جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ثلاثاء ترامب الأسود

لا شك أن يوم الثلاثاء، وكان للمفارقة يوم عيد المسلمين، هو يوم أسود في رئاسة دونالد ترامب، حيث تمت إدانة محاميه الشخصي مايكل كوهين بتهمة دفع أموال لإسكات امرأتين مارس معهما ترامب الجنس حتى لا تتأثر حملته الانتخابية للرئاسة التي خاضها عام 2016. وأدين بول مانفورت مدير حملته الانتخابية بتهم تتعلق بالغش المصرفي والضريبي. والغريب كما ناقش محلل في مجلة «بولتيكو» ان ترامب أخذ وقتا طويلا، وعلى غير عادته للرد على إدانة مقرب منه وثق به ولعقود. وخرج يوم الخميس في لقاء مع قناة «فوكس نيوز أند فريندز» بالتهديد أنه لو حوكم فستظهر الفوضى في البلاد بعد كل الإنجازات التي حققها. واعترف بعد إنكار طويل أنه دفع المال للمرأتين ولكنه فرق بين ماله الشخصي ومال الحملة الانتخابية. ويجد الرئيس الذي ظلت رئاسته مرتبطة بالفضائح والشائعات والكتب التي لا تنتهي عن كذبه وسياساته المتخبطة التي تهدف دائما لإرضاء أصدقائه في إسرائيل واللوبي المالي والأهم من ذلك القاعدة الانجيلية، نفسه أمام عاصفة لا يعرف كيف يسيطر عليها. فالفضيحة الأخيرة ليست ككل الفضائح التي لاحقت الرؤساء من قبله وانتهت في اليوم التالي. وغاب في كل هذا النقاش جوهر القضية الحقيقية وهو التحقيق الذي يجريه روبرت موللر في الشأن الروسي وجرى الحديث عن السكاكين التي شحذها مقربو ترامب له وكيف أنه صمت طويلا على إدانة كوهين لأن الأخير ضربه ضربة موجعة فتحت الحديث عن معنى الولاء كما يفهمه الرئيس الذي يرى أن الصداقة هي فعل ما يريد وقت ما يريده من مقربيه مثل كوهين، الذي قال المحللون أنه يعرف الكثير من أسرار الرئيس وأين دفنت، بعد سنوات طويلة من الخدمة لعب فيها دور الكلب الوفي لصاحبه ولكنه انتفض وعضه بقوة عندما شعر ان مستقبله في خطر وأنه سيقبع سنوات طويلة في السجن. والمهم أن هزة الثلاثاء جعلت النواب الجمهوريين الذين صمتوا، ومضوا مع ترامب في لعبته، يتحدثون عن الكلمة السحرية وهي محاكمة الرئيس في محاولة للتخلص منه، ولا يعرف إلى أين تمضي الجهود، فقد حوكم من قبله بيل كلينتون في فضيحة وايت ووتر ونجا، ولكن نيكسون في فضيحة غيت لم ينج وعزل. ورغم محاولة ردويو جولياني، محامي الرئيس التقليل من شأن ما حدث عندما قال «الحقيقة ليست هي الحقيقة» في توقيع على التشكيك بالإعلام، فقد منح «سوبر تويزدي» الإعلام الفرصة لتقديم ما جرى بعيدا عن البيت الأبيض في قاعة المحاكمة وكأن ما حدث هو عرض برنامج تلفزيون الواقع الذي عمل فيه ترامب قبل أن يصبح رئيسا. وكما كتب دان بالز في «واشنطن بوست»، «لم يمر يوم خلال 19 شهرا من رئاسة ترامب أخطر وأكثر تعبا مثل الثلاثاء» و «كل ما حصل في المحكمتين على بعد أميال طويلة يقوي من يد المحقق الخاص روبرت موللر ويضعف يد رئيس الولايات المتحدة». وقد تصبح شهادة كوهين الدليل الواضح وضوح الشمس لو فاز الديمقراطيون في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) النصفية وسيطروا على الكونغرس وبالتالي بدأوا إجراءات محاكمة الرئيس بتهمة الكذب تحت القسم. ويظل يوم الثلاثاء قرين ووتر غيت حسب بوب شرم، استاذ العلوم السياسية بجامعة شاوث كارولينا. وذهب البروفيسور بعيدا عندما قرن الثلاثاء الأسود بهجمات 9/11 الإرهابية على نيويورك وواشنطن. مضيفا «ولكننا الآن نخرج من قصة مدهشة إلى أخرى وبدلا من ألفا إلى اوميغا فهي كوهين إلى اوماروزا، نجمة تلفزيون الواقع التي أصبحت مساعدة في البيت الأبيض ثم كتبت مذكرات عن فترتها مع ترامب». ورغم محاولة ترامب الحديث عن عملية تصيد ونفيه إعطاء محاميه كوهين الأوامر إلا أن «واشنطن بوست» حاولت التحقق من كلامه لفوكس نيوز اند فريندز ووجدت أن الرئيس لا يقوم بالتضليل أو يقدم معلومات غير صحيحة بل يكذب ومعه الأشخاص الذين يتحدثون باسمه. وبدا ترامب غير قادر على مواجهة العاصفة و«خانعا» على حد وصف «نيويورك تايمز» وهو أمر غير معهود عنه. وبدلا من أن يلتفت إلى نفسه تبنى نظرية مؤامرة عن اضطهاد البيض في جنوب افريقيا وأنهم يعانون من السيطرة على أراضيهم تماما كما حصل في زيمبابوي. وردت حكومة جنوب افريقيا من خلال سفيرها في واشنطن سريعا واصفة الاتهامات بالمدهشة والمثيرة للقلق. لم يكن يوم الثلاثاء مثل غيره من الأزمات التي افتعلها ترامب من تشارلوتسفيل إلى رده على الإعصار المدمر في بورتوريكو وأدائه الضعيف في هلسنكي إلى جانب رئيس روسيا فلاديمير بوتين. كل هذا يجري على خلفية التطورات السياسية التي لخصها ريتشارد هاس من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بأن كوريا الشمالية لم تتخلص من سلاحها النووي وفنزويلا تقف على حافة الهاوية والأزمة مع إيران تتفاعل والتغيرات المناخية خطيرة والعلاقات الأمريكية مع الصين وروسيا الأسوأ في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وما يقدمه «الثلاثاء الكبير» حسب صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها ان الرئيس ومن معه والذين حاولوا قتل وتدمير تحقيق موللر باعتباره «مزيفا» و «مهزلة» و «عملية تصيد» أسقط في أيديهم. وتحت عنوان «كل لصوص الرئيس» تحدثت عن تاريخ كوهين وعلاقته بروسيا خاصة المحاولة الفاشلة لبناء «برج ترامب» في موسكو وكذا علاقة مانفورت بالمال الذي قدم تاريخه الارتزاقي من انتفاعه من ديكتاتور الكونغو موبوتو سي سيسكو إلى التعامل مع انغولا وحاكم أوكرانيا السابق فيكتور يانوكوفيتش. واعتمد ترامب على مانفورت وأمثاله في الوقت الذي جاء بوعد لتطهير «مستنقع» واشنطن. ورغم ذلك وصف الرئيس مانفورت بـ «الرجل الشجاع» حتى بعد إدانته أما كوهين فطلب من أتباعه عدم استخدامه كمحامي. كل هذا يعطي صورة عن رئيس كما تقول الصحيفة يحتقر الصدق والأخلاق لأنه أحاط نفسه بشخصيات ضعيفة إن لم تكن ذات طبيعة مجرمة. فبالإضافة لمانفورت وكوهين أدانت المحكمة كلا من مايكل فلين، مستشاره للأمن القومي الذي لم يعمر في منصبه وجورج بابادولوس، مستشاره للشؤون الخارجية أثناء الحملة الانتخابية حيث كذبا حول اتصالاتهما مع مسؤولين روس. وكما ناقشت «نيويورك تايمز» فالإدانات الأخيرة وإن لم تكن متعلقة بالتحقيق الروسي إلا أنها لم تكن لتحصل لولا تحقيق موللر الذي أدان عددا من المسؤولين والعسكريين الروس بمحاولة تشويه حملة هيلاري كلينتون. وفعل كل هذا على مدار 15 شهرا مشيرة إلى أن تحقيق ووترغيت أخذ أكثر من عامين قبل عزل الرئيس ورمي المتورطين في السجن وكذا وايت ووتر التي أدت لمحاكمة كلينتون. وتعلق مجلة «إيكونوميست» أيضا أن الإدانات الأخيرة تعني أن موللر يقف على أرض ثابتة. وسيكون من الصعب على الرئيس التعامل مع تحقيقه بطريقة غير جدية بدون أن يتهم بمحاولة عرقلة القضاء. وكما في كل الحالات فإن الإدانة تقود لإدانات جديدة حيث يحاول المتهمون إنقاذ أنفسهم. ويظل السؤال عن المدى الذي سيذهب فيه كل من مانفورت وكوهين في التعاون من أجل الحصول على أحكام مخففة. وما يهم «إيكونوميست» هو السؤال هل ترامب فوق القانون؟ وهو سؤال يجب على الأمريكيين مواجهته مع المعلومات عن كذب رئيسهم ومحاولته تعويق مسار العدالة. وفي قراءتها لما ستؤول إليه الأمور ترى أنه لا القانون أو تفسيرات الدستور كفيلة بإزاحة الرئيس من منصبه وحتى الكونغرس الذي وقف فيه الجمهوريون إلى جانب الرئيس. ويظل الخروج من هذه القضية سياسيا في طبيعته وليس قانونيا ومهما يكن من أمر فالأحداث الأخيرة هي فصل حزين لأمريكا ومخجل للجمهوريين الذين لا يزالون متمسكين بالرئيس والتقليل من مخالفاته لا التزامه بالقيم التي تقول ان لا أحد حتى الرئيس هو فوق القانون. والمشكلة ليست في الجمهوريين ولكن في الأمريكيين الذين انتخبوا ترامب. ففي مقال لروجر كوهين بصحيفة «نيويورك تايمز» قال فيه إن الأمريكيين البيض، الذين شعروا انهم همشوا قاموا بعقد صفقة مع الشيطان وانتخبوا ترامب الذي يعرفون أنه كذاب وزير نساء ونرجسي. القدس العربي


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة