جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
«الاسلام أوروبا الغرب»

محمد أركون :المؤلف ■ تحولات مهمة ربطت المفكر محمد أركون، الباحث في قضايا الفكر الإسلامي بعام 2010، فقد جعل منه عاما تحوليا لقيام تغيرات جوهرية في العالم الإسلامي، مضمنا ذلك في مقدمة كتابه «الإسلام، أوروبا، الغرب.. رهانات المعنى وإرادات الهيمنة»، حيث يقول في مقدمة هذا الكتاب الصادر عن دار الساقي عام 2001 في طبعته الثانية: «يمكننا أن نسرح النظر بعيدا وأن نتنبأ بحصول متغيرات جوهرية في العالم الإسلامي حوالي عام 2010، سوف نتخذ هذا العام كأفق لتفكيرنا منذ الآن، وسوف نفترض أنه ستحصل طفرة نوعية على كافة المستويات في الناحية العربية والإسلامية، سيكون العنف قد انتهى، والموجة هدأت، والدخول في المرحلة العقلانية قد ابتدأ جديا، لا نعني بالطبع أن العنف سوف يستمر حتى ذلك الوقت على الوتيرة الحالية ذاتها، وإنما نعني أن انطلاقة العقلانية والفكر المنهجي المسؤول سوف يجد له فرصة جدية أو حقيقية للانغراس في أرض الإسلام، وعندئذ يمكن تجاوز القطيعة الجغرافية ـ السياسية والتفاوتات الأيديولوجية والنبذ المتبادل، والحقائق الخيالية وعلاقات الهيمنة التي ما انفكت تسيطر على الفضاء المتوسطي منذ الصدامات الأولى التي حصلت بين الرمزانية الدينية التوحيدية الصاعدة من جهة/ والقوة الفلسفية الهائلة للعقل الإغريقي ونظام الإمبراطورية الرومانية ومرونة الآلهة الوثنية من جهة أخرى». وأمام هذا التشخيص والتحديد المسؤول نجد السؤال البديهي، وهو كيف تنبأ أركون قبل زمن طويل بأن هذا العام سيكون عاما تحوليا للعالم الإسلامي؟ وقد حدث ذلك فعلا في جانبين اثنين، أولهما يتعلق به شخصيا فهو العام الذي توفي فيه هذا المفكر وذلك في 14 سبتمبر/أيلول في فرنسا، وبغيابه فقد العالم الإسلامي والعربي واحداً من أهم دعاة تجديد الفكر الديني والخطاب الإسلامي، وثانيهما أنه العام الذي انطلقت فيه شرارة ثورات الربيع العربي، بدءاً من تونس واتسعت لتشمل سبع دول عربية حتى الآن وما زالت مستمرة، رغم عدم تطابق النتائج وانحرافها عما تفاءل به أركون. في تلك المقدمة التي تكونت من 40 صفحة تقريبا وحملت اسم «مقدمة الطبعة العربية» التي ترتقي لأن تكون مشروعا فكريا متكاملا، لا يتوانى خلالها أركون عن استخدام مصطلح «سوء التفاهم» مثلما استخدمه بذاته، أو بأشكال أخرى متقاربة ضمن بعض مؤلفاته الأخرى في الإشارة إلى تشخيص العلاقة المتوترة القائمة بين الشرق والغرب، هادفا إلى تنظيف الصورة في هذه العلاقة مما شابها من فعل نمطي لاتجاهات كثير من الباحثين والكتاب، الذين اختزلوها في صور صدام وصراعات تصعيدية، بلغت ذروتها في عنوان كتاب صامويل هنتنغتون «صدام الحضارات»، الذي قال بأن الاختلافات الثقافية، ستكون هي المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين المقبلة. والحقيقة أن ثبات رؤية ونظرية أركون هذه وقيام مشروعيتها ينفي آليا الكثير من النظريات والتيارات الدينية والسياسية القائمة، والمستفيدة منها قيادات وأنظمة سياسية ودينية، سخرت الدين لمصالح دنيوية لدى الطرفين، وهما الشرق والغرب. ففي كتابه هذا « الإسلام، أوروبا، الغرب» يطرح أركون تفاؤلاً واسعا في إمكانية تصحيح مشهد العلاقة بين الغرب والشرق، منطلقا من رؤيته التي تقول بأن المصطلحات الثلاثة التي يتكون منها عنوان هذا الكتاب قد تعرضت لأدلجة مهووسة ومبالغ فيها، ويجب أن يعاد التفكير فيها لحل الصورة التاريخية أو الواقعية محل الصورة الأيديولوجية، وأن الصورة التي يمتلكها كل طرف عن الآخر غير صحيحة على الإطلاق، وفي أولى خطواته في هذا الاتجاه يستبدل لغة التضاد والتصادم بين المسميات التصعيدية بسياقات ومقاربات أخرى، حيث يفضل تسمية الإسلام والغرب بدلا وعوضا عن الشرق والغرب في الدلالة على العلاقة بينهما. الفوقية التاريخية يبدأ أركون مقارباته الفكرية من نقد الخطاب الإسلامي الشائع أولا، واصفا إياه بأنه يزيد من حدة الصرامة العقائدية الجامدة للتصورات القديمة الموروثة عن الإسلام، حيث يرى أنه «أصبح مجرد طقوس عبادية واقعة تحت ضغط المراقبة الاجتماعية المتشددة أكثر فأكثر، أما البعد الفكري والبعد الروحي والبعد الحضاري للإسلام فهو شبه غائب»، لذلك يستخدم مصطلح «الحدث الإسلامي» بدلا من تسمية الإسلام في سياق الهدف الذي يريد الوصول إليه، أو كما يراها عملية تجذير الإسلام في التاريخية بدلا ً من أن يبقى مفهوما مثالياً مجرداً». تنظيف مفهوم الإسلام من كل التراكمات والإضافات الحشوية وأنواع الخلط التي لحقت به على مرّ القرون، داعيا إلى التوقف عما يمكن تسميته بالفوقية أو التفوق التاريخي، سواء الإسلامي أو العربي، القائم على تنسيب وتجذير أغلب العلوم والمعارف إلى فترة صدر الإسلام فقط، مشيراً بالقول «إنهم لا ينفكون يرددون بأن الإسلام قد عرف الديمقراطية قبل الغرب والعصور الحديثة»، أو بالخطاب الجامد لبعض «المؤمنين» عن روحانية الشرق العظيمة والمادية اللاأخلاقية للغرب، التي يصفها بأنها مجرد إسقاطات محضة، لذلك فهو يفتح لنا باباً نحن – الشرقيين – لنعبر من خلاله إلى فضاء أوسع يمكننا من الالتقاء بالآخر والتخلص من العقد التاريخية المزمنة، هذا الباب يتمثل بقيام مفهومين أساسيين هما: الزحزحة والتجاوز، حيث يقول: علينا أن نزحزح أولا ثم نتجاوز ثانيا كل الأجهزة المفهومية والمقولات القطعية والتحديدات الراسخة الموروثة عن الماضي، سواء أكان هذا الماضي ينتمي الى جهة التراث الإسلامي، أم الى جهة التراث الأوروبي – الغربي. وفي هذا السياق بالذات يمكن القول بأن «تأريخية «وفوقية موروث العقل العربي لم تقف حاجزا فقط أمام الالتقاء مع الغرب، أو بقية حضارات العالم، بل تعداها سابقا إلى ما هو داخلي أيضا وهو الإسلام بذاته، حيث وقفت القبلية والنسب القبلي والعشائري والأسري والمادي سدوداً منيعة أمام تحقيق المساواة الحقيقية والكاملة بين السويات الاجتماعية حتى في صدر الإسلام نفسه واستمرت الى يومنا هذا، حيث بقي الأسود أسوداً ومقيداً بدائرة لونه ونسبه أو كما هو الحال بالنسبة للمسلم الأعجمي. يعترف أركون بحدوث تواطؤ موضوعي بين الاستشراق والإسلام المحافظ، ذاك الاستشراق الذي يركز على النمطية فقط في الخطاب الإسلامي التقليدي، ويرفض الاقتراب من الخطاب الإسلامي الليبرالي. التواطؤ الاستشراقي يعترف أركون بحدوث تواطؤ موضوعي بين الاستشراق والإسلام المحافظ، ذاك الاستشراق الذي يركز على النمطية فقط في الخطاب الإسلامي التقليدي، ويرفض الاقتراب من الخطاب الإسلامي الليبرالي الذي يسير باتجاه مكتسبات الحداثة وتخصيب التفسير، مستشهدا بأن الكتب الأكثر نجاحاً ورواجاً في الغرب ليست هي تلك التي تتحدث عن الليبرالية أو التحديثية في الإسلام، وإنما تلك التي تتحدث عن تيارات راديكالية وأصولية وتطرفية في الإسلام، حيث يقول: الباحثون الغربيون يفضلون، كما هي العادة دائما، أن يبحثوا عن أصل العلة في الإسلام، فالإسلام في نظرهم هو سبب كل المشاكل، مع العلم أنه ينبغي أولا ً وقبل كل شيء أن ندرس البنى الاجتماعية والعلاقات الكائنة بين السلطة السياسية المركزية والوحدات الاجتماعية. كما يرى أنها دراسات وبحوث من إنتاج باحثين في العلوم السياسية. هذا كان حول درجات الاستشراق وتعاطيه مع الديانة الرئيسة للشرق، وذلك بمنظور تاريخي ليس ببعيد، أما في ما هو واقع فإن الباحث لا يبرئ الأنظمة السياسية الشرقية بأحزابها الشمولية وما خلفته من سياسات خلقت أشكالا مختلفة للتطرف، سواء الديني أو الفكري، استطاعت من خلاله أن تشوش صورة الشرق بكليته وجعله مبعثا للمخاوف التي تنمي القطيعة وتغلق الأبواب بين الشرق والغرب. مادية العلمنة في موازاة الفوقية التاريخية للإسلام بوصفه ديناً شاملاً وسابقاً لكل العلوم والمنجزات العلمية، كما يراها الشرق، تقف الفوقية المادية للعلمنة لدى الغرب، ولكن في تطبيقها الضيق كما يصفها أركون «العلمنة حذفت كل المسائل المتعلقة بتاريخ الأديان والانثروبولوجيا الدينية من ساحة الفضاء التعليمي العام»، وهو ما يقصد به إعطاء وإيلاء الجانب المادي فوقية على الجانب الروحي، الذي يراها الشرق بأنها عملية ناقصة في التحضر والبعد الروحي، وبالتالي هي ريبة ورفض لمشروعيتها وجدار مانع من الالتقاء. في هذا الكتاب الذي يمكن وصفه بأنه حوار مفتوح على تساؤلات واسعة في المقارنة ما بين الشرق والغرب، فكراً وديناً وتاريخاً، نجد أن أركون وبعد مقدمتين اثنتين أعدهما وخص إحداهما باسم مقدمة الطبعة العربية، قد فتح الباب لتساؤلات مهمة للسياسي والباحث الهولندي فريتس بولكستاين، ليأخذ الحوار فيه شكلاً استجوابياً واستقصائياً، حدد من خلاله أركون الكثير من الملابسات، وسوء الفهم الذي يغلف علاقة الشرق بالغرب، ساعيا لخلق جسور تقارب بين ما يمكن تسميته اليوم بالنقيضين، ثم يفتح أركون حواراً آخر مع الباحث والمترجم هاشم صالح، الذي قام بترجمة أغلب أعمال المفكر أركون، وساهم بشكل واسع في نشر وشرح أفكاره بإسهاماته الكبيرة لغوياً وفكرياً، وهو الذي عايش أركون في مسيرته الفكرية والبحثية لزمن طويل، رغم أن صالح يؤكد في هذا الكتاب على أنه لا ينتظر الكثير من الحوار العربي ـ الأوروبي، ذلك أنه حوار يكتفي بالتناول السطحي للقضايا السياسية والاقتصادية، ونادرا ما ينزل إلى مستوى العمق. مهمة أركون كسفير فكري مزدوج لعقلين، هي مهمة شاقة وطويلة استنفد فيها عمره كله، ونحن نعلم جيداً أن الخوض في غمار الوساطة بين نقيضين هما دين ـ للشرق وحضارة ـ للغرب في سياقهما الشكلي فقط وليس بالمضمون، هو زجٌ بالنفس إلى دوائر الاتهام التي لا تنتهي في زحمة التأويلات والتفسيرات من كلا الطرفين، خاصة أن أركون ذو منبت وجذور إسلامية بعقل غربي إن صح التشخيص، وقد اعترف في بداية كتابه هذا عن حجم الضغوط التي نالته وستناله لاحقا. تاركاً ومخلفاً بوفاته مشروعاً فكرياً تجاوزياً، يصعب على مفكري اليوم ملؤه أو النهوض به، غير أن التهاب الخطاب الثقافي التصعيدي والاستثمار في تصادم الحضارات الى مستويات غير مسبوقة اليوم، يفتح الأولويات لهذه المشاريع الفكرية المبنية على ضرورة الحوار مع الآخر لعلها تكون آخر طوق للنجاة.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة