جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ذوبان الجليد بين الكوريتين

في مناسبة شهيرة؛ قال مؤسس الألعاب الأوليمبية الحديثة بيير دي كوبرتين إن "الأمر الأكثر أهمية ليس الفوز، بل المشاركة". والآن، وقد وافقت كوريا الشمالية على المشاركة في الألعاب الأوليمبية الشتوية المقبلة -التي تستضيفها بيونغ تشانغ في كوريا الجنوبية- فإن هذه العبارة اكتسبت معنى جديدا. على مدار تاريخ الألعاب الأوليمبية الحديثة كان فصل السياسة عن الرياضة أمرا مستحيلا. ولعل هذا الفصل لا يكون مرغوبا؛ ففي نهاية المطاف، يتلخص أحد أهداف الألعاب الأساسية في وضع الرياضة في خدمة السلام والكرامة الإنسانية. في مجمل الأمر، لعبت الرياضة -على مدى فترة طويلة- دورا بنّاءً في عالَم السياسة على الساحة العالمية. ففي بطولة العالم لتنس الطاولة -التي استضافتها اليابان عام 1971- ركب لاعب أميركي حافلة الفريق الصيني متطفلا، مفتتحا بذلك ما أصبح يعرف باسم "دبلوماسية البينغ بونغ". وبعد فترة وجيزة، وفي ذروة الثورة الثقافية؛ دعا ماو تسي تونغ فريق تنس الطاولة الأميركي لزيارة الصين، الأمر الذي مهد الطريق للزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسونإلى الصين عام 1972. "في مجمل الأمر، لعبت الرياضة -على مدى فترة طويلة- دورا بنّاءً في عالَم السياسة على الساحة العالمية. ففي بطولة العالم لتنس الطاولة -التي استضافتها اليابان عام 1971- ركب لاعب أميركي حافلة الفريق الصيني متطفلا، مفتتحا بذلك ما أصبح يعرف باسم "دبلوماسية البينغ بونغ"" وفي بطولة العالم لتنس الطاولة لعام 1991، والتي استضافتها اليابان مرة أخرى؛ شكلت كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية فريقا مشتركا، وتغلّب الفريق على الصعاب ففاز بالميدالية الذهبية في مسابقة النساء. لقد ساعدت الصداقة الحميمة التي نشأت بين اللاعبين في هزيمة الفريق الصيني في المباراة النهائية. وللحظة وجيزة، نسي الكوريون المبتهجون انقساماتهم. الواقع أن كوريا الجنوبية، ربما تدين بديمقراطيتها الحديثة -ولو جزئيا على الأقل- للألعاب الأوليمبية. ففي عام 1987، ومع اقتراب دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية في سول عام 1988، نجح الكوريون الجنوبيون في دفع نظام رئيسهم تشون دو هوان العسكري إلى عقد انتخابات ديمقراطية. وكان ذلك منعطفا مذهلا للأحداث، لأن تشون دو هوان كان يرى في رسو العطاء الأوليمبي على كوريا الجنوبية فرصة لتحسين صورة نظامه الدكتاتوري في الداخل والخارج. ولولا اقتراب موعد انعقاد دورة الألعاب الأوليمبية، والضغوط الدولية التي جلبتها؛ فلربما لم يكن ليحدث التحول الديمقراطي في كوريا الجنوبية، وعلى الأقل ما كان ليكون سلميا أو بالسرعة التي حدث بها. لكن ألعاب سول الأوليمبية لم تخلُ أيضا من جانب مظلم؛ فقد قررت كوريا الشمالية -بعد فشلها في التوصل إلى اتفاق مع الجنوب بشأن كيفية المشاركة في الحدث- مقاطعة الألعاب بالكامل. وفي 1987، وهو نفس العام الذي شهد انهيار دكتاتورية تشون؛ أُسقِطَت طائرة ركاب تابعة لكوريا الجنوبية، والأرجح أنها أسقطها النظام الكوري الشمالي، في محاولة لعرقلة الانتخابات التي اقترب موعدها، ولتثبيط دول أخرى عن المشاركة في الألعاب. وفي نهاية المطاف، تسببت دورة ألعاب 1988 في تعميق الانقسام بين الكوريتين، وما كانت لحظة الانتصار القصيرة في عام 1991 كافية لعكس ذلك الاتجاه. وانطلق الجنوب نحو الانفتاح على العالَم، في حين زاد الشمال من صلابة عزلته -التي ازدادت حِدة بعد انحلال الاتحاد السوفياتي- وسَلَك مسار الانتشار النووي. بطبيعة الحال، لم يكن القرار الذي اتخذته كوريا الشمالية بتنظيم المقاطعة في عام 1988 غير مسبوق. فتاريخياً، قاطعت دول عديدة الألعاب الأوليمبية، أو حتى استخدمتها منصة للترويج لقيم تتعارض مع الروح الأوليمبية. وكانت هذه هي الحال تأكيدا عندما استضاف نظام أدولف هتلر دورة الألعاب الصيفية لعام 1936 في برلين. في عام 1945، نظر جورج أورويل إلى ألعاب 1936 ولاحظ أن "الرياضة الجادة... حرب بلا رصاص". وقال إن الألعاب "ترتبط بصعود القومية، أي أنها ترتبط بعادة حديثة مجنونة تتمثل في تمييز المرء لنفسه بوحدات ضخمة من القوة والسلطة، ورؤية كل شيء من منظور الهيبة التنافسية". ولم يكن أورويل بعيدا عن الصواب؛ ففي دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية لعام 2008 في بكين -على سبيل المثال- كانت العلاقة بين الرياضة والقومية بارزة بوضوح. فكانت الألعاب ناجحة تنظيميا، ومكتملة بأساليب بنائية هندسية جديدة ومتألقة. وكان فوز الصين في النهاية بعدد من الميداليات الذهبية -أكبر من أي دولة أخرى- سببا في تعزيز الفخر الوطني بلا أدنى شك. وعملت الاحتجاجات ضد معاملة الصين للتبت -أثناء تنقل الشعلة الأوليمبية حول العالم- على تغذية القومية الصينية. واليوم، لا يزال الفخر الوطني يشكل محور تركيز أساسي للزعيم السياسي الذي أشرف على تنظيم ألعاب بكين، وهو الذي كان آنذاك نائبا للرئيس وأصبح الآن رئيسا للصين، ألا وهو شي جين بينغ. "ساعد الموقف الرصين التصالحي -الذي اتخذه الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه إن، وقابله كيم بالمثل في خطاب العام الجديد- في تذويب الجليد بعض الشيء. وينبغي لنا أن نرحب بالجهود التي يبذلها الجنوب لتخفيف حدة التوترات بتأجيله المناورات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، بقدر ما رحبنا بقرار الشمال بالمشاركة في الألعاب الأوليمبية" على نحو مماثل، ساعدت الألعاب الأوليمبية الشتوية بمدينة سوتشي الروسية (فبراير/شباط 2014) في بث روح الحياة في نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المريض آنذاك. وقبل ثلاثة أيام من موعد الحفل الختامي؛ أطلق بوتين تدخله العسكري في شرق أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم. والآن تعود الألعاب الأوليمبية إلى شبه الجزيرة الكورية المضطربة، حيث لا تزال الكوريتان في حالة حرب رسمية، بعد مرور 65 عاما على الموافقة على الهدنة. وقبل القرار الذي اتخذته كوريا الشمالية مؤخرا بالمشاركة في دورة ألعاب بيونغ تشانغ، أعرب كثيرون -على نحو مفهوم- عن خوفهم من تكرار ما حدث عام 1988، أو استغلال زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون لهذه المناسبة من أجل تنظيم أحد استعراضاته للقوة العسكرية. وهذا هو ما حدث في بطولة كأس العالم لعام 2002، التي استضافتها كوريا الجنوبية بالمشاركة مع اليابان. فمع اقتراب البطولة من نهايتها، والتي تميزت بأداء غير عادي من قِبَل الفريق الوطني الكوري الجنوبي؛ بدأت كوريا الشمالية معركة بحرية مع الجنوب. لحسن الطالع، ساعد الموقف الرصين التصالحي -الذي اتخذه الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه إن، وقابله كيم بالمثل في خطاب العام الجديد- في تذويب الجليد بعض الشيء. وينبغي لنا أن نرحب بالجهود التي يبذلها الجنوب لتخفيف حدة التوترات بتأجيله المناورات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، بقدر ما رحبنا بقرار الشمال بالمشاركة في الألعاب الأوليمبية. وبالفعل منذ صدور ذلك القرار، شهدنا دفقا مستمرا من الأخبار الطيبة: فسيسير المشاركون من الدولتين معا في حلف الافتتاح، بل وسيشكلان فريقا مشتركا في رياضة الهوكي للنساء. يتعين على المرء -بكل تأكيد- أن يتساءل عن دوافع نظام كيم. ففي الماضي، لم تؤدّ الإيماءات الودودة من قِبَل الشمال إلى تنازلات حقيقية أو أي تقدم نحو إحلال السلام. ولأن الكوريتين سارتا معا في ثلاث دورات أوليمبية منذ عام 2000، فإن توخي الحذر سلوك مستحسَن. ولكن ينبغي لنا أن نقاوم الرغبة في الاستسلام للنزعة القَدَرية، وأن نظل -بدلا من ذلك- داعمين لمبادرات الانفتاح من قِبَل كوريا الشمالية. الواقع أن التهديد النووي الكوري الشمالي من غير الممكن أن يُدار دون مفاوضات. ولتحقيق هذه الغاية، فلربما تمثل دورة ألعاب بيونغ تشانغ -التي تأتي بعد ثلاثين عاما من دورة سول- الفرصة الأفضل طوال سنوات لبدء العملية. ولنأمل أن تُؤتي رحلة رياضيي كوريا الشمالية من بيونغ يانغ إلى بيونغ تشانغ ثمارَها الدبلوماسية، وأن نتذكر "ألعاب السلام" -كما أسماها مون- بمشاركة كوريا الشمالية فيها، وليس بعدد الميداليات النهائي. الجزيرة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة