس لجنة وطنية على مستوى عالٍ، مع وجود خبراء وممارسين حقيقيين، ذوي خبرة في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. سأبدأ مع وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر كرئيس. والآخرون الذين يتبادرون إلى الذهن الآن هم الأدميرال المتقاعد جو بروهير، القائد السابق لقيادة المحيط الهادي للولايات المتحدة، والذي عمل سفيراً لدى الصين في الفترة من 1999 - 2001. وهناك الروائية والباحثة الصينية بيت باو لورد، وغراهام أليسون من جامعة «هارفارد»، وهو مؤلف كتاب «متجه إلى الحرب: هل تستطيع أميركا والصين الهروب من مصيدة ثوسيديدس؟». هناك أيضاً رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفن رود، وهو يتحدث لغة الماندرين بطلاقة، وقادر على طرح وجهة نظر غير أميركية. وكذلك كيلي سيمز غالاغر، مديرة برنامج الطاقة والسياسة البيئية في كلية «فليتشر» للقانون والدبلوماسية، وجانيت يلين، الرئيسة السابقة لمصرف الاحتياطي الفيدرالي. وشأن اللجان المماثلة، يمكن أن يدافع عنها الكونغرس أو السلطة التنفيذية، وتحصل على ميزانية متواضعة وتفويض لمدة سنة واحدة. كنقطة انطلاق، على المجموعة النظر في كيفية تشكيل تحالف دولي فعال للتجارة الحرة وحرية التحرك في أعالي البحار، التي يمكن أن تنافس استراتيجية الصين التجارية التي تحمل شعار «حزام واحد. طريق واحد». يجب أن تشمل الأولويات الأخرى عمليات الاستحواذ الدفاعية التي تخلق ردعاً حقيقياً في أذهان الاستراتيجيين الصينيين (بما في ذلك أنظمة الفضاء، والأنظمة البحرية)، ومقاربة سياسية ترتكز على إيجاد مجالات للتعاون مع الصين، مثل البيئة، والقطب الشمالي، والمساعدة الإنسانية، والدبلوماسية الطبية، واستخدام خواص الاتصالات بين الأفراد، والدبلوماسية «المسار الثاني»؛ خصوصاً داخل المجتمع الصيني الأميركي المتنامي، والقيام بمبادرة للدفاع عن حقوق الإنسان، تضم كلاً من هونغ كونغ وتايوان، ووضع خطة للتعامل مع المخاطر الكامنة في هواتف الجيل الخامس (5G) والقدرة الصينية المتزايدة في مجال الذكاء الصناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية. يري كيسنجر مؤخراً أننا في «سفوح الحرب الباردة» مع الصين بالفعل. إن المظاهرات في هونغ كونغ تذكرنا بأنه لا يمكننا ببساطة الرد على القضايا الفردية، إذا كنا سنصلح هذه العلاقة الحيوية بشكل صحيح. لن يكون هناك فائزون في صراع صريح بين الولايات المتحدة والصين، والطريق لتجنب ذلك هو التفكير بشكل استراتيجي وشامل من الآن. جيمس ستافريديس. * «بلومبرغ


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة