جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ازمة قطر والتخبط الامريكي

يبدو الموقف الأميركي من أزمة حصار الدول الخليجية الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين) ومصر لقطر مرتبكا وسلبيا، في الوقت الذي هيمنت فيه تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي اتهم فيها صراحة قطر بدعم الإرهاب، ومعارضة وزير خارجيته ريكس تيلرسون لذلك ودعوته الأطراف المختلفة لحل الخلاف بينها، وتأكيداته هو ووزير الدفاع جيمس ماتيس أن استمرار الأزمة يربك عمل القاعدة الأميركية بقطر في مواجهة تنظيم الدولة. ورغم المصالح العديدة لواشنطن لدى الدوحة، فإن موقفها لا يزال مترددا في حل الأزمة، فلم تضغط على الدول المحاصِرة لوقف إجراءاتها ضد دولة حليفة لها. ويلاحظ أن الموقف الأميركي لم يكن حازما في الدعوة لوقف الحصار وحل الإشكال بين الدول الخليجية، رغم أن الإدارة الأميركية دعمت جهود أمير الكويت صباح الأحمد الصباح في مساعيه لحل الأزمة. وهناك رأي قوي يقول إن الرئيس ترمب متورط بتحريضه -أو على الأقل سكوته- السعودية والإمارات على اتخاذ إجراءاتها ضد قطر، لا سيما أن الحصار جاء بعد انتهاء القمة الأميركية/السعودية والقمة الخليجية/الأميركية في الرياض، وإنشاء مركز لمحاربة الإرهاب. ولم يشفع وجود القاعدة الأميركية في قطر -التي تضم 11 ألف عسكريا أميركيا- للدوحة عند ترمب، الذي جاءت تصريحاته عدائية بما يشي بأنه متورط بشكل أو بآخر في الحصار. ونسبت صحيفة نيويورك تايمز إلى المستشار القانوني لوزارة الخارجية في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما براين إيغان قوله ساخرا إن الدول الأخرى في الشرق الأوسط -وهي ترى ما يحدث من ترمب- ربما تفكر في افتتاح ملاعب غولف له أو تشتري غرفا في فندق ترمب إنترناشيونال. وتلك إشارة إلى دوافع شخصية لدى ترمب ضد قطر، بسبب عدم موافقتها على عدة مشاريع استثمارية لشركاته كان قد تقدم بها إلى الدوحة قبل أن يعتلي سدة الرئاسة. وربما يسعى ترمب كذلك -عبر سماحه للسعودية والإمارات بفرض الحصار- للضغط على الدوحة لتغيير سياساتها . ولكن ترمب يواجه الآن اتهامات وتحقيقا قضائيا في تنحيته رئيس "أف بي آي" جيمس كومي، بسبب سعيه لتقويض تحقيق بشأن التدخل الروسي لصالح ترمب في الانتخابات الأميركية الأخيرة. وفي تصريحات حول خطورة الأمر على ترمب، قال المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأميركية جيمس كلابر -في كلمة ألقاها بأستراليا- إن فضيحة ووترغيت التي أدت إلى سقوط الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974 "لا قيمة لها بالمقارنة مع قضية التدخلات الروسية المفترضة في الولايات المتحدة". وقد لا تكون سياسة ترمب هذه معتمدة لدى الحكومة الأميركية التي باتت تعاني من سياساته المتهورة في أكثر من مجال وآخر ذلك تخليه عن اتفاقية المناخ، ولكن الإدارة الأميركية لا يبدو أنها فاعلة في الضغط على حلفائها الخليجيين لإنهاء الحصار اللاإنساني وغير القانوني. وذلك في وقت يستمر فيه وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش في التحريض ضد قطر، أضعاف ما يقوم به نظيره السعودي عادل الجبير الذي لم يقصر هو الآخر في مهاجمة قطر، بحجة احتضانها قيادة حماس في أراضيها وبعض قيادات الإخوان الفارين من أحكام الإعدام والسجن الجائرة بالجملة التي أطلقها قضاة السيسي. وتبدو الإدارة الأميركية مشتتة ومشلولة في ملاحقة الأزمة ما بين معالجة تطوراتها ومنع تعقيدها في منطقة مصالح حيوية لها، وما بين عدم اتزان الرئيس الأميركي في مواقفه منها، والتي تكاد تعصف بالحياد الذي عملت عليه طوال السنين الماضية. وفي تعبير واضح عن فشلها، دعمت الإدارة الأميركية الجهود المحلية لأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد دون أن تفعّل آلياتها الذاتية لوضع حد للأزمة، وإلزام الدول المتسببة فيها بالتراجع عن مواقفها. ومن العوامل المثبطة للدور الأميركي تحقيقات الكونغرس الأميركي في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية لصالح ترمب، والتي قد تفضي إلى إقالته وعزله إذا ثبتت القضية عليه. وفي هذا السياق، جاء الدور التركي المساند لقطر وتدخله لدى السعودية لوقف التصعيد، ودعوة دول الخليج الثلاث إلى إنهاء الأزمة بحلول نهاية رمضان. وفي دلالة واضحة على دعم قطر، عجّلت تركيا بإرسال وحدات من جيشها إلى قطر، بعد أن وافق برلمانها على مشروع الاتفاقية العسكرية المبرمة بين الطرفين وافتتاح قاعدة عسكرية تركية في قطر. كما أرسلت إيران رسائل متعددة بأنها لن تسمح بوجود قوات سعودية في قطر، خصوصا أن قطر تتقاسم مع إيران حقلا للغاز الطبيعي. وأمدت تركيا وإيران قطر بمواد غذائية عبر الجو والبحر في رسالة تضامن واضحة، كما فتحت لها سلطنة عمان موانئها، في ظل تعاطف شعبي كبير معها في الكويت التي رأت أنها قد تكون مستهدفة تاليا بسبب العمل الخيري الذي ترعاه، ولوضع بعض شخصياتها ضمن قوائم الإرهاب التي اعتمدتها الرياض وأبو ظبي والقاهرة! وإذا أضفنا لذلك الموقف القوي الذي اتخذته ألمانيا زعيمة الاتحاد الأوروبي ضد المحاصرين، فيمكن أن نرى حجم التعقيد في المسألة وتداعياتها الإقليمية والدولية، والتي لا تجعل قطر لقمة سائغة للسعودية أو غيرها. ويرى بعض المحللين الأميركيين أنه إذا أرادت واشنطن توفير الأمن لدول الخليج العربي ومحاربة الإرهاب، فإن عليها عدم الانحياز في مشاجرة أخوية مزعزعة للاستقرار، فمن شأن ذلك أن يقوّض الغرض من تدخل الولايات المتحدة في المقام الأول، بل يخاطر بتعرضها للكوارث. ونستطيع القول إن أميركا خلقت الأزمة من حيث تدري أو لا تدري، وأنها الجهة الوحيدة القادرة بنفوذها على أن تحلها بالضغط على حلفائها لفك الحصار. وإذا تقاعست عن هذا الدور فإنها تخاطر بتهديد الوحدة الخليجية بل والوحدة العربية في محاربة الإرهاب. أما كيف ستتطور الأزمة؛ فهذه قضية يصعب الجزم بها في ظل استمرار تداعيات التصعيد السعودي والإماراتي بحق قطر.الجزيرة .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة